فعلها ترامب وانتصر كيم..

وائل عواد

ليس من المستغرب أن يثير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زوبعة من الانتقادات في كل زيارة يقوم بها خارج الولايات المتحدة  ويثير حفيظة حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وحتى في آسيا .وليس من المستغرب أنه يتمتع بردود الفعل والازدراء والانتقادات اللاذعة  ويتفاعل معها على مزاجه التقليدي وهو ينفرد في نهج سياسة خارجية  أمريكية غير تقليدية .

بعد قمة الدول السبع وردود فعل الحلفاء جاء الرد هذه المرة من كوريا الجنوبية واليابان حول التعهدات التي قدمها الرئيس ترامب بوقف( الالعاب الحربية )التدريبات العسكرية” ااستفزازية”  مع كوريا الجنوبية وسحب القوات الامريكية المرابطة هناك  تدريجيا”، مقابل تعهدات من كيم جونغ أون بنزع السلاح النووي بالكامل .عرض ، وان يشكك البعض به، لم يستطع الرئيس كيم رفضه لما تثيره هذه التدريبات السنوية من قلق لأمن بلاده .

لابد من الاشارة هنا، التعهدات التي حصل عليها ترامب من كيم كانت قد سبق وتعهد بها خلال لقائه مع نظيره الجنوبي .فقد اتفقا على ضرورة نزع السلاح النووي بالكامل من شبه الجزيرة الكورية وتم التاكيد على ذلك  في القمة التي جمعتهما وإعلان بانمونجوم.

لقد دخل الرئيس الأمريكي بوابة التاريخ و فتح صفحة جديدة في التاريخ السياسي الحديث للولايات المتحدة بعد أن تخلص من عقدة أوباما ومزق العديد من صفحات انجازاته . الرئيس الأمريكي ترامب هو الأول ،بتاريخ الولايات المتحدة ، في الحكم الذي يلتقي مع رئيس من كوريا الشمالية على الرغم من عقود من العداء بين الجانبين .  وواجه ترامب الإعلام العالمي في مؤتمر صحفي لساعة وخمس دقائق ،على غير عادته، لأنه يدرك اهمية هذا الحدث التاريخي بالنسبة  له و مؤيديه داخل الولايات المتحدة. وعلى الرغم من امتعاض العديد من شخصية ترامب وتصريحاته المتكررة وعدم قناعتهم بمصداقيته إلا أنه زاد من شعبيته داخل بلاده في هذه القضية بالذات ويعتقد أنصاره أنه يتعامل  بجدية مع خطر السلاح النووي على الامن القومي الأمريكي .أضف إلى ذلك، حرصه على جلب رفات الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في الحرب الأمريكية على كوريا الشمالية ومدى تأثير ذلك على مشاعر اهالي الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في الحرب وهذا سوف يزيد من فرص فوزه في الانتخابات النصفية .

الرئيس ترامب تعلم من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وحمل معه أي باد وعرض على نظيره فيلما” أمريكيا” رائعا” وحلما”  كي يدغدغ مشاعر الرئيس كيم حول مستقبل كوريا الشمالية المزدهر بعد التلقين، لمحو الأمّية العسكرية، لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

صفقة ترامب

ما تمخض عن اللقاء والمباحثات بيان حمل لمسات شخصية من الرئيس ترامب وهذا ما أكد عليه في المؤتمر الصحفي انه رجل الصفقات على عكس بقية الرؤساء الأمريكيين ويبدع بها!

الصفقة السياسية في تحقيق نوع من التقارب والكيمياء بينه وبين كيم والحصول على تعهدات سيتم متابعتها تباعا” من قبل مسؤولي البلدين .

المسالة هنا  تتعلق بالأمن القومي الأمريكي .هناك تهديد مباشر من قبل بيونغ يانغ وهذه مسالة لاتتهاون بها الدولة العميقة .عندما وقع اعتداء الحادي عشر من أيلول اتخذت الولايات المتحدة القرار بغزو أفغانستان وخلع حركة الطالبان عن الحكم .وتوجه ريتشارد ارميتاج مساعد وزير الخارجية الامريكية آنذاك إلى إسلام آباد حاملا” معه تهديدات امريكية “باعادة باكستان إلى العصر الحجري” في حال لم تقف إلى جانب الولايات المتحدة  في حربها ضد الارهاب وحركة طالبان وهذا ما أكد عليه الجنرال الباكستاني الرئيس السابق برفيز مشرف في مقابلة صحفية عام 2006، الأمر الذي دفعه للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وفتح حدود بلاده واجوائها أمام القوات الامريكية واوقفت باكستان  دعمها لنظام حركة طالبان في أفغانستان  والباقي تاريخ معروف للجميع  …

تهديدات كوريا الشمالية للولايات المتحدة بالسلاح النووي والصواريخ الباليستية الطويلة الامد و القادرة على حمل رؤوس نووية مسالة في غاية الخطورة ولايمكن لصناع القرار في واشنطن التهاون بها.لا ندري بعد إن كانت هناك تهديدات حقيقية من واشنطن  إلى بيونغ يانغ “بإزالتها من الخارطة الجغرافية “وأن الولايات المتحدة كانت مصممة على ذلك .قد يكون المسؤولون الأمريكيون نقلوها  إلى كل من بكين وسيؤول واخذتها بكين على محمل الجد واستخدمت نفوذها لإقناع حليفتها بالتخلي عن سلاحها الاستراتيجي وقوة الردع مقابل تعهدات أمريكية، تضمنها الصين ، بعدم الاعتداء عليها .وهذا مايفسر تسارع الاحداث ووضع الحل السلمي للأزمة الكورية –الأمريكية على طاولة المفاوضات الذي توّج باللقاء بين زعيمي البلدين .

نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية مطلب لجميع جيرانها. تدرك الصين  مخاطر إبقاء السلاح النووي بيد بيونغ يانغ في حال  توّحد شطري شبه الجزيرة الكورية. كما ان مسألة وقف التدريبات العسكرية الامريكية وكوريا الجنوبية وسحب القوات الأمريكية من هناك يصب في مصلحة التنين الصيني الذي بدأ يوسع من نفوذه في المنطقة وإملاء الفراغ الاستراتيجي الذي تتركته الولايات المتحدة من خلال  الانسحاب من الاتفاقيات التجارية والحرب التجارية مع العالم ودول المنطقة . أضف إلى ذلك ،إذا بقي السلاح النووي في يد كوريا الشمالية فإن دول الجوار تسعى لامتلاكه أيضا” مما  سيؤدي إلى سباق تسلح نووي في منطقة آسيا باسيفيك وهذا ما ترفضه دول النادي النووي العنصري الخمس.السلاح النووي ممنوع امتلاكه والهند وباكستان دخلتا النادي النووي لكن مازالت هناك مخططات لحصر السلاح النووي الباكستاني وتحييد النووي الهندي من قبل دول النادي الخمس ولمن يسأل ماذا عن اسرائيل ؟ فهي جزء من المخططات الاستعمارية للدول العظمى.

ماذا بعد؟

الوثيقة الختامية حملت قائمة من التمنيات لكلا الجانبين وتثير العديد من التساؤلات والقلق بنفس الوقت حول امكانية تطبيقها وسوف يكون لها تداعيات أمنية جمّة.

ولابد من التأكيد أن اللقاء بين الزعيمين أعاد الحوار المباشر بين البلدين ووضع آلية جديدة للتعامل والبت بالملّفات المعّقدة وتضيّيق الخلافات بينهما واتخاذ المزيد من اجراءات بناء الثقة ولهذا السبب كانت تصريحات الرئيس ترامب تنبثق من الأنانية الأمريكية لحماية أمنها القومي الاستراتيجي بدون استشارة حلفائها في المنطقة والتي ستقوم بها في وقت لاحق و طمأنتهم بأن ما تم التوصل إليه أفضل صفقة بعد هواجس حرب مدمرة كانت تلوح في الأفق .

من  المبكر الحديث عن النتائج المثمرة للقمة وإتمام الصفقة  قبل البدء بوضع اللوجستيات للحوار المباشر ومراقبة سلوك الزعيمين خلال الأشهر القليلة القادمة فيما إذا  كانت  الولايات المتحدة ستجري التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية  في شهر آب القادم حسب البرنامج، أم سيعاود الرئيس الكوري إجراء التجارب على الصواريخ الباليستية الطويلة الأمد؟

  الرئيس ترامب وافق من حيث المبدأ على الصفقة،بانتظار التفاصيل عن نزع السلاح النووي ووقف التجارب الصاروخية الباليستية مما يزيح الخطر على الأمن القومي الأمريكي لكن خطر الصواريخ الباليستية القصيرة الأمد مازال يهدد حلفائها في المنطقة بالذات  اليابان وكوريا الجنوبية ولذا في الصفقات القادمة مع حلفاء الأمس  دفع التكاليف المالية   للحفاظ على تواجد امريكي و توفير الحماية لها وإدارة الأزمات وهذا بحد ذاته يصب في اطار السياسية الخارجية الأمريكية !

أو ليست هذه ضربة معلم؟

د. وائل عواد-كاتب سوري يعيش في الهند والمقال لرأي اليوم

شارك