بن سلمان وسياسة الخوض في الوحل

لم نعرف في تاريخ المملكة العربية السعودية ملكا أو ولي عهد تعرض لهذا الكم من السخط والإنتقادات ، كما يحدث الآن مع ولي العهد محمد بن سلمان، وهذا مبرر برأي الكثيرين، إذ أن بن سلمان اتبع سياسة “لا سياسة”، وراكم أخطاء كبيرة محيرة في طريقتها، وبمكابرة لا تخلو من الصلف.

 ابتداءا بإخفاء أبناء عمومته وإقصائهم “محمد بن نايف” و”عبد العزيز بين فهد “وآخرين، مرورا باحتجاز الامراء في فندق “الريتز كارتون” وإجبارهم على التنازل عن أموالهم و احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية واهانته و حرب اليمن والتحالف مع إسرائيل و دفع الجزية بسخاء للرئيس ترامب ، وتفنن الأخير بإهانة المملكة والملك و القائمة تطول إلى أن تصل إلى جريمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي بطريقة غريبة.

لماذا يمضي ولي العهد في السير داخل الوحل، وهل هو مدرك بأنه يخاطر بالكيان السياسي والعائلي لأسرة ال سعود؟

في تحليل بسيط لشخصية بن سلمان وما يفكر به، يمكن أن نخلص إلى أننا أمام قائد يملك تصورات غير تقليدية لبلاده والمنطقة، وهو تفكير نادر في الثقافة السياسية العربية ، بل على مستو القادة في العالم والتاريخ، التصورات غير التقليدية لدى صناع القرار قد تودي إلى طريقين لا ثالث لهما.

 أما الانتحار السياسي و الزوال بصورة كارثية أو أحداث انقلاب عميق وتاريخي يضع صاحبه في  مصاف القادة التاريخيين والمؤسسين، في عالمنا العربي امتلك الرئيس “جمال عبد الناصر” هذا النوع من التصورات التي أدت إلى تغيير وجه مصر والواقع في العالم العربي، وجعلت ناصر مدرسة لها مد جماهيري وثقافي ونخبوي سياسي، رغم الهزيمة العسكرية التي مني بها في حرب 67.

 بعده مباشرة امتلك “أنور السادات”  تصورات جذرية معاكسة لناصر نقلت مصر من موقع لآخر، لكنه دفع ثمنا باهظا هو حياته ، وثقافة شعبية عربية عميقه تصفه بالخيانة.

كذلك كان لمؤسس تركيا الحديثة “مصطفى كمال اتاتورك”  تصورات ثورية وجذرية غير تقليدية، كان اخطرها  نزع الصبغة الدينية عن خلافة اسلامية دامت قرون  أدت إلى تحولات تاريخية وأسست لتركيا الراهنة.

نعتقد أن” بن سلمان”  نظر إلى نفسه بصفته واحدا من هؤلاء القادة ، وأراد أن يقود تحولات جذرية في بنية النظام السياسي والاجتماعي والديني في السعودية ، وأن يلعب دورا محوريا نشطا وفعالا في الإقليم ، هو بلا شك لديه عوامل أو حقائق القوة لفعل ذلك وسنأتي عليها لاحقا ، لكنه لا يحسن إستخدامها وتوظيفها.

ثمة أسباب تدفعنا إلى التشخيص بأن “بن سلمان” يتجه بقوة نحو الطريق الكارثي، ما توضحه الأحداث السابقة الذكر ،يشي بأن ولي العهد السعودي غير محظوظ بمجموعة من المستشارين من حوله ، لديهم آراء تتراوح بين الصبيانية و الانفعالية، والجهل بحقائق وتقديرات الأمور، وهذا يتسق مع حالة من الاستعجال عند “محمد بن سلمان” وقلة خبرة في شؤون الحكم ، فقيادة التحولات الكبرى على الصعد الداخلية والخارجية يحتاج إلى بناء مدروس ومتدرج يأخذ بالاعتبار المراحل و مدى موأمتها مع الوقائع والمتغيرات، فعلى سبيل المثال تحتاج خطة الاستثمار إلى صورة مستقرة للمملكة، ووقف الحروب والتهديد بها  و تعديلات في القوانيين تنسجم مع طموحات إطلاق المشروعات الإستثمارية، ما حدث هو عكس ذلك تماما.

صورة المملكة العربية السعودية تعرضت لأكبر عملية تشويه، في كافة أنحاء العالم، لسببين الأول قتل وتقطيع جمال خاشقجي والثاني فظائع حرب اليمن.

 في العالم العربي يضاف إلى تلك الأسباب اندفاع الأمير نحو علاقة تحالف مع إسرائيل هذه هي المخاطرة الكبرى برأينا التي سوف  تجعل بن سلمان يغرق في الوحل، فما زال الضمير العربي رغم كل ما جرى في السنوات الماضية يعتبر أن إسرائيل هي العدو الأول للعرب والمسلمين.

إن اعتماد بن سلمان  ومن حوله على مجموعة من الشخصيات العربية  تزين لهم كل اعمالهم وتبرر لهم سياساتهم ،  وتذهب أحيانا أبعد منهم في المواقف ، كأن يقول أحد المقربين والمحسوبين عليهم بالصوت والصورة “إسرائيل دولة محترمة ولم تعد عدوة للعرب” بينما يضيف آخر “انا لست ضد التطبيع بالمبدا” ويقول ثالث “لا أحد يفاجأ بأن إسرائيل باتت حليف”، هؤلاء يقولون هذا الكلام مقابل المال أولا، وهم شخصيات منبوذه اساؤوا بلسانهم وسفاهتهم وتهريجهم للمملكة و مكانتها،   وثانيا لن يغيروا في توجهات ومفاهيم الشارع العربي كما هو مأمول، إنما هم يسقطون و تفشل  معهم السياسات التي تقف خلفهم .

ما من شك أن السعودية تملك حقائق القوة التي تجعل ليس من السهل انهيارها ، لديها الاقتصاد و الإعلام و التحالف مع القوة العظمى، والمقدسات الإسلامية، والتأثير في عدد من الدول، وهذا مسلم به، إلا أن عوامل القوة هذه تستخدم بشكل سيء، وبهذه الصورة لا يمكن أن تكون فاعلة في قيادة تحولات يحلم بها ولي العهد السعودي، عوامل القوة هذه سلاح ذو حدين، وسوء إستخدامها بهذا الشكل كما نراه اليوم ستدفع بنتائج معاكسة.

العودة عن السياسات الكارثية السابقة، أقل كلفة بكثير من الاستمرار بها، لأنها ونقولها بكل ثقة ويقين سوف تذهب بولي العهد ومستقبل المملكة إلى المجهول.

عليكم بمراجعة كل المنظومة الحالية قبل فوات الأوان.

كمال خلف-

كاتب واعلامي فلسطيني والمقال لرأي اليوم

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.