إسرائيل ما بين السياسة والإعلام

لا تعتمد إسرائيل فى خوض حروبها على السلاح وحده، بل تعتبر الإعلام أداة مهمة فى حروبها تلك، ولذلك تستخدم الأدوات والوسائل المتاحة كافة لبث خطابها للجمهور العربى فى محاولة لإيصال أفكارها، أو إعادة بلورة أفكار متلقيها، وآخر هذه التحركات هو سعيها لإطلاق سبع وعشرين قناة تليفزيونية ناطقة باللغة العربية تخاطب بها العالم العربى تتنوع مابين قنوات إخبارية وترفيهية ودرامية ورياضية. ويعد الجمهور العربى هو أحد دوائر الدعاية الإسرائيلية الموجهة التى تخضع لمتطلبات السياسة الإسرائيلية المرحلية التى تقوم على ثلاثة محاور: إرادة الانتماء بمعنى تثبيت مفهوم انتمائها فى المنطقة وتحقيق الاعتراف بها والقبول بمايعنيه من عمل شعبى غير رسمى، وإرادة الاتصال وهى تدعم الإرادة السابقة وهذه الإرادة تنعكس على المفهوم الإسرائيلى للسلام مع العرب، وإرادة الاحتواء والسيطرة بحيث تصبح النتيجة المنطقية للاتصال بالدول العربية فى ظل المفاهيم الصهيونية للتفوق خاصة بعد تطبيق قانون الدولة القومية للشعب اليهودى

ولأن الإعلام أصبح أحد أوجه القوة الناعمة، ولأن هذه القنوات ستبث برامج ومواد فى إطار حرب المعلومات، مثلما فعلت أمريكا عندما أطلقت قناة الحرة وراديو سوا ومجلة هاى تزامناً مع حرب العراق، ولأن هذه القنوات سيكون لها تأثير سلبى، فإن إسرائيل ستسير على نفس الخطى لمحاولة إقناع الشعوب العربية بما تريد أن تمليه من سياسات فى المنطقة.

وهذه المحاولات الإسرائيلية التى يعد الإعلام أحد أذرعها لهدم المنطقة العربية هو امتداد لجهود صهيونية قديمة، واستكمال لمخططات صهيونية سابقة، تحت مظلة الوحدة الاستخباراتية الصهيونية 8200 من أجل إثارة الفتنة وتفتيت العالم العربى، لكى يتكيف العرب على أوضاع معينة، وقبول الاحتلال والتطبيع والعنصرية الصهيونية، وهذا الخط تكمله إسرائيل على غرار ما حدث فى قناة الجزيرة التى سمحت للمتحدثين باسم جيش الاحتلال ورئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نيتانياهو، بالظهور على منصاتها واختراق منازلنا، كذلك إدارة حرب نفسية موجهة ضد العرب بغرض التأثير على عقليات الأفراد ونفسياتهم؛ ليصيبهم الوهن والإحباط والتفكك والاضطراب، وتحويل وجهتها بصورة مخالفة لأهدافها ومصالحها وهى عملية تتميز بأنها مفاجئة وسريعة وهادئة تعتمد على الاستدراج البطيء والغفلة. ومن خلال دراسة النماذج الإسرائيلية السابقة الموجهة للعالم العربى فى مجال الإعلام فإنه يمكن استشراف ملامح تحرك هذه القنوات الجديدة متمثلة فى انتقائها الأخبار، وتحيزها الواضح للجانب الإسرائيلى، وكذلك استغلال المضمون الترفيهى كعنصر جذب رئيسى ومحاولة إيجاد حالة من الاعتياد على متابعة هذه القنوات مع مايؤدى إليه الاعتياد بصفة عامة من إيجاد اتجاهات محابية ودرجة من القابلية للوسيلة، وتأتى خطورة الاعتماد على المضمون الترفيهى أنه يعد أساساً لإشباع رغبات وليس احتياجات، فضلاً عن محاولة إعارة وجه عربى للقنوات من خلال مشاركة الجمهور العربى فيها بشكل أو بآخر، واستخدام اللهجة المهادنة التى ستظهر فى اختفاء برامج الدعاية المباشرة والهجوم على العرب واستبدالها ببرامج تختلط فيها الدعاية لإسرائيل بملامح عربية.

إن أولى خطوات مواجهة الطوفان الإعلامى الإسرائيلى تتمثل فى التركيز على إيجاد بيئة اتصالية ملائمة لمقاومة محاولات جذب المشاهد العربى من خلال إعادة ثقة المشاهد العربى بوسائل إعلامه الوطنية وإعادة النظر فى فلسفة الأخبار،بل إعادة النظر فى أشكال تقديم المادة الإخبارية فى القنوات الفضائية العربية،ومن هنا لابد من ضرورة توافر سياسة للإعلام وإستراتيجية واضحة له، وهدف محدد يسعى لتحقيقه، مع وجود هوية قومية بالقنوات العربية تؤثر فى الرأى العام تأثيراً إيجابياً وليس سلبيا.

وستبقى فى النهاية الثقافة العربية هى حجر الزاوية والمصفاة التى يمكن أن تتحطم عليها كل المشاريع الإسرائيلية فى الإعلام، فالثقافة العربية بجذورها العميقة تعتبر هى سلاح المقاومة الأول، فهى ليست ثقافة سطحية، وسيكون صعباً على إسرائيل اختراقها اختراقاً كاملا.

هشام عبد الملك- الاهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.