في البصرة ما يُنذر بعظائم الأمور

إعلان

صبحي حديدي

هي، ببساطة، معادلة صائبة ومحقة: يشكل النفط 99٪ من صادرات العراق، والبصرة وحدها تنتج 90٪ من نفوط العراق؛ لكنها، في الطرف الثاني من المعادلة، المحافظة الأقلّ تمتعاً بهذه الثروة النفطية، من حيث الخدمات العامة كالماء والكهرباء، أو الخدمات الصحية والتعليمية، أو الطرق والمنشآت والبنية التحتية، وبين الأعلى في معدلات البطالة والفساد ونهب المال العام. وحين تثور البصرة، أو قطاعات واسعة من أبنائها، فإنها أساساً تثور من باطن هذه المعادلة، وليس لأي اعتبار سياسي أو حزبي، أو حتى مذهبي تظلله العباءة الشيعية العريضة.
ليس دون مغزى هائل الدلالة أنّ القنصلية الإيرانية في البصرة، وليس الأمريكية أو البريطانية على سبيل المثالين الموازيين، هي التي تعرضت لهجوم بعض المعتصمين، حيث تمّ إحراقها. ليست أقلّ قيمة، من حيث المغزى المكمّل، تلك الصورة الفوتوغرافية الرهيبة (التي التقطها نبيل الجوراني، «أسوشيتد برس») لمتظاهر يدوس بقدمه صورة للمرشد الأعلى علي خامنئي؛ الذي يجوز التذكير، هنا، بأنه لا يرشد في إيران وحدها، بل في غالبية الأصقاع ذات الأغلبية الشيعية على امتداد العالم؛ والبصرة، في تذكير آخر مفيد، ذات أغلبية سكانية شيعية.
بهذا المعنى، فإنّ من أبسط واجبات المراقب الموضوعي للمشهد الراهن في جنوب العراق أن يمنح البصريين المعتصمين فضيلة التجرّد من المذهب والولاء الحزبي أو العشائري أو المناطقي، وأنهم إنما خرجوا من أجل إحقاق سلسلة حقوق لا جدال حول مشروعيتها. غير أنّ قسطاً كبيراً من جوهر هذه الخلاصة إنما يستند على حقيقة لا تقلّ بساطة، وصواباً، بدورها؛ وهي أنّ الخذلان الأشدّ الذي تعرّض له سواد أهل البصرة إنما يحمل وزره الساسة أنفسهم الذين زعموا الدفاع عن حقوق البصريين، وتنطحوا لتمثيلهم في البرلمان والوزارات والأحزاب والمؤسسات الأمنية والعسكرية المختلفة، لكنهم لم يمارسوا إلا نقائض ما زعموا. وهذه، استطراداً، حقيقة تفضي موضوعياً إلى مفسدة التمذهب عند هذا أو ذاك من محتكري التمثيل الشيعي.
وذات يوم كان بول بريمر، الذي عيّنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج يوش الابن رئيساً للإدارة المدنية في عراق ما بعد الاحتلال، يردد أنّ كابوس حياته سوف يكون وقوع مواجهة بين الشيعة والقوّات الأمريكية؛ ولم يكن يومها يميّز، أو حتى يفصل، بين شيعة السيستاني، أو شيعة مقتدى الصدر، أو شيعة «الحشد الشعبي» والجنرال الإيراني قاسم سليماني؛ فما بالك بتنويعات مثل نوري المالكي، وحيدر العبادي، وعمار الحكيم، وعادل عبد المهدي، وطارق نجم، وفالح فياض… فما الذي سيقوله بريمر اليوم، إزاء حال التصارع السياسي الشيعي ــ الشيعي في دهاليز تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، من جهة أولى؛ وإزاء حال الغليان الشعبي التي تشهدها شوارع البصرة، حيث لا شيعة ولا تشيّع ولا سياسة ولا ساسة، ولا أيّ اعتبار آخر يمكن أن يعلو فوق صوت المطالب المعيشية والحقوق الخدمية، من جهة ثانية؟
وما الذي سوف يقوله رجل مثل إدوارد شيرلي (الاسم المستعار الشهير لأحد كبار الاختصاصيين في الشؤون الإيرانية، والموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية، وصاحب كتاب «إعرف عدوّك: رحلة إلى الثورة الإيرانية»)؛ حين يبصر بأمّ عينيه أنّ متظاهر البصرة الذي داس على صورة خامنئي يدحر، تماماً، نظرية شيرلي القائلة بأنّ هاجس الولاء للحوزة الشيعية يعلو على لقمة الخبز والماء والدواء؟ وكيف سيفسر نظريته المطلقة، في أنّ التشيّع الشعبي معادٍ بالغريزة للإمبريالية الأمريكية أساساً، أياً كانت مظلوميته الاقتصادية والاجتماعية المحلية؛ إذا كانت القنصلية الأمريكية لم تُمسّ بشرارة، بالمقارنة مع القنصلية الإيرانية؟
الأرجح أنّ أياً منهما، بريمر أو شيرلي، لن يلجأ إلى قوّة المعادلة التي جاءت في صدر هذه السطور، وليس في ذلك أيّ عجب؛ مقابل المفارقة الفاضحة التي يصنعها «تطنيش» الساسة في برلمان بغداد، والقادة في الميليشيات المذهبية، عن بساطة المعادلة إياها، وعن صوابها وأحقيتها. وفي مفاعيل حال كهذه ما ينذر بالويل وعظائم الأمور.

القدس العربي

إعلانات
شارك