على هامش مئوية جمال عبدالناصر


إعلان

قبيل يوم 15 كانون الثاني (يناير) 2018، وبعده، شهدت مصر ودول عربية أخرى، وكذلك دول من العالم الثالث؛ احتفاليات، لمناسبة الذكرى المئوية الأولى لميلاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وعلى رغم التضارب في الرأي بين مؤيدي عبد الناصر ومعارضيه، فإن كاتب هذه السطور يدفع بأنه من المتفق عليه بين هؤلاء وأولئك أن الرئيس الراحل ترك أثراً باقياً، سواء على مستوى مصر أو على الصعيدين العربي والعالمي. وإذا انحزنا إلى فترة حكم عبد الناصر، سنجد اتجاهاً غالباً يرى أن الرئيس الراحل انحاز في سياساته الاقتصادية والاجتماعية إلى الطبقات الدنيا والوسطى، وهو ما يدخل في اللغة المستخدمة حالياً في العلاقات الدولية ضمن مفردات من نوعية «التمكين الاقتصادي والاجتماعي للفئات المهمشة» و «السعي إلى تحقيق مقدار من العدالة الاجتماعية»، مع الإقرار بأن تفسير الدوافع اختلف ما بين المؤيدين والمعارضين. فالمؤيدون اعتبروا الدافع هو إعادة رسم خريطة المجتمع المصري بحيث يكون الدخل والثروة موزعين في شكل أكثر عدلاً، بينما رأى المعارضون أن الدافع كان تفتيت قوة الطبقة البرجوازية التي كانت تمثل عماد كل من النظام الديموقراطي السياسي، حتى وإن كان منقوصاً عبر تدخلات الاحتلال البريطاني وأسرة محمد علي في ذلك النظام، وأيضاً النظام الاقتصادي الذي يعتبره البعض ناجحاً في مجمله وإن احتاج إلى إصلاحات من دون تغيير جذري لطبيعته. أما الخلاف الآخر فيتصل بعلاقة هذا التغيير الاجتماعي بالحالة السياسية، حيث يقطع المعارضون بأن الهدف كان تعزيز قبضة الرئيس الراحل على السلطة، ولم يصاحب ذلك التغيير تمكين سياسي للطبقات الدنيا والوسطى. بينما يرى المؤيدون أن التمكين السياسي حدث طبقاً للصيغة الغالبة في ذلك الوقت في غالبية بلدان العالم الثالث وهي صيغة الحزب الواحد أو التنظيم السياسي الواحد، وإن أقرّ هؤلاء بأن الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية لمصلحة الطبقات الدنيا والوسطى لم يصاحبها بناء مؤسسات قوية تحافظ عليها وتطورها ما أدى إلى سرعة وسهولة التراجع عنها بعد وفاة عبد الناصر.

أما المسألة الثانية المتعلقة بالداخل المصري وتنتمي أيضاً إلى ما يراه تيار غالب من المؤرخين والمحللين، فهي ما تقودنا إليه النقطة الأخيرة في الفقرة السابقة، وهو أن فترة حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لم تحقق أي تقدم حقيقي على صعيد تحقيق وضمان الحقوق السياسية والحريات الديموقراطية، على رغم أن أحد أهداف ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 كان بناء حياة ديموقراطية سليمة، بل إن البعض، خصوصاً من المعارضين، يذهب إلى القول إن الرئيس الراحل والنظام السياسي الذي أنشأه؛ أطاح بعض معالم حياة ديموقراطية، كانت قائمة، وإن كانت منقوصة، في الحقبة الليبرالية (1923 – 1952).

والمسألة الثالثة تتعلق بالداخل المصري، ولكن كانت لها امتدادات عربية، وتحديداً في سورية خلال فترة قيام الجمهورية العربية (1958 –1961)، وهي ضعف المؤسسات التي أقيمت، بخاصة في مجال العمل السياسي، وربما يعود ذلك، في رأي المؤيدين، إلى شعبية الرئيس الراحل الجارفة التي طغت على أي مؤسسات، أما في رأي معارضيه فيعود ذلك إلى تركيبته الفكرية وطبيعة شخصيته والنمط الغالب على سنوات حكمه. إلا أن المحصلة النهائية تاريخياً هي أن المؤسسات السياسية التي أُنشئت في عهد عبدالناصر اتسمت في مجملها بالضعف البنيوي والتعرض للانهيار السريع بفعل قرارات إدارية، كما أنشئت أصلاً بالصيغة نفسها، ويكفي أن الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو آخر صيغ التنظيمات السياسية القائمة لثورة 1952، تعرّض للحل، من دون مقاومة تذكر، بكلمات قليلة ضمن خطاب للرئيس الراحل أنور السادات في افتتاح مجلس الشعب (البرلمان) المصري في تشرين الثاني (نوفمبر) 1976. وبالدرجة نفسها كان ضعف المؤسسات التي نشأت في سورية في زمن الجمهورية العربية المتحدة والتي سريعاً ما انهارت من دون أن تلعب دوراً يذكر في التصدي لحركة الانفصال في أيلول (سبتمبر)1961.

ويكاد يوجد إجماع على أن تأثير عبد الناصر في الساحة الدولية كان أكثر نجاحاً وأقل إثارة للجدل مما حقّقه على الساحة المصرية، أو حتى على الساحة العربية ذاتها. فلا شك في أن مساهمة عبدالناصر في سياسات التعاون الأفرو آسيوي، وإقامة حركة عدم الانحياز ومجموعة الـ77 لبلدان العالم الثالث، والدعم الفعال لحركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، والمساهمة في تصفية الاستعمار بأشكاله التقليدية، والعمل من أجل نزع السلاح على الصعيد العالمي، خصوصاً السلاح النووي، والسعي من أجل تحقيق ديموقراطية النظام الدولي، وفرض بند التنمية الاقتصادية للبلدان المستقلة حديثاً على جدول أعمال العلاقات الدولية، هي كلها أمور تحسب له ولدور مصر في عهده. وإن كان خصومه ومنتقدوه يرون أن الاهتمام بالخارج جاء على حساب الاهتمام بالداخل المصري، بخاصة في ضوء محدودية موارد مصر المادية والاقتصادية. ويدفع هؤلاء بأنه ربما كان من الأفضل التركيز على التنمية في مصر والانطلاق بعد الوصول إلى مستوى متقدم من القوة الاقتصادية للعب دور دولي فعال. وهو الأمر الذي يرد عليه مؤيدوه وأنصاره بأن قوى الاستعمار التقليدي والجديد لم تمنحه تلك الفرصة، ويدللون على ذلك بواقعة سحب عرض تمويل السد العالي من قبل البنك الدولي؛ تحت ضغوط الدول الغربية الكبرى والولايات المتحدة الأميركية، وهو ما دفع بالرئيس الراحل إلى نقل المعركة إلى قلب الساحة العالمية.

والمسألة الأخرى على الصعيد العالمي تتمثل في مدى نجاح الرئيس الراحل في تحقيق توازن علاقاته بين الكتلتين الغربية والشرقية وإدارتها بما يخدم المصالح المصرية والعربية، خصوصاً أن فترة حكمه كانت تقع ضمن زمن الحرب الباردة بين الكتلتين. وهنا يقفز إلى الذهن ما رآه بعض المنتقدين من تناقض بين قيادة الرئيس المصري الراحل لحركة عدم الانحياز من جهة، وما يعتبره هؤلاء انحيازه للاتحاد السوفياتي السابق والتقارب معه، خلال ستينات القرن العشرين من جهة أخرى، على حساب العلاقات مع الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً. وهنا يحمله هؤلاء، جزئياً على الأقل، المسؤولية عن التحول في الموقف الأميركي تجاه المواجهات العسكرية المصرية الإسرائيلية ما بين موقف حاسم مارس ضغوطاً على إسرائيل للانسحاب من سيناء المصرية وقطاع غزة الفلسطيني بعد العدوان الثلاثي عام 1956 وموقف كان واضحاً في دعمه إسرائيل في حرب حزيران (يونيو) 1967. كما يحمّل هؤلاء هذا الخيار مسؤولية فقدان فرص الحصول على دعم تنموي غربي ربما كان أكثر كفاءةً مما قدمه الاتحاد السوفياتي وكتلته لمصر خلال الفترة نفسها. وبالمقابل، يرى مؤيدو عبد الناصر أنه لم يتجه إلى الاتحاد السوفياتي وكتلته سوى بعد أن استنفد سبله مع القوى الغربية، التي دفعته دفعاً إلى الطرف الآخر بدايةً برفض تصدير السلاح لمصر لمواجهة الغارات الإسرائيلية عام 1955 ما دفعه لعقد صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة، أو عبر سحب عرض تمويل بناء السد العالي. ومن المؤكد، من وجهة نظر هؤلاء، أن الرئيس الراحل لم تكن هناك دوافع أيديولوجية لتقاربه مع الاتحاد السوفياتي، والدليل مراسلاته مع الرئيس الأميركي الراحل جون كنيدي، وأيضاً تجاوبه مع المساعي الأميركية للتوسط لتحقيق السلام عقب حرب 1967، وهو الأمر الذي تمثّل في قبوله مبادرة روجرز في 23 تموز (يوليو) 1970. كما يدفع أصحاب هذا الطرح بأن تغير الموقف الأميركي يرجع إلى اختلاف توجهات الرئيس الأميركي ما بين إيزنهاور عام 1956 وجونسون عام 1967.

وهكذا كانت تلك هي ثلاث مسائل على الصعيد الوطني، إحداها لها امتدادات عربية أيضاً، ومسألتان على الصعيد العالمي، من المسائل التي لا تزال محل نقاش وجدل بعد ما يقرب من نصف قرن على رحيل جمال عبدالناصر اتصالاً بشخصيته وأسلوب إدارته للحكم وتوجهاته وخياراته وسياساته، وإن كان بعضها، محل ما يمكن اعتباره تياراً غالباً وبعضها الآخر تنقسم حوله الآراء، وهي مجرد أمثلة تدل على حالة أعم، ولكن تبقى الحقيقة أن الرئيس الراحل ترك أثراً لا زال وسيظل مستمراً، داخل مصر وخارجها لزمن طويل مقبل، ويختلف تقييم هذا الأثر وفق توجهات وانحيازات من ينظر إليه، وهو أمر سيبقى أيضاً في المستقبل المنظور.

وليد محمود عبد الناصر- كاتب مصري والمقال للحياة

إعلانات