كتاب عربموضوعات رئيسية

هل عزل بن سلمان ينهى أزمة السعودية والأمة؟ وجهة نظر مختلفة

تشغلنى منذ سنوات أزمة الأمة وكيفية الخروج منها؟، وأنظر بألم شديد إلى القضايا والأزمات التى تثقل كاهل الأمة حتى جعلتها لا تقدر على الحركة الصائبة للخروج من تلك القضايا والأزمات، بل أجبرتها على الحركة إما فى نفس المكان أو للرجوع إلى الخلف أى التدهور.

أستطيع أن أقول أن منهج التفكير فى الأمة ، إن كان موجودا، فإنه يحتاج إلى مراجعة وتصويب يخرج الأمة من الضبابية إلى الشفافية، ومن الصراع عموما إلى الحوار المثمر الجاد، فتبرز التحديات ويتضح العلاج حسب الأولويات. يقول الشاعر:

إنَّ اللبيبَ إذا بَدَا من جِسْمِه  ***   مرضَانِ مختلفانِ داوى الأخْطرا

تمر الأمة بأزمات متلاحقة ، إذ أن المسؤولين مشغولون بتثبيت أركان سلطانهم، وغالبا بالبطش والقهر داخليا، وبالاستجداء والتخاذل خارجيا، وهذا هو النهج لأهل الهيمنة وأصحاب التسلط والجبروت فى الوقت الحالى وفى السابق وفى المستقبل. وأصحاب المعارضة فى الوطن العربى خصوصا يقعون فى الصراع ولا يستطيعون الخروج منه. أذكر أزمتين جديدتين أو تحديين، أخصهما بالذكر هنا للايضاح:

الأزمة الأولى: تتعلق بفهم الشريعة وطبعا تطبيقها. والذى أثار هذه الأزمة قانون المساواة بين الجنسين فى الميراث فى تونس العزيزة مؤخرا، حيث هناك من العلماء ، فضلا عن أهل السلطان وأهل الاستفادة، من أيد هذه الخطوة من جانب تونس، وهناك من إعترض عليها قدر الحرية المتاحة له، وقدر الرغبة فى البقاء فى الصورة، وهذا يحتاج إلى مقال خاص للتوضيح. وفى نفس الاطار رأى بعضهم أن هناك مواجهة تحتيه أو مستترة تظهر إلى العلن أحيانا كما وقع عند حديث الرئيس السيسى وشيخ الأزهر أثناء الاحتفال بالمولد النبوى الشريف فى مصر الحبيبة، أو أحاديث غير المتخصصين عن الشريعة، ومحاولات إنكار السنة والاكتفاء بالقرآن الكريم فقط أو بروز القرآنيين. وهذا يحتاج كذلك إلى مقال خاص للتفصيل.

أما الأزمة الثانية : التى قامت ولم تقعد حتى اليوم. فقد كشف عنها مقتل الاعلامى السعودى خاشقجى رحمه الله تعالى . لا أتكلم هنا عن البشاعة والخسة والنذالة فى القتل، بل عن تداعيات تلك الجريمة البشعة. الدنيا كلها أبدت إهتماما بهذه الواقعة رغم أن عالمنا العربى خصوصا، يشهد عشرات القتلى الأبرياء يوميا، ومن الأطفال والنساء فى اليمن وسوريا والعراق والصومال وليبيا، ويشهد جرائم يندى لها الجبين فى فلسطين المحتلة من الصهاينة وبمعاونة الغرب عموما والأمريكان خصوصا أو على الأقل السكوت عن تلك الجرائم البشعة.

الذى يلفت النظر هنا إتجاه الأنظار إلى أمريكا للخروج من أزمة مقتل خاشقجى، ويراه بعضنا فى ضرورة تدخل أمريكا لإقصاء إبن سلمان عن الحكم بإعتبار مسؤوليته، وبعضنا يدعو أن يقف ترامب إلى جانب قرارات الكونجرس بشأن العقوبات أو حتى رؤية السى آى إيه. وأرى أن البحث عن الخلاص والحق والعدل عند أمريكا أزمة أكبر فى الأمة.

أتابع الاعلام العربى والعالمى لمعرفة الوقائع، ثم أستخلص ما أستخلص لنفسى بموضوعية وحيادية، لأن التحليل يختلف من فرد لآخر ومن إعلام لآخر ومن خلفية إلى أخرى. خذ على سبيل المثال الأخبار بشأن مقتل الاعلامى السعودى خاشقجى رحمه الله تعالى. الأنظار العربية تتجة إلى أمريكا، الموالاة والمعارضة على السواء. الموالاة لابن سلمان ترجو إبعاد التهم عنه مهما كلف الأمر من مال وكذب وخداع وخضوع ، والمعارضة تتمنى أن يغير ترامب موقفة حسب القيم الأمريكية كما يزعم معظم أو جميع أعضاء الكونجرس والبرلمان من الجمهوريين والديموقراطيين الذين يرون ويريدون معاقبة إبن سلمان بإعتبار أنه المسؤول الذى أصدر أوامر القتل أو أن هذا القتل البشع لا يمكن أن يتم دون معرفة الرجل على الأقل. أنا مع التخلص من كل الملكيات الفاسدة والجمهوريات التى إنقلبت إلى ملكيات ولاتزال تحتفظ بالاسم فقط.

أقول: هب أن الأمريكان إتفقوا ، وأصدر الكونجرس عقوبات على السعودية، وترك ابن سلمان الحكم، بل وتركت الأسرة السعودية كلها الحكم، هل تتقدم السعودية أو تصبح الأمة ديموقراطية، وتسود الحريات ، وتنتهى أزمات الأمة ، وتخرج من التخلف والجهل والمرض والفساد والعنف والارهاب؟ .

ترك القذافى الدنيا كلها مقتولا وتشتت أسرته أو الباقى منها بعد السيطرة والبطش والهيمنة، وشنق صدام حسين فى العراق، فهل خرجت ليبيا أو العراق من الأزمات؟

وهل تقدمت ليبيا أو العراق بعد ذهاب الطغاة أو الاستبداد القذافى أو الصدامى؟. أظن أن الأوضاع ساءت فى العراق وساءت أكثر فى ليبيا. وقل ما شئت عن الأوضاع فى سوريا والصومال واليمن. وقد إنفصلت جنوب السودان فى عهد الاسلاميين، فهل خرجت السودان أو جنوب السودان من الأزمات؟ وقد جاء البشير بإسم ثورة الانقاذ ولايزال يستمتع بالبقاء فى الحكم منذ ثلاثين سنة بعد أن قام بتغيير الدستور . نفس الطريقة والمنهج الذى يفكر به النظام  فى مصر والموالاة، وبقية الدول فى العالم العربى إلا قليلا وبدرجات متفاوتة. كلنا نفرح عندما يذهب ديكتاتور مستبد عن الحكم وننسى أن هناك من هو أكثر استبدادا ينتظر أو من يعده الأعداء لنا. ولكن التقدم والخروج من الأزمات يحتاج أكثر من ذلك.

ترك مبارك فى مصر أو إضطر لأن يترك الحكم فى مصر بعدما حكمها ثلاثين سنة ، وحكمها المجلس العسكرى ثم الاخوان ثم السيسى سواء جاء بعد ثورة أو بإنقلاب كما يرى الاسلاميون وآخرون، فهل تقدمت مصر وخرجت من الأزمات المحيطة بها؟ أكثر من ذلك كما قلت منذ عدة أسابيع فى القناة التليفزيونية التاسعة  بعد تردد حتى لا يساء الفهم، هل لو أهلك الله تعالى الصهاينة وإسرائيل ومن يساعدهم ويعترف بهم،  ونحن ندعو بذلك ليل نهار، وهناك مقاومون منصورون بإذن الله تعالى على الصهيونية واسرائيل والهيمنة ولكن ، هل تتقدم الأمة وتخرج من أزماتها إن أهلك الله تعالى الصهاينة ومن رواءهم؟ ستنهى قضية بل القضية المركزية التى شغلتنا سنوات عديدة ولكن هذا لا يكفى فى ظنى للخروج من الأزمات والتحديات فى الأمة تلك التى إزدادت بل وتزداد بسبب منهج التفكير الخاطئ؟

وسؤال آخر لعله يوضح المقصود من هذا المقال. هناك من يتمنى ألا يكون فى الأمة شيعة، وهناك من يود ألا يكون فيها سنة، ولكن السؤال هل لو اختفت الشيعة أو السنة أو المذاهب كلها تتقدم الأمة؟.

علينا أن نتخلص من السلبيات الداخلية والتحديات الخارجية واحدة وراء الأخرى وأن نبدأ بالبناء حتى يتم كما فعلت دول أخرى.

وهذا يحتاج إلى تفصيل، كيف نخرج من التحديات سواء القضايا والأزمات، وقد بينت ملخصاً لذلك فى مبادرة السلم المجتمعى فى أبريل الماضى، ورفضها من لم يفهمها أو من يحب أن نظل فى صراع. ويحتاج البناء إلى الخروج من الهيمنة أولا فى داخل أنفسنا ثم البناء كما بنت دول أخرى نفسها فى عقد أو عقدين أو أكثر ولكننا نراوح مكاننا اليوم كما الأمس.

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامه  ***             إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدم

وللحديث صلة. وبالله التوفيق

د. كمال الهلباوى والمقال لرأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم