فيروس عربي اسمه جلد الذات

البرفسور ياس خضير البياتي

يبدو العنوان صادما ولكني تعمدت ان استهل سطوري بأسئلة العصر:
هل أصبنا بمرض (جلد الذات) لكي نتلذذ بمآسينا وافراحنا وتخلفنا وتطورنا، فنحول الجميل في حياتنا الى (حدوته) نتسلى بتفاصيلها من باب الاستهزاء والتعجب والنكران، حتى أصيبت اوطاننا بفيروس اسمه (جلد الذات)، وقتل الاحلام!

هل صار علينا ان نحاكم ماضينا وحاضرنا، وموروثنا الوطني والشعبي لكي يقال اننا من فصيلة (الشعب المختار)، وابناء (التحديث الغربي)، ودعاة (تجديد الخطاب الفكري)، ، وهل صار على العربي أن يلغي تاريخه وقيمه ودينه حتى يقال عليه انه من اوطان (التمدن)، ولكي يحصل على عقد ايجار من الآخر للسكن في هذه المعمورة المحمية بمافيا القوة والقطب الأوحد

ابتداءً فإنني لست ضد الغرب ومخترعاته العظيمة ، وليس ضد التحديث ،وليس من أصحاب العقول المغلقة ، ولست فقيها في علم عقائد البشر ، لكني ارى ان الغرب يريد ان يستلب حريتنا في المعتقد والحياة ، ويحرمنا من خصوصيتنا وثقافتنا واحلامنا العربية ،ليجعل منا ( ماكنة) ندور في فلكه ،ليسحق آخر ما تبقى من قيمنا الروحية والإنسانية ، ويحولها الى خلايا سرطانية تفتك بالجسد العربي . اليس هو الذي نشر لنا ثقافة الاغتراب، وقتل شبابنا بالمخدرات، ودمر بلداننا بالسلاح والتهجير، وصدر لنا امراض العصر التي تجعل الانسان في لحظات اليأس حيوانا لا يقبل الضرب والقسمة.
لكن بالمقابل اليست اوطاننا وحكامنا ومدارسنا وجامعاتنا واعلامنا مسؤولة عن تفشي ثقافة اليأس وجلد الذات، وتقزيم وجودنا وثقافتنا بفكرة الاعجاب بالآخر والانبهار به، وتحويل اوطاننا الى (مصحات نفسية)، ومراكز للبلادة، ومؤسسات للقهر والاضطهاد وقتل الذكاء العربي.
هل تتجرأ دولنا ان تقول صراحة بان افكار الغرب عنصرية وظالمة، وان (داعش) من صناعتهم وابتكاراتهم، ومايجري من تشويه الإسلام في اوربا هي بفعل منظماتهم السرية، ومبتكراتهم الجهنمية. من يستطيع القول اليوم بأن ارض فلسطين هي عربية، ولابد للمحتل ان يخرج، ام أنهم يدركون تماما بأن الرأس سيقطع، وان الكراسي ستخلع!
ماذا يحدث في اوطاننا من (جلد الذات)، بحيث نقتل اليوم مع سبق الاصرار لغتنا العربية الجميلة، ونجعل شبابنا ومؤسساتنا مهووسة بلغات الآخرين، بل نضع شروطا للتحكم بمستقبل اجيالنا في تعلم اللغة الإنكليزية، حتى وصل الامرالى جعل الاسرة العربية تتسابق لوضع ابناءها في المدارس الأجنبية، للفوز بوظيفة ومركز وجاه، ولتصبح العربية مجردة من عمقها ودلالاتها، فالفاعل منفعل، والمبتدأ خبر، والجار مجرور، والمفعول لأجله مفعول به. لكن بالمقابل من قال نحن ضد تعلم اللغات والتحضر والتفاعل، لكننا ضد من يقتل لغتنا بلغة الغير، ويجعل حروفها موروثا قديما ليطمس سر وجودها الديني والحياتي.كل مانريده ان تكون لغتنا فاعلا ومفعول به!
لماذا هذه االمجاهرة من قبل نخبنا الثقافية بتخلف أوطاننا الى حد (جلد الذات) كأننا بلا تاريخ ومشروع، ولدينا في اوطاننا عشرات المدارس المبتكرة في الفن التشكيلي والموسيقى والادب والمسرح، مثلما لدينا صناع العقول المبتكرة، وجيوش من المهندسين والأطباء والأكاديميين، وخبراء في الطاقة والاقتصاد والحاسوب. أتحدى أن يستنكر أحد هذا الوجود البشري الفاعل، لكن المصيبة الكبرى هو اننا نقزم طاقتنا بجلد الذات، وتقتل اوطاننا الخبرات والعلماء بفساد الأنظمة وكرهها للعلم، لأنه العدو الأول لها!
اليس من العيب ان نقتل أطفالنا واحلامنا ومنجزاتنا وعلمائنا، بفيروس (جلد الذات)، وهناك في الغرب من يعترف وينبهر بحضارتنا وقيمنا ولغتنا. اليس رئيس وزراء بريطانيا السابق قال كلمته الشهيرة: لو غادر أطباء العراق من بريطانيا لتوقفت كل المستشفيات عن الخدمات الصحية؟ .اليس لدينا جيوشا من العلماء والمبتكرين في الغرب يقودون مؤسساتها بالذكاء العربي،لأن اوطانهم اعلنت عليهم عقوبة الموت والتهجير القسري منذ ولادتهم ،وان بن خلون وابن سينا والفارابي يعيشون في الغرب منذ مئات السنين ،فكرا وحضورا ، لتعليم ابناء الغرب ابجديات العلوم واسرار العلم وفنونه ومهاراته .
هل يعيش الغرب على قمر التمدن ،ونحن على مريخ التخلف ،أم ان منطق الحضارات الانسانية تتغير بفعل الزمان والمكان ، وان هناك دورات للتغيير كما يرى ابن خلدون وفيكو وتوينبي .اين الامبروطوريات الكبيرة التي اصبحت من التاريخ وغابت عنها الشمس ؟ اليس الأجدر بنا أن نقرأ التاريخ بلغة النقد والتحليل والدروس ليكتشف الآخر بأن العرب والمسلمين كانوا الابرز حضورا في المعارف والمبتكرات والعلوم ،وأكثرهم انسانية ورحمة بالعالمين ،بينما كان الآخر يعيش في ظلام دامس ،مبتكرا انواع الموت والقتل والارهاب والحروب الاهلية المجانية والابادة الجماعية ،وكيف كانت الكنيسة تعلق نخبها الثقافية على اعواد المشانق ،وتسلب حقوق البشر قسرا وأرهابا .
هل علينا ان نسكت عل الفاعل والمفعول به حتى لايزعل علينا الآخربأسم ( التسامح والتعايش ). وهناك من اغبياء الامة من يأتي ليعلمنا (عظمة الآخر)، وببتكر لنا هوسا غربيا مثقل بجراحات الامة ،ويجعل هجاء الغرب (عقدة حضارية ) و(هرب من الواقع ) و( تزمت وانغلاق ديني) ،رغم اننا تركنا تراكما من الحضارات والتجارب والخبرات يشيد بها الآخر قبل ان نشيد بها .
من يجرؤ القول على ان الغرب متخلفا ، ويلغي مخترعاتهم وفنونهم وابداعاتهم ،ونحن نعيش اليوم على منجزاتهم الكبيرة .انا شخصيا عشت مرحلة الشباب في بلدانهم ،ووجدت الاسلام حاضرا في سلوكهم وممارساتهم ،مثلما وجدت منسوب العقلانية مرتفعا في تفكيرهم ،وهذا هو سر تفوقهم .ولكن علينا ان ننظر للوجه الآخر ،فهم ليسوا من صنع آله آخر، فالعقل الدوجماتي السائد في الغرب الذي يدرك الحقيقة عبر منظور واحد هو الذي خلق العلاقات المتحيزة القائمة على التمييز بين ( نحن) و(هم) ، وجعلهم في كهوف (الغيتو الماضوي) ،ليقعوا فريسة قبضة الدولة القومية أو ( الدولة التنين) التي تنبأ بها هوبز .وهذا ماجعل (شبنجلر) يقول صراحة (ان حضارة الغرب تشكل اليوم خطرا على العالم بأكمله ،لانها تريد بالقوة تصدير قيمها الاخلاقية واعرافها الاجتماعية على المجتمعات العربية والاسلامية ).وهذا هو السر الذي جعل مجتمع الآخر ينظر الينا بشكل سلبي ،ويفتي بقتل العربي (الثعبان ) و(الحشرة) و( المتخلف) و( الارهابي) ،وكأنها ماركة مسجلة بأسمنا نحن المسلمين .
اليس الأجدر بالعربي اليوم ان يوضع عقله تحت الصدمات الكهربائية ،ويستيقظ بقوة جراء الحروب المدمرة ،والصرعات الدينية والطائفية والقومية ،والتهجير المنظم ، والمجاعات الكبرى ، لكي يتوقف عن (جلد الذات) وتقزيم الهوية والوجود والتاريخ .
نعم نحن امة بحاجة الى تفعيل الفعل والفاعل ، وجر المجرور ،واستئناف الحضارة ، وتنمية رأس المال الفكري والعقلي ،واحياء النهضة في داخلنا لتفعيل الطاقة الايجابية . لكننا علينا ان نعترف بأننا اصحاب ابتكار فيروس ( جلد الذات ) ،بينما الآخر يبتكر مضادات الحياة لينعش الذات . وهذا هو الهوان الحقيقي لامة لم يبقى لها سوى رب يحفظها !

البرفسور ياس خضير البياتي- المقال لرأي اليوم