كتاب عربموضوعات رئيسية

الواقع بين الحقيقة و… الإعلام

يلعب الإعلام دوراً في تجميل الصورة، وهذه قضية بات مفروغاً منها، لكن الإعلام يُجمّل صورة أساسها موجود، ولا يصنع أساس الصورة، وإذا كانت هناك صورة فيها بعض التشويه من الممكن تجميلها من خلال الإعلام، ولكن لا يمكن اختراع الصورة من الأساس. إن هذا ما يحاول الإعلام الرسمي تصويره، باختراع واقع غير موجود على الإطلاق.
ففي الوقت الذي تسمع الإعلام الرسمي في هذا البلد العربي أو ذاك يتحدث عن المنجزات العظيمة التي تحققت في البلد المعني، تشعر بأن هذا البلد يعيش نهضة عظيمة ترتقي بالبلد المعني إلى مصاف الدول المتقدمة. ولكن واقع الحال والمعروف للجميع، والشيء المشاهد بالعين المجردة، أن هذه المنجزات لا أساس لها وهي مجرد أكاذيب تتكرر منذ سنوات والأوضاع تزداد سوءاً. فمن من الدول العربية في الجملة والمفرق يستطيع أن يدعي أن أوضاعه اليوم أحسن حالاً منها في السبعينات من القرن الماضي على سبيل المثل؟!

دفع واقع الإعلام هذا المواطن العربي في البلدان العربية، إلى أن يثق في كل وسائل الإعلام الأخرى، سوى وسائل إعلام بلده، التي يعتبرها أغلب المواطنين العرب وسائل إعلام مهنتها الكذب. وليس أدل على ذلك من أنه ومنذ سنوات طويلة تشكل الإذاعة الإسرائيلية مصدراً من مصادر المعلومات الرئيسية للمواطنين العرب في البلدان المحيطة بإسرائيل. وهذا يشكل مؤشراً بليغاً إلى مستوى ثقة المواطن العربي في إعلامه المحلي.
لم يختلف الوضع مع انتشار البث الفضائي كثيراً، وإن كان تحسّن على المستوى التقني، ولكن من حيث جوهر التفكير الرسمي بقي الإعلام ممارسة للتمويه والكذب. وعلى رغم الملاحظات التي توجه إلى هذه أو تلك من المحطات الأجنبية، فإنها تتعامل مع مشاهدها باحترام وتعرف دورها بصفتها ناقلة المعلومات وباحثة عن الحقيقة وليست مخترعة لها، وأنها وسيلة إعلامية وليست بوقاً للسلطة التي تتبع لها.

إذا كان من الصحيح أن الإعلام سلاح قوي، فإن لقوته حدوداً مثل أي سلاح آخر، ومثل أي سلاح أيضاً قد تنقلب قوته على مستخدمه، إذا امتهن تزييف الحقائق بدل كشفها. ومن هنا فإن قوة الإعلام تكمن في الحقيقة التي يكشفها، وكل وسيلة إعلام تنشر حقائق مزيفة وأكاذيب، يفقد المشاهدون أو القراء الثقة فيها، وكم من رئيس تحرير وسيلة إعلامية محترمة في العالم استقال، واعتذرت للقراء أو المشاهدين عن أخبارها الكاذبة. وكم من الأخبار الكاذبة نُشرت في وسائل الإعلام العربية، وكم من رؤساء التحرير أو المديرين العامين استقالوا؟ معلوماتي تقول: لا أحد.

يُبنى الإعلام الحقيقي على تقديم الحقائق مجردة من المبالغات والأكاذيب وتملق الزعامات، بحيث نقدم صورتنا على حقيقتها، بما لها وبما عليها، نقدم الصورة السلبية قبل الإيجابية من أجل تجاوزها، ونحن بأمسّ الحاجة لتجاوز سلبياتنا. وضعنا ليس بخير، وعلينا أن نقدم هذه الصورة بصدق من خلال الأرقام والحقائق والوثائق اللازمة، فلا نخجل مما نحن عليه، لأننا من دون أن ننشر بأيدينا غسيلنا الوسخ، فإن هذا الغسيل سيصيبه العفن وسيسبب الانفجار، أو ينشره الآخرون لأهدافهم الخاصة، وبدل أن يكون درساً نستطيع تجاوزه يصبح عبئاً علينا.

سمير الزبن- كاتب فلسطيني والمقال للحياة

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى