كتاب عربموضوعات رئيسية

المؤسسة العسكرية في الجزائر بين الاحترافية وفشل النخب السياسية

 “واجب الفرد الأسمى هو أن يكون عضوا في الدولة “. هيغل

 إثر شروع الجزائر في إصلاحات سياسية في فيفري 1989 ساد اعتقاد مفاده أن البلد دخل مرحلة مفصلية تشي بإحداث قطيعة مع نظام الحزب الواحد والظاهرة العسكرية. على اعتبار أن تلك الإصلاحات ستفضي إلى دمقرطة النظام السياسي.  فهل توفرت البيئة الجزائرية على الشروط الموضوعية لاستيعاب حكم مدني تعددي بعيدا عن تدخل العسكر؟ وما الذي يجعل الأصوات الداعية لتدخل العسكر ترتفع في كل مرة؟ وهل تشي مطالبات الأحزاب بالتدخل بإفلاس النخب السياسية؟  وهل قوى العولمة الليبرالية لم يكن يعنيها سوى نشر قيم الديموقراطية في دول المعسكر الاشتراكي دون مراعاة إمكانية ظروف تلك البلدان؟ الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي معرفة طبيعة خطاب العولمة حيال الظاهرة العسكرية.

خطاب العولمة: إنهاء حكم العسكر؟

جعلت العولمة الليبرالية مسالة الحد من سطوة الدولة بل وأحيانا تسفيه فكرتها ومكانتها وإبعاد النخب العسكرية عن أداء أي دور في الحياة السياسية لدى شعوب دول القطب الاشتراكي (سابقا) اساسا هدفا لها. فوفقا لهذه المقاربة صممت سياسات وانبرت لأجلها اقلام اكاديمية تبشر وتسوق للخلاص العولمي.  كما هو الحال مع “منظورات الامن الحديثة” التي قاربت للرؤية التي تدفع في اتجاه تقليل دور المتغير العسكري وأمن الدول أمام المتغيرات الاقتصادية والإعلامية والبيئية والثقافية وأمن الافراد على حساب امن الدول والمجتمعات. فعلى هذا النحو، سوقت مدرسة كوبنهاغن وبعض مدارس دراسات السلام والامن في أمريكا واوروبا تباشير وتعاليم الليبرالية المتوحشة الغربية. لقد وظفت قوى العولمة كل هذه المنابر والمؤسسات لتحطيم والتقليل من شأن تراث تنظيم دولي استمر منذ إعلان نظام واست فاليا.

غير ان استراتيجية قوى العولمة في نقل قيم الديموقراطية والحرية والحكم المدني اصطدمت بخصوصيات سياسية اجتماعية ثقافية لم تكن مهيأة لاحتضان مثل هذه القيم. ويمكن إيعاز عدم القبول والتوافق  إلى عدة  أسباب منها، تبني معظم البلدان المستقلة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لنظام الحزب الواحد، الذي لم يكن معني بتحقيق تنمية سياسية تساعد على بناء وعي وثقافة سياسية قادرة على التفاعل الاستيعابي الإيجابي مع كل وافد غير مؤذي. أيضا لعب الجيش- المؤسسة الأكثر تماسكا وتنظيما- دورا حيويا في الحياة السياسية والاجتماعية للدولة الوطنية المستقلة حديثا، على اعتبار أنه سليل جيش التحرير الذي بفضله وجدت دولة الجزائر المستقلة. فضلا، على وجود تراث ثقافي اجتماعي تقليدي.  رغم هذه الخصوصيات والظروف باشرت الحكومة الجزائرية إصلاحات سياسية 1989 يعد احداث أكتوبر الدامية تحت ضغوط الليبراليين المنتصرين. وبموجب هذه الإصلاحات تم اقرار دستور تعددي وأنشئت الكثير من الأحزاب السياسية. وأجريت بعد ذلك مباشرة انتخابات تعددية كرست انتصار الحزب الإسلامي ” جبهة الإنقاذ المنحلة”.  لكن سرعان ما تدخل الجيش واوقف المسار الانتخابي، فما الذي دفعه لتوقيف مسار اول انتخابات تعددية؟

توقيف المسار الانتخابي: خطيئة الجيش في حماية الدولة؟

بموجب دستور فيفري 1989 تم اعتماد أكثر من ستين حزب سياسي. ورغم عددها الكبير والمتنوع يمكن تصنيفها بحسب خلفياتها الفكرية والأيديولوجية وطبيعة التجاذبات الميدانية إلى ثلاثة تيارات رئيسية (الوطني، الإسلامي، والعلماني). فبعد إقرار التعددية السياسية والاعلامية أجريت أولى الانتخابات التعددية (المحلية جوان 1990، والبرلمانية ديسمبر 1991). كرست هذه الانتخابات انتصار حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلة. ورافق مرحلة إجراء الانتخابات بروز خطاب وسلوك مناقض لما يجب أن تكون عليه بيئة مهيأة لاحتضان القيم الديموقراطية.  ففي هذا السياق جاءت جبهة الإنقاذ المنحلة بخطاب تعبوي متشدد إنطوى على عزم قيادته بالذهاب بعيدا في إحداث تغيرات جذرية تمس النظام السياسي والاجتماعي ( شكلا ومضمونا). فضلا على الإضرابات والاعتصامات في الساحات العمومية والدعوة للعصيان المدني، وانتهت بالاعتداء على الثكنة العسكرية في نوفمبر 1991 بمنطقة قمار بواد سوف. أثارت مثل هذه السلوكيات مخاوف قطاع من المواطنين مما ينتظرهم من هذا الحزب. الامر الذي شجع بعض الأصوات معلنة رافضها لنتائج الانتخابات ولسياسات هذا الحزب – لاسيما وسط أنصار التيار العلماني-  وتدعوا عبر ذلك الجيش بالتدخل لتوقيف المسار الانتخابي لإنقاذ الجمهورية. ولقد سيرت لأجل ذلك، مسيرات ضخمة في العاصمة تحت عنوان رفض لمشروع الدولة الإسلامية، وفي ذات الاتجاه أنشا نقابيون وأكاديميون “لجنة إنقاذ الجزائر”. ويبدوا أن مثل هذه الأجواء سهلت من مهمة دعاة تدخل الجيش في المسرح السياسي.

هكذا وعلى ضوء الاحداث المتسارعة، تدخل الجيش مدعوما بمختلف القوى الأمنية والشعبية وأوقف المسار الانتخابي في جانفي 1992. ونتيجة لذلك دخلت الجزائر في مسار العنف والإرهاب كاد أن يؤدي بالجزائر إلى حافة الانهيار والتفكك. واستطاع الجيش ومختلف القوى الأمنية بعد خسائر فادحة في الأرواح (حوالي مئتي ألف قتيل مئات المليارات من الدولارات خسائر مادية) من دحر الإرهاب وتحقيق الامن والاستقرار. لكن رغم تلك التضحيات الكبيرة فقد واجهت مؤسسة الجيش الكثير من المشاكل والمصاعب، من ذلك إتهامه من قبل حزب جبهة الإنقاذ المنحل وبعض المنظمات الدولية الحقوقية بممارسة التعذيب والقتل ضد أنصار هذا التيار. كما شكلت مقاربة الجيش في مكافحة الإرهاب مادة دسمة لبعض المؤسسات الإعلامية وبعض الأقلام التي اتهمته بممارسة القتل والتصفية والتعذيب.

وبعد أن أعاد الجيش الامن والاستقرار وكرس الرئيس اليمين زروال المحسوب على العسكر قانون الرحمة، قرر زروال التنحي عن الحكم والاستقالة من منصبه، تولي بعده عبدالعزيز بوتفليقة رئاسة الجزائر، المعروف بنزعته المدنية وحساسيته المفرطة من حكم العسكر. فهل ينجح بوتفليقة في تأسيس حكم مدني قوي بعيد عن تدخلات العسكر؟ أم أن مفاعيل البيئة اقوى من الفاعل؟

بوتفليقة وحلم الدولة المدنية؟

يمكن القول ان هدف الرئيس بوتفليقة بعد أن دعم قانون المصالحة والوئام كان منصب حول مسالة تحييد تدخل الجنرالات ومن ثم الجيش في الشأن السياسي. من اجل ذلك نجح في جمع مختلف القوى السياسية حول رؤيته في الحكم المدني. وأفصح أكثر من مرة عن تلك الرؤية والرغبة، من ذلك، تصريحاته المتكررة، لا اريد أن اكون ثلاثة ارباع الرئيس، في هذا إشارة لعدم رغبته في مشاركة العسكر له في الحكم.  وكتب نورالدين بوكروح – سخَر قلمه في عهد اليمين زروال في توجيه انتقادات لاذعة لمستشار اليمين زروال الجنرال بتشين، مادحا ومساندا لسياسة الرئيس بوتفليقة، فقد   كتب بوكروح عام 1999 مقالاته تحت عنوان ” وحينها أتى بوتفليقة،” أو “كيف البقاء… بعد بوتفليقة” ، اعتبر بوكروح  الرئيس بوتفليقة- بمثابة المخلص من كابوس العسكر، قال عنه  “رسول هذا الزمان …..إنه لا يكل ولا يمل ولا يتعب ………واكثر من ذلك و صفه ب”التسونامي” الذي يأتي دون سابق إنذار.  قال عنه، ” جاء من المستقبل ولم يأت من الماضي.”

 فتح بوتفليقة العديد من ورشات الاصلاح وهو في ذلك مدعوما ولو معنويا من قوى العولمة التي تقف متابعة لمخرجات سياساته التي يجب ان تكون ضمن أجندتها ذات الصلة بحقوق الانسان العالمية، الديموقراطية التشاركية والحكم الراشد والتنمية المستدامة والحكم المدني (الدولة المدنية) والا فإن بديل الفوضى الخلاقة ومشروع الشرق الكبير جاهز للتنفيذ.   غير أن سياسة بوتفليقة سرعان ما اصطدمت بواقع غير متفاعل، فبقيت الكثير من المشاريع معطلة وما انجز تشوبه شبهات الفساد، فضلا عن حالة الركود وأحيانا الفوضى التي تسود المجتمع.  لاسيما بعد مرض الرئيس وهنا بدأت الاصوات ترتفع إلى تفعيل المادة 102 إلى الدعوة المباشرة للجيش بالتدخل من اجل ضمان انتقال ديموقراطي آمن ومستقر. فهل يقبل الجيش بمثل هذه الدعوات أم يتعلل بالالتزامات الدستورية ويترك الحل السياسي للسياسيين؟

دعوة الجيش للتدخل هل هو إقرار بإفلاس النخبة السياسية؟

إذا كان تدخل الجيش في تسعينيات القرن الماضي جاء بطلب من القوى الديموقراطية العلمانية فإن ما يلاحظ في دعوة هذه المرحلة انها عاكسة لرؤى مختلف التيارات الايديولوجية.  فعلاوة على دعوة رئيس حزب “حركة مجتمع السلم” مقري عبدالرزاق ( الاخواني التوجه)  للجيش بالتدخل من اجل ضمان انتقال ديموقراطي،  فقد صرح  قبله  رئيس حزب ” جيل جديد ” ماكدا على تأييده  لتدخل الجيش من اجل ضمان فترة انتقالية،  وقبل ذلك طالب أيضا رئيس “حزب طلائع الحرية” علي بن فليس الجيش للتدخل عام  2015، من أجل إنجاح فترة الانتقال الديمقراطي.  كما دعت مجموعة من القيادات “العلمانية” الجيش بالتدخل من اجل انقاذ الديموقراطية من حكم شمولي. ولقد قوبلت مختلف هذه الدعوات منذ مجيئي بوتفليقة بالاستهجان والرفض والتنديد، على اعتبار ان فترة حكمه فرصة جيدة لأبعاد العسكر عن الحكم. غير ان نظام الحكم المدني (لاسيما بعد مرض الرئيس) سرعان ما وقع من جديد في ازمة عميقة، ويبدوا انه غير قادر على تجاوزها، والمفارقة ان الذين ناصبوا العداء للجيش يطالبونه بالتدخل من جديد. في ظل هذه الاوضاع، ما مدى إلزام الجيش بمهامه الدستورية إذا ما أخلت بعض القوى باستقرار وامن البلد؟

في إنتظار إعادة تأهيل المجتمع السياسي والمدني

  مما تضمنته افتتاحية مجلة الجيش والتي يمكن اعتبارها بمثابة جواب للأحزاب والشخصيات التي دعت الجيش للتدخل مباشرة درئا للفوضى التي تصاعدت حدتها بعد مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، “لكل من يطالب، سراً أو جهراً أو ضمنياً بالانقلابات العسكرية، نذكر بأن جيشنا سيظل جيشاً جمهورياً ملتزما بالدفاع عن السيادة الوطنية وحرمة التراب الوطني، حافظاً للاستقلال، جيشاً لا يحيد أبداً عن القيام بمهامه الدستورية مهما كانت الظروف والأحوال”. وبالنسبة لدعاة تدخل الجيش لضمان انتقال ديموقراطي، اراه مجانب للصواب والمنطق وهذا للاعتبارات التالية:

  • البيئة الجزائرية لاتزال لا تتوفر على ممارسة ديموقراطية (معظم الاحزاب لا تعقد مؤتمراتها، من الاحزاب التي لم تتغير قيادتها منذ الاصلاحات السياسية،

  • غياب آلية الانتخاب والتداول في المؤسسات الاجتماعية غير الرسمية، بل نجد عكس ذلك هو السائد، المبايعة، التزكية، التعين).

 ومن جهة أخرى فإن أمر النخبة السياسية في تعاطيها مع المؤسسة العسكرية غريب إلى حد ما، فحين يتعلق الامر بمصالحها ترى في الجيش المنقذ لكن حين تكون غير معنية بذلك او تتعارض مصلحتها مع وجود الجيش تعمل على انتقاده ووصمه بكل الاوصاف. الم يكن توقيف المسار الانتخابي في تسعينيات القرن الماضي بمثابة خلاص وإنقاذ للجمهورية بالنسبة للعلمانيين، أما بالنسبة للإسلاميين فكان بمثابة تعدي على حقوقهم ومن ثم واجهوا التدخل بحملات تشويه إعلامية قوية جدا لمؤسسة الجيش، فضلا على ممارسة العنف والارهاب. وتبعا لذلك تحملت المؤسسة العسكرية عبر رموزها شتى صور الادانات حتى صارت كل نقيصة وسلبية مرتبطة بحكم الجنرالات ( أيعقل أن يحاكم في سويسرا  رمز المؤسسة العسكرية وزير الدفاع خالد نزار بتهم مرتبطة بحماية الدولة الجزائرية، لا تنسوا أن دور القوى الليبرالية حماية الفرد على حساب تدمير  الدولة – على  غرار ليبيا وسوريا-) . ورغم كل ذلك تبقى قضية تحييد الجيش عن الخوص في قضايا السياسة حمالة للكثير من المخاطر. لاسيما في ظل غياب مؤسسات حزبية واجتماعية قوية متماسكة تستطيع تأطير ومن ثم المجتمع من افات التفكك والصراع.

 وأخلص إلى أن الحديث عن الانتقال الديموقراطي او تعزيز الديموقراطية دون ترسيخ لفكرة الدولة الأسمى عن التجاذب والصراع تتوفر على الشروط الموضوعية لممارسة ديموقراطية مدعاة لمخاطر تفكيك الدولة أو تحويلها من الطابع المدني الهجين إلى دولة دينية استبدادية يصبح الحديث فيها عن “حكم الشعب بالشعب” بمثابة ردة تضفي للكفر. ومن هنا أرى ان مثل هذه الدعوات تدخل ضمن مسعى ضمان حليف قوي يوصل إلى الحكم لا غير. وهنا يصدق على هؤلاء مثل، ” أخلع صاحبي من منصبه لأجلس مكانه ،” وإذا كان الامر على هذا النحو لا شك ان هناك من يجيب هؤلاء، لما لا اجلس أنا واتحمل تبعات ذلك (يتهنا الفرطاس من حك الراس بالتعبير الجزائري).

أ. د راقدي عبدالله-أستاذ العلاقات الدولية. جامعة باتنة .1 . الجزائر والمقال لرأي اليوم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى