أجنحة النظام: المتصارعون على السلطة في موريتانيا \ محمد بون العثماني

*لن أغير الدستور لأجل زيادة عدد المأموريات الرئاسية المحددة بمأموريتين في الدستور. الشكوك بشأن ترشيحي لمأمورية ثالثة ستظل قائمة في أذهان البعض، ولكني سأظل ملتزمًا بالدستور ولن أخرج من الحياة السياسية وسأبقى ما دمت حيًا مهتمًا بما يجري في بلدي.*

مقابلة الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز مع مجلة جون أفريك – 5 مارس 2018

يبدو أن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أراد من خلال هذه المقابلة أن يحسم الجدل المتصاعد حول ما يشيعه معارضوه عن نيته العبثَ بالمواد الدستورية الخاصة بمدة رئيس الجمهورية. فمنذ انتخابه لفترة رئاسية ثانية، في 21 يوليو/ تموز من العام 2014، بدأ الحديث من خصوم الرجل وحلفائه عن سعيه لتعديل المادة 28 من الدستور الموريتاني، والتي تنص على إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة.

شارك ولد عبد العزيز نفسه في وضع هذه المادة، فقد كان عضوًا فيما عُرف بالمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي قام بانقلاب أبيض في الثالث من أغسطس/ آب 2005 على الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، أثناء تواجده في المملكة العربية السعودية لتقديم واجب العزاء في الملك فهد بن عبد العزيز. وقبلها، شغل الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز منصب مرافق أمني لمعاوية ولد سيد أحمد الطايع لفترة طويلة، ثم تدرج ليصبح قائد كتيبة الأمن الرئاسي، بعد قيامه بدور أساسي في التصدي لعملية الانقلاب الفاشلة التي قام بها ضباط من الشرق الموريتاني، أغلبهم مفصول من الجيش ومحال للتقاعد، في الثامن من يونيو/ حزيران من العام 2003. محاولة أظهرت هشاشة نظام ولد الطايع، وأغرت ولد عبد العزيز وابن عمه – خصمه فيما بعد – العقيد إعلي ولد محمد فال بتقويض النظام الذي حكم البلاد لما يزيد عن 20 سنة.

سمات نظام ولد عبد العزيز
رغم وصول أغلب الرؤساء الموريتانيين للسلطة من بوابة الانقلابات العسكرية، فإن أول ما يبادرون به، هو تهميش المؤسسة العسكرية التي جاؤوا منها، والانفتاح على القوى المدنية طمعًا باعتراف دولي، وخوفًا من تغول المؤسسة العسكرية.

مع ولد عبد العزيز كان الوضع مختلفًا تمامًا، فقد حاول أن يحكم الجيش من خلال رئيس مدني، بوصاية عسكرية. دعَم أول رئيس موريتاني مدني منتخب، سيدي ولد الشيخ عبد الله، السياسي المغمور الذي وصل للحكم في مارس 2007، ثم أوعز لمجموعة من البرلمانيين والأحزاب السياسية بالقيام بمظاهرات تؤدي لخلعه. لكن الرئيس بادر بإقالته ومجموعة كبيرة من الضباط بسبب تدخلهم في الشأن السياسي. فما كان من قائد الحرس الجمهوري آنذاك، محمد ولد عبد العزيز، إلا أن أعلن الانقلاب في 6 أغسطس/ آب، وأخفى الرئيس. رغم رفضه لما حصل، رضخ سيدي ولد الشيخ عبد الله تحت سيل من المبادرات، وتنحى طوعيًا عن السلطة. تم تنظيم انتخابات مبكرة، أدت لوصول ولد عبد العزيز نفسه لسدة الحكم.

وربما ولّدت هذه التجربة لدى ولد عبد العزيز توجسًا تجاه الساسة والمدنيين، فتقاسم السلطة مع العسكريين بشكل طوعي على مبدأ الملك المغربي الراحل الحسن الثاني: «لكم الأموال ولنا الأعناق». فتضاعفت ميزانيات الجيش وامتيازاته بشكل كبير، مقابل التضييق على الموظفين المدنيين وتقليل امتيازاتهم المالية. تبنى ولد عبد العزيز خطابًا يعادي طلبة العلوم الإنسانية، رافضًا لمبدأ الشراكة السياسية.

في المقابل، شجع المعاهد المهنية والصناعية، وكان شديد الإعجاب بالتكنوقراط والمهندسين. كما تبنى سياسة تجديد نخبة المال والأعمال، مقابل إقصاء رجال الأعمال القدماء. لعل أبرزهم ابن قبيلته وحليفه السابق الملياردير محمد ولد بوعماتو، الذي يقيم في منفاه الاختياري في المغرب. فهو على رأس قائمة المطلوبين لنظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز، بتهمة دفع رشاوى لسياسيين موالين للنظام، فيما عرف بموقعة مجلس الشيوخ التي أُسقطت فيها التعديلات الدستورية التي دعا لها ولد عبد العزيز. لم توقف هذه الحادثة مساعي الرئيس، فقام بتمرير التعديلات باستفتاء شعبي، وسط مقاطعة واسعة من المعارضة. وحل مجلس الشيوخ وغير العلم والنشيد والعملة النقدية.

شبكة الحكم
لم يمارس أي رئيس في تاريخ موريتانيا، أعمالًا تجارية تكاد تكون علنية إلا الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز. ولعل تلقيه تكوينه العسكري في المغرب – عدوه الحالية – قد نبهه لأهمية التحكم والمشاركة في القطاع الخاص، على غرار الهولدينغ الملكي «المجموعة الاقتصادية والتجارية التابعة للملك المغربي». وهذا يفسر ارتباط الرجل بعدة أعمال تجارية تدار من قبل نجله الأكبر بدر ولد عبد العزيز وأبناء خالته أولاد لهاه، بشراكة مع مجموعات صينية عملاقة تنشط في مجال الأشغال العامة والإنشاءات. وبينما يهتم الرئيس بالاستثمار، تسيطر صراعات الوزراء وحركة صعودهم وتنحيتهم على النشاط الحكومي.

المدنيون المتصارعون
أبرز الوجوه المدنية المتصارعة لاقتناص دور ما في مرحلة ما بعد ولد عبد العزيز، هو الوزير الأول يحيى ولد حدمين. مهندس تخرج من جامعات مونتريال في العلوم التطبيقية، وستيني هادئ ومتلعثم، قادم من عالم البيروقراطية. وُصِف إبان تعيينه بالرجل الضعيف، قبل أن يقوم بتصفية كل خصومه في الحكومة والحزب الحاكم. على رأس قائمة خصومه، الوزير الأول السابق ومدير ديوان رئيس الجمهورية لاحقًا وابن مدينته – النعمة في الشرق الموريتاني – التي جرى العرف منذ تسلم العسكر لزمام السلطة في 1979 أن تنحصر فيها الوزارة الأولى.

كما أقال موظفين انتقدوه على مواقع التواصل الاجتماعي، وسجن عدة صحفيين، رغم أن انتقاد رئيس الجمهورية نفسه ليس جرمًا. في المقابل، يبدو أن ولد حمدين يقف عاجزًا أمام خصمه ومنافسه على دور محوري في مرحلة ما بعد ولد عبد العزيز.

إنه وزير المالية، المختار ولد أجاي، الرجل القوي في النظام الموريتاني الحالي. ولِد في 1973 لعائلة بسيطة في مدينة المجرية، وبدأ حياته المهنية كموظف إحصاء، حتى تعيينه في 16 يناير/ كانون الثاني 2010 مديرًا عامًا للضرائب، لتبدأ رحلة صعوده الهادئ. ولعل أبرز ما لفت أنظار محمد ولد عبد العزيز إليه، السياسة المالية التي اتبعها ما إن استلم منصبه. فقد فرض ضرائب ورسومًا على كل شيء تقريبًا، وجمع مداخيل هامة للدولة. وهكذا، تم تعيينه في عام 2015 وزيرًا للمالية قبل أن يجمع معها الاقتصاد. وبعد أن كانت وظيفة وزارة المالية، في العهود السابقة، صرف موارد الدولة على الخدمات والمعاشات، أصبحت في عهد المختار ولد أجاي تحصيل موارد ضخمة جدًا لخزينة الدولة وتقليل الدعم. بفضل هذه السياسة، حقق ولد أجاي نفوذًا لم يحظَ به أي وزير موريتاني سابق، استغله لتعيين أشخاص محسوبين عليه بكافة الوزارات. وهو ما دفع النائب محمد ولد ببانة المحسوب على الوزير الأول لتقديم وثيقة تفيد بحصول وزير المالية على مبلغ 28 مليون أوقية شهريًا بشكل غير قانوني، جعلت النقاش يتطور خلال جلسة البرلمان إلى تبادل للشتائم بين الوزير والنائب.

يبقى محمد ولد محمد رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الأقل حظًا في هذا الصراع. فقد كان مخلب القط الذي استخدمه محمد ولد عبد العزيز في محاولة الانقلاب البرلماني على الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، قبل أن يُترجم إلى انقلاب عسكري. وهو رئيس الشركة الموريتانية السودانية للسكر، والتي جرى عرفًا أن يعيّن في مجلس إدارتها رئيس الحزب الحاكم.

العسكر في حلبة العمل السياسي مجددًا

لم يغادر قادة المؤسسة العسكرية دائرة الفعل والتأثير السياسي، رغم الامتيازات المالية الفريدة التي يحظون بها منذ انقلاب 2008، على غرار زملائهم جنرالات الجزائر ومصر. فالمجلس العسكري في موريتانيا عبارة عن توزيع عشائري ومناطقي دقيق يصنع نوعًا من التوازن. ويبدو أن هناك شبه توافق داخل المؤسسة العسكرية على أن يخلف ولد عبد العزيز كقائد أركان، الجنرال محمد ولد الغزواني. اختيار يدرك ولد عبد العزيز خطورته، ولا يبدو أنه يفضله. فقد تم تسريب مرسوم صادر عن رئاسة الجمهورية ينص على رفع سن تقاعد الجنرالات، بدا موجهًا ضد قائد الأركان وفرص ترشحه للرئاسة. دفع هذا التسريب الجيش لإصدار بيان غاضب عبر موقعه الرسمي يرد فيه على ما سماه مزاعم مزيفة، ونفى وجود هكذا مرسوم.

ليس ولد الغزواني الوحيد الذي يطمح لضمان مكان في المرحلة القادمة من قادة المؤسسة العسكرية، فقد قام الفريق مسغارو ولد غويزي قائد الحرس الوطني ذو الخلفية العروبية الناصرية بعقد اجتماعات سياسية، وتشكيل قوائم انتخابية محسوبة عليه في الانتخابات الجهوية والبلدية والتشريعية المزمعة في الأول من سبتمبر القادم. وحذا حذوه في ذلك، قائد الأمن العام، الجنرال محمد ولد مكت في منطقته البراكنة.

هندسة شكل النظام القادم
لا يمل الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية من ترديد أن ولد عبد العزيز باق في السلطة، وأن ذهابه هو أضغاث أحلام لن تتحقق، لكن الأكيد أن ولد عبد العزيز سيغادر منصبه كرئيس للجمهورية. فهو يسعى، منذ 2014، لجس نبض القوى الخارجية وخصوصًا فرنسا التي تمانع بشكل علني بزيادة عدد المأموريات الرئاسية. وقد أدرك ولد عبد العزيز في النهاية أهمية وجود حزب سياسي حقيقي، فقام بتشكيل ما أسماه «لجنة إصلاح الحزب الحاكم»، «الاتحاد من أجل الجمهورية»، ووضع على رأسها رجاله المقربين، وأبرزهم وزير المالية. يتمثل السيناريو القادم المتوقع، في نية ولد عبد العزيز تكرار سيناريو مدفيدف/ بوتين في موريتانيا. ولهذا، يسعى للحصول على أغلبية برلمانية تضمن له تعديل الدستور والنظام السياسي وتحويله من رئاسي إلى برلماني، يتربع فيه على كرسي رئاسة الوزراء.

المصدر إضاءات

شارك