كتاب عربموضوعات رئيسية

كلمة السر لمواجهة صفقة القرن

  في عالم السياسة، ليس هناك من مستحيلات. ما قد يبدو عصيّا على الانجاز اليوم، يمكن أن يصبح من البديهيات في الغد. هكذا تنتقل الشعوب من حال لحال. فلا عصر الظلمات أبدي، ولا الاستعلاء على الآخرين غير قابل للتغيير.

  ليس خفيا على أحد أن حجم التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني اليوم، خاصة جراء الاعلان المرتقب عن ما يسمى بصفقة القرن، من قبل الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، أكبر وأخطر مما لكل عبارات البلاغة أن تصف. فما يتربص بالشعب الفلسطيني وقضيته من مكائد أعظم مما تم تصوره وطرحه حتى الآن. فبدلا من اعتماد استراتيجية المراوغة والمراوحة من قبل الولايات المتحدة منذ بدء ما سمي بعملية السلام، فان ادارة ترامب تبدو مقبلة على اللجوء لاستخدام استراتيجية الحسم، وان لزم الامر، بالضربة القاضية.

  ليس في هذا الاستقراء من مبالغة ولا تهويل، قط، حيث أن ترامب نفسه، وفي أكثر من مناسبة، كان قد أعرب عن عزمه على وضع حد للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، ولكن على طريقته الخاصة. وما الارهاصات المسربة مما يعرف بصفقة القرن سوى مؤشرات على ما قد تقوم ادارته بفعله، خاصة وأنها تسابق الوقت لاعتبارات داخلية وخارجية عديدة. وتماما لان شخصية ترامب لا تؤهله لقبول أنصاف الحلول، أو أجزاء منها، كما يبان من كافة السياسات التي أقدم على اتباعها منذ تسلمه الرئاسة قبل عام ونصف، فان اطلاق ما يسميه بصفقة القرن بخصوص الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي يشكل بالنسبة له مسألة حياة أو موت، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فدرجة التزامه لابراز ذاته كمنفذ للوعود، ولاشهار تمايزه عن كل من سبقوه من الرؤساء الامريكيين، تكاد لا توصف، أو تتوقف عند حدود.

  ولذلك، فان ما ينتظر الشعب الفلسطيني في “صفقة القرن” أيضا يعتبر مسألة موت أو حياة. وبفهم متواضع لخصائص شخصية ترامب، فانه حتى عندما تصطدم سياسته، أي صفقته بعقبات كأداء، تجده لا يكل ولا يمل، بل يستمر في محاولاته وعمله الدؤوب لالحاق بالغ الضرر بمن يستهدفهم.

  هذا لا يعني بأي حال من الاحوال أن الشعب الفلسطيني أمام أسطورة لا يمكن ثنيها عن مأربها. بل على العكس! مرة اخرى، ان فهما متواضعا لطبيعة شخصية ترامب، خلفيته، اسلوب عمله، نقاط قوته ونقاط ضعفه، وطموحاته يمكن أن يُعدّ الشعب الفلسطيني لعبور هذه المرحلة بأمان، بل للتغلب على ما ستخلفه من افرازات.

  ليس الغرض من هذه المقدمة رفع المعنويات، على أهميته. فالواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده جلي للعيان، بكل ما فيه من معاناة لحظية ويومية، وبكل ما يحيط به من انعدام للرؤيا. فلا تكاد توجد مرحلة أكثر حلكة من هذه التي تمر بها القضية الفلسطينية، بما يعتريها من حالة ترهل محلي، وعزوف اقليمي عربي رسمي، وتآمر أمريكي غير مسبوق، في ظل تواطؤ دولي غير معهود. ورغم تَعمُّد الشعب الفلسطيني بالامل دائما، رغم الالم المستدام، اّلا أن التفاؤل يكاد يكون قد أصبح سلعة صعبة المنال. وبالتأكيد، ليس في ذلك غرابة. وان كانت النكبة قبل سبعين عاما عنت التشريد والقتل ومحاولة طمس الهوية الوطنية الفلسطينية، فان معزوفة الموت التي يريد أن يقود ترامب جوقتها لاسدال الستار على القضية الفلسطينية، بالكامل، تحمل في طياتها مخاطر وجودية حاضرة ومستقبلية، وليس خسائر مادية وبشرية اعتاد الشعب الفلسطيني على تحملها.

  وما دامت الصورة بهذا القتام أو أكثر، وما دام الرضوخ والاستسلام ليس من مفردات قاموس الشعب الفلسطيني، ولان الحالة الراهنة لا تبدو تبعث كثيرا على الامل في التمكين من مواجهة أعقد الخطط التي تقدمها أعتى قوة في العالم للاجهاز على الحق الفلسطيني، فما الذي يمكن، أو يستوجب عمله، اذن؟

  انه من قبيل الادعاء المبالغ به أن يفترض أحد أنه يملك مفتاح الحل، أو الوصفة السحرية لمعضلة من هذا القبيل. ولذلك، فان هذه المحاولة، وان عنونت ب”كلمة السر”، لا تفترض أنها الاقدر على تقديم اجابات على كل ما يمكن أن يطرح من تساؤلات متعلقة، أو أنها الامهر في تحديد كيفية التعامل مع ما ستفضي اليه الايام من مستجدات.

  ومن أجل الاستفاضة في الوضوح، فان منطلقات هذه المحاولة المقدمة ليست فصائلية، أو حزبية، أو أيديولوجية بأي شكل من الاشكال. فالكاتب يقر بامكانية كافة التيارات السياسية الفلسطينية للمساهمة في أيجاد الحلول المناسبة لما سيطرأ من تحديات، بل ويدعو لتفعيل هذه المساهمات، دونما ابطاء، أو تلكؤ. فالكل مطالب بتنحية أية اختلافات في الرؤى جانبا، حتى لا تتحول الى خلافات داخلية تطغى على الهم الاساس وتعصف به، أي مواجهة التحديات الخارجية الجسام.

  ومن هذا المنطلق، وبعيدا عن منطق الشعارات البراقة والعبارات الرنانة، فان وحدة الشعب الفلسطيني وانسجام مكوناته مع بعضها البعض تشكل الضمانة الرئيسية لتخطي هذه المرحلة بأمان وسلام. واعتمادا على معطيات سياسية، وتاريخية تراكمية، وليس من قبيل التحزب الفصائلي الضيق مطلقا، يمكن القول أن حال القضية الفلسطينية مرتبط طرديا عادة بحال حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح. ودون التقليل من شأن أي من الفصائل والاحزاب الفلسطينية الاخرى، فانه اذا ما كانت حركة فتح تتمتع بقوتها المعهودة والمأمولة منها، يرتفع شأن القضية الفلسطينية، محليا، واقليميا، وعالميا. والعكس صحيح، حيث يسهل على أعداء الشعب الفلسطيني استهدافه باستخدام اعتبارات دينية اسلامية، أو أيديولوجية يسارية وسواها، والتي استطاعت أن تتحرر منها حركة فتح مقارنة مع تيارات سياسية اخرى.

  لذلك، ومع التأكيد على أن ما يقال هنا لا يعكس تعصبا فصائليا، ولو بالقدر اليسير، فان حركة فتح هي التي تستطيع أن تشعل الضوء في نهاية النفق، دون القفز على الادوار البالغة الاهمية التي يمكن لفصائل وأحزاب وحركات اخرى أن تلعبها. فما قامت، وما زالت تقوم به حركات المقاومة الفلسطينية الاخرى، على اختلاف خلفياتها، لا سيما في قطاع غزة أثناء هذه المرحلة، لا يمكن اّلا وأن يشار له بالبنان. وما تقدمه كافة الفصائل من تضحيات، سواء بالشهداء، والجرحى، والمعتقلين لا يمكن اغفاله، أو القفز عنه. لكن هذه هي المرحلة التي تقتضي وضع كافة التناقضات الثانوية جانبا من أجل الوقوف في وجه التناقض الرئيسي الاهم، ألا وهو رغبة ترامب في أن يبني لنفسه ارثا تاريخيا على حساب الشعب الفلسطيني، من خلال ما يسميه بصفقة القرن.

  قد يكون هناك إجماع بين أصدقاء الشعب الفلسطيني وخصومه، على حد سواء، بأن القضية الفلسطينية شهدت أكثر مراحلها تقدما وصعودا على المستوى الدولي عندما كانت حركة فتح في أوج شموخها، وأنها مرت في أكثر لحظاتها حلكة وتراجعا عندما ألمت بحركة فتح الخطوب وعلقت بها الشوائب. فحركة فتح، بحكم تدشينها للثورة الفلسطينية المعاصرة، بالفعل لا بالقول في الفاتح من كانون الثاني عام 1965، وبحكم كونها حركة الشعب الفلسطيني برمته، فإنها نجحت بانطلاقتها في تصويب الميزان السياسي الفلسطيني الذي كان منحازا لصالح رسملة منظمة التحرير الفلسطينية، ليس أقل من نجاحها في انتزاع الهم الفلسطيني من ملازم الدوائر والأنظمة الاقليمية والدولية.

  ولذلك، ورغم هول التحديات وعظمها ، لم يكن أمرا مفاجئا أن تتمكن حركة فتح من اكتساب إجماع شعبي فلسطيني شبه كامل على برنامجها ومسيرتها عقب انتصارها في معركة الكرامة في عام 1968، في ذات الوقت الذي جرّت فيه جيوش جرارة أذيال الهزيمة جراء حرب عام 1967. وأيضا لأنها كانت الرائدة في مواجهة الصراع، لا في مجانبته، فإن حركة فتح نجحت في انتزاع الاعتراف الإقليمي والدولي الشعبي والرسمي بشرعية وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني في عام 1974، هذه المنظمة التي تشكل فتح عمودها الفقري. وفي ذات السياق، فإنه كان أمرا طبيعيا أن تحتفي كافة الحركات الثورية في العالم بدور فتح التحرري، كما أشاد بذلك الفيتناميون، وكذلك الساندينيون في نيكاراغوا، ومناصرو ثورة كاسترو في كوبا، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال لا الحصر.

وبالطبع، فإن هذه المكانة المرموقة التي حازتها حركة فتح بجدارة قد ارتكزت على عناصر قوة عدة، لم يكن ممكنا بمعزل عنها تحقيق الصعود المضطرد في الشعبية والإنجاز. بل إنه يمكن القول أن تضعضع بعض عناصر القوة هذه والإفتقار إلى بعضها الآن ربما يشرح الحالة التي وصلت إليها فتح، بشكل خاص، والساحة الفلسطينية، بشكل عام، بما فيها من انقسامات داخل الحركة وتبعثر لطاقات الشعب الفلسطيني، وترهل في الطروحات والسياسات المقدمة.

وحتى تتمكن فتح من قيادة الشعب الفلسطيني في مواجهة هذه المرحلة العصيبة، لا بد لها اّلا وأن تعالج مشكلة الفقدان المتزايد لرصيدها الشعبي ولثقة الجماهير في طروحات بعض قيادييها على الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية التنموية.

وبالتأكيد، فان فتح تستطيع أن تحدث التغييرات الجذرية المطلوبة، لمواجهة هذه المرحلة، استنادا الى ما تتمتع به من مواطن قوة عدة. فمن ناحية، فإن من أهم مواطن القوة التي امتلكتها فتح هي القدرة على نسج علاقات متجانسة بين عناصر المكان، والزمان، والإنسان، والفكرة. فالفكرة تمثلت في الإستراتيجية التي اعتمدتها فتح، والمحددة هدفها أصلا بتحرير كل فلسطين، باستخدام كافة وسائل الكفاح الوطني، عن طريق تفعيل دور الشعب في كل منعطف من المنعطفات. وهذه الفكرة طرحتها فتح في أوج مرحلة التنافس الدولي بين معسكري الدول المحافظة، من ناحية، والتقدمية، إذا ما جاز التعبير، من ناحية ثانية. ومعروف أن الخطوات الدؤوبة لتنفيذ هذه الفكرة أثناء العقد الأول من عمر الحركة كانت قد تدافعت في أماكن الإكتظاظ والتزاحم الفلسطيني في الوطن والشتات، حيث المعاناة والاحساس بالمرارة نتيجة للتشريد والقهر كانت بمثابة الدوافع اللازمة لتعبئة الجماهير والمساعدة في تنظيمها.

  وبالتأكيد، ما كان لهذه العناصر آنفة الذكر أن تتفاعل في علاقة ترابطية متجانسة لولا الدور المحوري الذي تصدرته فتح على كافة الصعد، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، وتعليميا، وسواه. وقدرة الحركة تجلت في نجاحها بتسخير تلك العناصر معا بغرض تسليط الضوء بشكل مستمر ومنتظم ومتوازن على الحالة الصراعية مع الخصم.

  فكما قال أحد أبرز منظري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، كينيث والتز، في كتابه “الإنسان، والدولة والحرب”، فإن فهم إدارة الصراع يتطلب معرفة بالقدرات والمكونات المجتمعية والظروف الدولية لطرف ما. لهذا، كانت حركة فتح هي التي نجحت في أسر ثقة الجماهير الفلسطينية من ناحية، وفي كسب احترام العالم الخارجي، من ناحية ثانية، حيث طروحاتها بدت منسجمة مع مثل الحرية والاستقلال والعدالة، وحيث غايتها بخصوص طبيعة الدولة المنشودة بدت متوازنة، لا إثنية، ولا دينية، ولا لونية، ولا طائفية، وإنما ديمقراطية علمانية.

  وإذا ما تم تتبع منحنى قوة حركة فتح عبر العقود المنصرمة، فإن الدارس لا محالة سوف يستنتج بأن مقدار قوة فتح، إذا ما قيس بشعبيتها في المجتمع الفلسطيني وبقدرتها على إحداث التأثير السياسي، ارتبط بقدرتها في المحافظة على مثلها التي تمت الاشارة إليها باقتضاب أعلاه، وأيضا في استمراريتها بالإبقاء على العلاقة متينة بين العناصر الأربعة سالفة الذكر. وكلما نأت فتح بنفسها عن طروحاتها الأصلية الأصيلة التي أكسبتها جماهيريتها ووطدت قاعدتها، سواء لاعتبارات دولية أو براغماتية، كلما ساهم ذلك في توسيع دائرة الفراغ السياسي الفلسطيني الداخلي، الأمر الذي سرعان ما نتج عنه تراجع شعبية فتح ومحاولة تشكيلات سياسية أخرى حيازة قدر من الشعبية المتسربة من فتح. ففي كل مرة طغت فيها الضرورات الدولية المتشابكة المعقدة على المتطلبات الوطنية المحلية، كانت النتيجة النهائية تراجعا في قوة فتح الجماهيرية لصالح حركات أو أحزاب أو تشكيلات أخرى ناشئة. وليس أدل على ذلك مما اعترى حركة فتح من أزمات داخلية عندما ضربت العملية السياسية أطنابها، حيث من كان يتسرب من فتح، كان يجد ضالته ، إما على الهامش يتألم حرقة، أو بين طيات فصائل أخرى.

  فكانت بالفعل العلاقة عكسية بين صعود تأثير حركة حماس المضطرد، وتراجع جماهيرية فتح المحقق. وهنا بدأت تتفاقم جدلية أيهما أجدى للقضية الفلسطينية ، قوة داخلية مختزنة، وإن بعزلة دولية ضاغطة، كالتي بدأت تتمثل في حركة حماس، أو إنعتاق وانفتاح نحو رغبات دولية، وإن بتزايد ضعف الحيوية الداخلية وتآكلها مع الوقت، كما حدث مع حركة فتح؟!

 ففي الوقت الذي كان متفهما فيه، بل ومنطقيا أن تحرر فتح نفسها من الجمود والسكون والركود في الطرح، أو في الوسيلة المستخدمة عبر إدارتها للصراع، إلا أنه بدا سيفا ذا حد أوحد أن تعلن فتح عن تغيير برنامجها التحرري جذريا قبل أن تقطف ثمرة هذا التغيير بشكل فعلي. فحتى لو كانت فتح مستعدة لاجراء تغييرات فكرية أو كيفية، فإنه لم يكن من قبيل الخيار العقلاني Rational Choice، بأن تعلن عن مثل تلك التغييرات قبل أن تضمن حصولها على مقابل وطني مقنع، ليس لقاعدتها هي فحسب، وإنما لعموم الجماهير الفلسطينية. فدخول العملية السياسية في ظل تضاربات ردود الفعل الفلسطينية ما بين مؤيد ومعارض شيء، والإخفاق المدوي في تحقيق الأهداف المتوخاة من تلك العملية شيء آخر، حيث ذلك الإخفاق اعتبر اخفاقا لفتح نفسها. وهذا ما أدى الى تسرب قدر لا يستهان به من مخزون فتح الجماهيري، إما إلى الهامش، أو إلى فصائل وجماعات فلسطينية أخرى، كما قيل سابقا.

ولكن الأزمة داخل فتح كانت أعمق من مجرد الإخفاق في العملية السياسية وما ترتب عليها من نتائج. فمن أجل البرهنة على الصدقية والجدية في تبنيها للعملية السياسية خيارا استراتيجيا، كان لزاما على فتح أن تعلن مرارا وتكرارا عن تنصلها من انتهاج خيارات أخرى، كتلك التي أصّلت لقوة فتح وشموخها منذ البداية. فالثقافة التي رُوّجت أثناء بداية العملية السياسية هي ثقافة القبول للآخر المحتل والتعاطي معه، وتبرير كل ما يستلزم التبرير من أجل تطويق العملية السياسية بدرع واق، سياسيا، وثقافيا، وأمنيا، كلما استدعت الضرورة ذلك. وعليه، لم يعد مفاجئا أن تتردد في أوساط حركة فتح نفسها أن فتح أضحت حركة التبرير الوطني الفلسطيني، بدلا من حركة التحرير الوطني الفلسطيني. فتكريس الذات وتغليبها على حساب مصلحة الجماعة أصبح نمطيا، لا استثنائيا، منتجا حاضنات دفيئة لثقافة الفساد والإفساد. وكم كانت مضنية الحالة التي آلت إليها حركة فتح من ترهل قبل أن شكل صمود الرئيس الراحل ياسر عرفات في كامب ديفيد في صيف عام 2000، الجسر بين الحالة السابقة المتردية وحالة استعادة الروح التي أحدثتها مشاركة فتح الفعالة في انتفاضة الاقصى.

وبعيدا عن النقد الهدام، كان دائما في معظم حالات التصادم بين مخرجات السلوكيات ومدخلاتها على الصعيد الشعبي ما يشفع لحركة فتح ويعفيها هو تاريخها الثوري ورصيدها النضالي ورمزيتها التاريخية.

 من منطلق أن كل حدث في عالم السياسة سيف ذو حدين، فإن الفرضية الأساس في هذه المحاولة المتواضعة لتمكين حركة فتح من تفعيل صفوفها واستنهاض طاقاتها مفادها أن الهدف الاستراتيجي الأساس، ألا وهو التحرير يستوجب التفرغ لمعالجة الاشكالات الداخلية في الحركة، تنظيميا، وسياسيا، وبنيويا، ووظيفيا. وهذا يستدعي التفكير والتقييم بشكل مغاير لكل الأنماط المعمول بها من قبل. وبالمقابل، فإن عدم استقاء الدروس والعبر من التجارب السابقة، وأن الاعتقاد بأن كثيرا من هذه الاشكالات يمكن أن تختفي، أو تُحلّ من خلال التغطية عليها بالمناكفات والصراعات الجانبية، إنما يؤهل، وبالتأكيد، لمزيد من الإخفاقات في ميادين شتى، ليس أقلها أهمية مواجهة الاخطار التي تترتب على اعلان صفقة القرن. وبالطبع، فإن إعادة التقييم تتطلب أدوات بشرية متخصصة، كل في حقله، غير تلك التي يمكن أن يعزى لأدوارها قدر كبير من الإخفاق الذي ساهم في ايصال الامور الى ما هي عليه الآن. بمعنى آخر، خاصة في عالم تتزاحم فيه حقول المعرفة ووسائل جمعها وتحليلها، فإن التحوصل حول الذات، مضمونا واسلوبا، والاعتقاد بأن شخصا أو نهجا بعينه يمتلك الحقيقة المطلقة، إنما هي الوصفة الكفيلة لاضعاف الحركة في أحسن الأحوال. وفي هذا الصدد، وضمن عملية التقييم غير المشخصن، لا بد من المحاسبة التنظيمية الداخلية وفقا لمعايير وأنظمة قانونية واضحة، تطبق على الجميع في الحركة، وليس فقط على أكباش فداء هنا وهناك.

 وعلى قدر كبير من الاهمية تبرز ضرورة الالتفات الى حقيقة أن أهم القيود التي تكبل حركة فتح وتحد من تأثيرها هي تلك المتعلقة بالتزاوج الكامل ما بين حركة فتح والسلطة الفلسطينية. فمن الناحية النظرية، إن ابتعاد فتح عن بؤرة السلطة، تشريعيا على أقل تقدير، قد أعفاها من مسؤولية الإنصياع لقيود الاتفاقيات التي لم تغنِ ولم تسمن من جوع. بل ومن المفترض أن يكون ذلك قد حررها لكي تعمل على رأب الصدع بينها وبين الشارع الفلسطيني بمختلف مكوناته. ولربما يساعد فتح في تحقيق ذلك قدرتها على التفاعل مع حالة الحصار والتجويع المفروضة على الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، وكذلك تصديها لتصاعد عمليات القتل والاستهداف بالاعتقال والاغتيال.

  فكل متطلبات استعادة زمام المبادرة في الميدان يمكن توافرها. ولكن يبقى المتطلب الرئيسي هو الاتيان برؤيا استراتيجية محسوبة جيدا من قبل هيئات الحركة لإعادة ترتيب الصفوف واستنهاض الطاقات.

 إن الضمانة الرئيسية لتماسك فتح ورصانة صفوفها تكمن في الإبقاء على جذوة الصراع قائمة دائما في نفوس وأذهان كوادرها، وعناصرها، ومناصريها. كل جماعة بشرية تتطلب الاحساس بالتنافس، أو الصراع، كضرورة للمحافظة على وجودها، وحتى لا تبدأ فعاليتها بالتلاشي.

  ولكن شيئا من ذلك كله لا يمكن أن يتحقق اّلا اذا ما اتخذت حركة فتح ما قد يعتبر واحدا من أصعب قراراتها منذ نشأتها، ذلك القرار الذي يوازي اجراء عملية جراحية لا غنى عنها. هذا القرار يتمثل في ضرورة أن تحرر فتح نفسها من القيود السياسية والاقتصادية التي يمليها عليها تزاوجها مع السلطة الفلسطينية. فبدلا من أن تكون فتح هي الرقيب الساهر على السلطة، والموجّه لها في لحظات الضعف، يبدو أن فتح قد أضحت هي رهينة لما تتعرض له السلطة من ضغوط. وباعتقادها أنها تستطيع أن تجني ثمارا اقتصادية وسياسية من خلال انخراطها الكامل في مركبات السلطة، فان حركة فتح وجدت نفسها ترزح تحت وطأة سطوة السلطة، بحكم التزاماتها وعلاقاتها المتشابكة. وعليه، فان استنهاض حركة فتح يستوجب، أول ما يستوجب، النأي بنفسها عن السلطة وتداخلاتها، بنيويا ووظيفيا، حتى لا تكون مكبلة بأية قيود سياسية واقتصادية، من ناحية، وحتى تُوفّر للسلطة فرصتها للقيام بما تراه مناسبا من مناورات، دون أن تنعكس فعالية فتح في الشارع الفلسطيني عليها، ودون أن تحمل فتح أوزار ما قد تقوم به السلطة من تحركات.

  كل هذا يتطلب تخطيطا استراتيجيا لوضع برامج عامة تتصدرها حركة فتح في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الشعب الفلسطيني. وفي ذات الوقت، فان هذه الصدارة لفتح لا يمكن، بل ولا يجوز أن تنتقص من مكانة أي فصيل، أو حزب آخر، كما أنها لا تعفي أي فصيل، أو حزب آخر من القيام بمهامه ومسؤولياته.

  لماذا يجب أن تكون فتح هي التي في الصدارة لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة والقادمة؟ كثيرة هي الاسباب التي يمكن أن تفسر وتبرر ذلك. أول هذه الاسباب ينبع من مسؤولية حركة فتح عن المساهمة في ايصال الامور الى ما هي عليه الآن، خاصة ما تعلق منها بالفشل الذريع الذي منيت به العملية السياسية. ففتح تبنت تلك العملية، واحتضنتها، بل وأمعنت في حصر نفسها بقيودها ومكبلاتها. وثاني هذه الاسباب يتمثل في كون حركة فتح تعتبر الاعرق في المجتمع الفلسطيني، تاريخيا، وأيضا الاقدر على تجميع كافة قطاعات الشعب الفلسطيني، بحكم شموليتها وعدم اعتمادها أيديولجية حزبية معينة، يمينية أو يسارية، أو تبنيها توجها دينيا بعينه. وأخيرا، يمكن اعتبار فتح الاكثر حصانة في المجتمع الدولي، ومن ثم الانسب للوقوف في وجه الهجمة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي ترى في أي توجه ديني اسلامي، أو أيديولوجي حزبي حافزا، بل ومساعدا للانقضاض على الشعب الفلسطيني، تحت ذرائع دينية وعقائدية، الامر الذي يسهّل عليها صبغ الصراع بأبعاد دينية وعقائدية خطيرة وفضفاضة، ذلك الامر الذي تتمناه، بل وتسعى الى تحقيقه كافة مؤسسات الاحتلال الاسرائيلي.

  ولهذا كله، امّا أن تضطلع حركة فتح بدورها الريادي في هذه المرحلة المصيرية، أو أن ينتظر الشعب الفلسطيني مجابهة ما يُنصب له من مصائد وشراك، وعلى أعلى المستويات، وبالاعتماد على أمهر العقول المسخرة للاجهاز على الغير.

  وما دام عالم السياسة لا يعرف المستحيلات، فان الوقت لن يكون متأخرا أبدا لاحداث حالة استنهاضية جذرية في صفوف حركة فتح، ومن ثم في أوساط الشعب الفلسطيني كلها، بهدف وضع حد قاطع لأية دسائس حاضرة أو مستقبلية. فهو ليس سرا أنه لو كان الشعب الفلسطيني محاطا بمواطن القوة على اختلاف أشكالها، لما تجرأ المتجرئون على توجيه سهامهم نحو هذا الشعب. وكون هذا لم يتحقق بعد، يصبح المطلوب ايجاد السبل الكفيلة لايقاف ما يحاك الآن، وأيضا لبناء حالة من الردع لما قد يتسلل في المستقبل من مخططات.

د. هشام أحمد فرارجة-استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

المقال لراي اليوم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى