كتاب عربموضوعات رئيسية

التطرف والتطرف المضاد: وقفة عند بيان بعض النخب الفرنسية الداعي لحذف آيات من القرآن الكريم

” لا يمكن العيش فوق هذه الأرض سويا وبسلام متبادل ودائم إلا بمحاربة التطرف والتطرف المضاد، واحترام خصوصيات بعضنا البعض، وعدم الانسياق وراء الفاسدين والجشعين اللاهثين وراء الثروة والسلطة في كل بقاع الكرة الأرضية”.

  أثار بيان بعض النخب الفرنسية في مجلة لوباريزيان le Parisien جدلا واسعا داخل فرنسا وخارجها متعلق بمسألة وجودية بالنسبة للمسلمين لا تقبل المناقشات والتنازلات.

  البيان الذي وقع عليه العديد من الشخصيات المعروفة على الساحة السياسية والفكرية الفرنسية (منهم الرئيس السابق ساركوزي ورئيس وزراء السابق مانويل فالس وبرنارد هنري ليفي، للمزيد أنظر في: البيان)، دعا بكل جرأة إلى حذف بعض الآيات القرآنية الداعية، حسب البيان، إلى قتل اليهود والنصارى والكفار؛ أي أن تلك الآيات تنتج التطرف وهب سبب مآسي العالم الجميل ! وبالتالي وجب حذفها!.

 هذا البيان يدعونا للتفكير في معنى التطرف وفي من هم المتطرفون وفي مصدر تطرف بعض الجماعات الإسلامية؛ فمادام يتكلم هؤلاء السطحيين والملاعبين بعقول البشر عن ضرورة محاربة التطرف (الإسلامي) فنحن كذلك لنا رأي آخر وملاحظات في معنى التطرف وفي كيفية محاربته وفي سبب معاناة البشرية عامة والعرب المسلمين خاصةً من العنف والعنف المضاد، كلها توصلنا لفكرة أن التطرف “الإسلامي” ما هو إلا ردة فعل(بالطبع لا نبرر التطرف مهما كان نوعه ومهما كانت الجهة الصادرة عنها) عن سياسات وأفعال الدول الغربية، وما البيان هذا إلا جزءً من تلك السياسات المنتجة للتطرف المضاد.

  الغريب في الأمر هو أن تتكلم الدول الغربية وفي مقدمتهم فرنسا وأمريكا وبريطانيا عن ضرورة محاربة التطرف “الإسلامي”، وهي نفسها مصدر تطرف بعض الجماعات الإسلامية، بل هي الدول المتطرفة بعينها. والغريب في الأمر أن شعوب تلك الدول، رغم ثقافتها ووعيها كما يقولون، إلا أنها لا تتساءل عن سبب قيام الجماعات “الإرهابية المتطرفة” بمهاجمتهم دون غيرهم، فلماذا لا تقوم جماعة مثل داعش بمهاجمة الدنمارك أو النرويج بينما تحرص كل الحرص على مهاجمة بريطانيا وفرنسا وأمريكا؟.

  وعن التواجد العسكري الغربي خاصة البريطاني والفرنسي والأمريكي في المنطقة العربية، لماذا لا تسأل الشعوب والنخب الغربية عن سبب تواجد قواتهم العسكرية في المنطقة العربية؟، ثم عندما نتكلم عن جماعات “إسلامية متطرفة” كتنظيم القاعدة وداعش، هل هذه الجماعات لديها صواريخ بكل أنواعها موجهة نحو الغرب، ولديها سفن حربية وغواصات متواجدة قبالة سواحل الدول الغربية، وطائرات في أجواء الدول الغربية تقصف ليلا ونهارا شعوبهم، وهل لديها تلك الجماعات أسلحة نووية مدمرة ومصانع لبيع الأسلحة !؟. بالطبع لا، لكن مع ذلك هي جماعات متطرفة وهذا شيء مفروغ منه، فهي تقتل الأبرياء وتدمر الدول وتنتهج كافة وسائل العنف المتاحة لها.

 لكن الدول الغربية وما تفعله في المنطقة العربية يتجاوز تطرف تلك الجماعات بأشواط ويسبقه، فهي تعمل على إسقاط الأنظمة التي لا تواليها وتدمر دولها مثل التدخل الغربي في العراق وليبيا وسوريا، وتتنافس فما بينها على اقتسام الكعكة العربية، وتدخل في حروب بالوكالة فيما بينها، وتقوم بمحاصرة الدول وتجويع سكانها مثلما حدث في العراق في التسعينات قبل أن يدمروه، وهي أحيانا تقوم بقصف عشوائي وتقتل العشرات من الأطفال مثلما حدث مؤخرا في أفغانستان خطأ، ,هي التي استعمرت العديد من الدول وفعلت ما فعلت حينها وتاريخ الجزائر كفيل بأن يخبركم بالتاريخ الأسود لفرنسا. ألا يسمى كل هذا تطرفا غربياً في سعي الدول الغربية لتحقيق مصالحها بشتى أنواع الطرق المتاحة !؟.

  وعن التطرف الغربي في أقصى دراجاته، هو أن يقوم الغرب بدعم الكيان الصهيوني الذي يقتل المدنيين ليلاً ونهاراً. بل ويصل الدعم لدرجة اتهام المسلمين المساكين بالتعصب والتطرف وبأن القرآن الكريم يتضمن آيات معادية للسامية وجب حذفها !!!. هل تعلمون معنى أن تسعى أشباه النخب الغربية إلى حذف بعض الآيات القرآنية بالنسبة للإنسان المسلم؟ هل بهذا البيان المتطرف يريدون محاربة التطرف أم تغذيته !، ثم ألا يدخل هذا في خانة التطرف في أقصى درجاته تجاه الحقد على الدين الإسلامي من قبل بعض النخب الغربي؟، وهل تدرك الشعوب الغربية بأن هذا سوف لن يساهم إلا في توليد الشعور بالحقد والغل الذي قد يصل لدرجة توليد جماعات تواجه هذا التطرف بتطرف آخر اصطدامها يهدد سلامة وأمن البشرية جمعاء؟.

  أمام هذه السياسات الغربية يصبح تطرف تنظيم مثل داعش وأخواته تطرفا مضادا للتطرف الغربي، وكلاهما وجب التصدي لهما في المنطقة وفي العالم، كنا نعول كثيرا على النخب الغربية المثقفة لبناء عالم خال من التطرف والتطرف المضاد، المنتج للعنف والدمار، لكن الظاهر أن غالبية النخب الغربية أصبحت تمتاز بالسطحية والسخافة والرداءة، مجرد دمى في يد أنظمتها الفاسدة.

  نقول لبرنادر هنري ليفي وأصدقائه، الدين الإسلامي والقرآن الكريم، لا يدعونا لقتل البشر بل يعلمنا كيفية الدفاع عن حقوقنا والحفاظ على وحدتنا ووجودنا أمام الأعداء الخارجيين المغتصبين للأرض الجشعين التواقين لتحصيل أكبر قدر ممكن من المنفعة على حساب الشعوب المظلومة؛ أي أننا ديننا دفاعي يعلمنا الدفاع عن كرامتنا وعزتنا، بدليل أن “الشيخ المقراني” و”فاطمة نسومر” و”الأمير عبد القادر” و”الشيخ بوعمامة” والشيخ ابن باديس….كلهم كانوا مسلمين وحافظين ومطبقين للقرآن الكريم كما هو ومع ذلك لم يغزوا فرنسا وأوربا، بل بلدكم فرنسا وأوربا هي التي هاجمتهم واغتصبت أرضهم، لذا باسم الدين سعوا لمحاربة بلدكم المغتصب الذي جاء ليستعمرنا وينهب ثرواتنا. والحمد لله تمكنا من طرد المتطرفين من بلدنا الجزائر، وذلك بفضل القرآن الكريم الذي تريدون حذف بعض آياته القرآنية وإعطاء صورة على أنه دين العنف؟.

 لذا ننصح برنارد ليفي وأصدقائه المحبون للسلام ! أن يتفكروا وينتجوا لنا بيانا يفسر لنا سبب استعمار فرنسا والغرب لبلدان العالم، وسبب تواجد قواتهم العسكرية حالياً في مختلف مناطق العالم!؟.

 سبب مآسي العالم هم الحكام الجشعون والفاسدون في كل العالم؛ فبسبب جشعهم شهد العالم حربين عالميتين وحرب باردة أولى من 1945 إلى 1990، وحرب باردة ثانية نعيشها فوق الأراضي العربية حالياً، كما نتج عن هذا الجشع والفساد تطرفا وتطرفا مضادا أتعب الشعوب الضعيفة خاصة الشعوب العربية، لكن آثاره أصبحت تصل حتى لشعوب أوروبا، فهم للأسف يعيشون الآن حالة الخوف من ما يسمى بالإرهاب ومن ظاهر الهجرة واللاجئين، ومن حالة تقييد الحريات باسم الأمن. وبالتالي حان الآن بأن تدرك النخب الغربية بأنه لا سلام لشعوبها إلا بسلام البشرية جمعاء وتحقيق السلام للبشرية جمعاء لا يكون إلا بمحاسبة ومواجهة أنظمتهم الغربية الجشعة والمتنافسة فيما بينها على خيرات الشعوب الضعيفة، وأن يفكروا بدون أنانية في هؤلاء المساكين الذين يموتون جوعاً وفي البحار رغم امتلاكهم لكل شيء، حينها فقط نتكلم عن حوار الأديان والعيش سويا في عالم بعيد عن الجشع والفساد وحينها يكون ممكنا على النخب المسلمة أن تلقن كل الشعوب المسلمة قيم التسامح والاعتدال والوسطية وتقنعها بأنه لا يوجد عدوا يرغب في محاربة دينكم والقضاء على هويتكم، لأن الآن لا أظن بأن أي إنسان مسلم عاقل نستطيع إقناعه بذلك في ظل التواجد العسكري الغربي في منطقتهم وفي ظل التهجم الغربي على الهوية الإسلامية . لكن كيف تظهر تلك النخبة في ظل مناهج تعليمية ونخب غربية تخفي الحقيقة وتعلم الطفل الغربي بأن الدين الإسلامي هو سبب المآسي !.

د. صادق حجال-دكتور في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر3. والمقال من رأي اليوم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى