مَن يملك أوراق إدارة الأزمة في سورية؟

إعلان

تواصل الأزمة السورية تداعياتها الدرامية، والتي تؤكد أن كثرة اللاعبين المشاركين فيها وطبيعة النظام الدولي الراهن، فضلاً عن خصائص الجغرافيا والديموغرافيا السورية تنتج نموذجاً غير مسبوق في تاريخ الأزمات الدولية والإقليمية من حيث عدم إمكان اليقين، وعدم قدرة أي طرف على الإمساك بخيوط الأزمة، ونظرة مقارنة لبعض أنماط الأزمات التاريخية الكبرى كأزمات فيتنام وأفغانستان، وحتى الصراع العربي- الإسرائيلي، تكشف عن تفرد الأزمات العربية الإقليمية الراهنة، بخاصة سورية، ولم يكن من غير المتوقع أن ينتهي مؤتمر سوتشي بفشل واضح، إذ لازَم الفشل المؤتمر قبل انعقاده بعدم مشاركة غالبية فصائل المعارضة، ثم في بدايته بمقاطعة عدد من الحضور السوري كلمة راعي المؤتمر الرئيس الروسي التي ألقاها نيابة عنه وزير الخارجية لافروف. وتجلى هذا كله في أن المؤتمر استغرق يوماً واحداً، ولم يسفر إلا عن الاتفاق على عموميات كوحدة أراضي سورية – والحديث عن لجنة دستورية تتشكل من وفد الحكومة السورية ووفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض إعلان دستوري يساهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. ووفق مراقبين ووكالات أنباء غربية لم يتطرق البيان إلى قضايا أساسية تتعلق بدور الأمم المتحدة ومحاسبة المسؤولين السوريين، ووجود القوات الأجنبية على الأراضي السورية. على أنه من ناحية أخرى فاتَ على كثير من المعلقين الإشارة إلى غياب بنود أخرى أكثر أهمية كجوانب التسوية الفعلية وعلى رأسها مستقبل النظام السوري وخروج المقاتلين الأجانب، وإعادة الإعمار.

إن انعقاد المؤتمر في ظل التصعيد الراهن في عفرين حيث تُجرى معركة شرسة؛ أطرافها كثيرون، جعله مشهداً عبثياً خارجاً عن السياق، فهي معركة رئيسية ليس من المؤكد بعد أنها الأخيرة في حسم النفوذ والسيطرة في هذه الأزمة، إلا أنها ستظل على الأرجح أحد المعالم الرئيسة في هذا الصدد. وهذه الأطراف هي روسيا والولايات المتحدة وطبعاً تركيا لاعبها الرئيسي الآن؛ وكذا إيران والنظام السوري والأكراد. وبداية هذا الفصل الجديد في سورية ترجع إلى شهور عدة؛ ولعلي كنتُ مِن أوائل مَن أشاروا إلى ذلك عندما استخدمت واشنطن الورقة الكردية وقوات سورية الديموقراطية للعودة للمسرح السوري وذلك بثمن عسكري زهيد نسبياً بالمقاييس الأميركية لإفشال الهيمنة الروسية ولكي تكون طرفاً في إدارة الأزمة وتسويتها لاحقاً. ما حدث ويحدث الآن في معركة عفرين يؤكد دروساً مهمة في تحليل الأزمة السورية وبخاصة بعد احتداد المعارك ووضعها للطرفين الأميركي والتركي في حرج بالغ. فتراجع تركيا عن إكمال مهمتها بتدمير القواعد والقوات التركية وبعد ذلك فرص قيام كيان كردي مستقل، سيعني نكسة سياسية ضخمة ومدمرة لأي نظام تركي ولمشروع أردوغان السياسي، واكتمال مهمتها– واضطرار الولايات المتحدة للانسحاب في شكل أو آخر سيكون بمثابة هزيمة كبرى للدولة العظمى وعلى يد أحد أبرز حلفائها السابقين وحرج واضح للإدارة الأميركية الحالية. وربما يفسر هذا بالإضافة إلى الاستماتة الكردية الطبيعية بطء الموقف العسكري وصعوبته في عفرين. والمؤكد أن المستفيد الأول من هذه المواجهة الصعبة، والتي دخلت فيها فرنسا أخيراً بتصريحات أغضبت تركيا، هو روسيا. ومع ذلك، فإن روسيا لم تحقق أهدافها في سوتشي، وعلى رغم البيان الإيجابي عن الاتصال بين بوتين وأردوغان، فإن هذا لم يمنع بعض فصائل المعارضة السورية المحسوبة على تركيا من مهاجمة موسكو في المؤتمر، والأطراف الثلاثة المتوافقة حالياً في شأن سورية، أي روسيا وإيران وتركيا مصالحها غير متطابقة بل ومتناقضة أحياناً ويجمعها الملف الكردي بالأساس، وبالنهاية في كلمة واحدة لا يمكن اعتبار أن روسيا تملك حتى الآن ما يكفي للسيطرة على إدارة هذا الملف المعقد. وأنه بدرجة كبيرة، فإن مصير عفرين هو الذي سيحدد في الأجل القصير اللاعبين الأكثر قوة ونفوذاً. والأرجح أن الأطراف الثلاثة ستواصل دوراً رئيساً، ولكن تركيا إذا انتصرت ستخسر أكثر استراتيجياً في علاقاتها بالغرب وستجد نفسها في مواقف متناقضة في مضمون رسالاتها السياسية الداخلية والخارجية. وهو ما يمكن أن يلعب لمصلحة روسيا والنظام السوري إذا نجحت تركيا في إضعاف شوكة الأكراد وقدرتهم على تحقيق الانفصال، لكنها تصطدم بموقف دولي عام ما قد يجبرها لاحقاً على سحب قواتها. وعموماً؛ لا بد من تسجيل أبرز دروس هذه الأزمة الأخيرة في مسار المسألة السورية، وهي أنها أكدت مجدداً أنه نظراً لتعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين – وفي ظل حالة السيولة والتحول في الأوضاع الدولية الراهنة، لا يستطيع طرف واحد أن يمسك بخيوط اللعبة. ونعود إلى البعد الآخر المهم وهو المتعلق بالبعد الأميركي، حيث يرتبط هذا بسؤال آخر وهو: ماذا إذا زادت كلفة معركة عفرين، وكان حسمها يحتاج إلى الكثير من العنف والكلفة العسكرية والبشرية للأطراف؛ بخاصة التركية والكردية من مقاتلين ومواطنين خصوصاً مع أنباء سقوط مدنيين؟ وماذا إذا امتدت هذه الكلفة إلى العناصر العسكرية الأميركية التي يقدرها بعضهم بألفي عنصر، وهل سيؤدي هذا إلى تدخلات دولية أكثر حدة، وهل ستضطر واشنطن إلى قصف قوات تركية، أم أن تصبح معركة عفرين مبرراً وغطاءً أكثر جدية لتسوية للأزمة السورية، بمعنى تسليم واشنطن مقاليد الأمور إلى روسيا كي تخرج عناصرها العسكرية من هذا المشهد الصعب المحرج؟ عندئذ ستبدو تركيا منتصرة مرحلياً حتى لو خرجت من الأراضي السورية ولكن سيكون تقليم أظافرها في المشهد السوري أحد عناصر أي صفقة ستقبلها واشنطن والغرب، كل هذه احتمالات واردة إذا استطاع اللاعب الروسي الأكثر مهارة وحرفية ضبط إيقاع هذه المعركة التي ستعيد له الاعتبار الدولي الكامل وتكون فصلاً جديداً في التراجع التدريجي الأميركي الذي تزداد مؤشراته. وما سبق هو تطبيق قواعد التفكير الرشيدة لإدارة الأزمه، ولكن يظل البديل هو التصعيد الأميركي المضاد مع ضعف احتماله.

محمد بدر الدين زايد- كاتب مصري- والمقال للحياة

إعلانات