كتاب عربموضوعات رئيسية

كيف سيَرُد الرئيس أردوغان على تَهديداتِ ترامب بتَدميرِ بِلادِه اقتِصاديًّا

كيف سيَرُد الرئيس أردوغان على تَهديداتِ ترامب بتَدميرِ بِلادِه اقتِصاديًّا انْتِصارًا لحُلفائِها الأكراد؟ هَل سيَذهب إلى موسكو وطِهران طَلَبًا للدَّعم؟ ولِماذا اختارَت الإدارة الأمريكيّة الحَرب الاقتصاديّة وليسَ المُواجَهة العَسكريّة؟ وهَل الأسد هو الرابح الأكبَر مِن هذه الأزَمَة؟

التَّهديدات العلنيّة والاستفزازيّة التي أطلَقها مساء الأحد الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب بتَدمير الاقتصاد التركيّ إذا هاجَمَ الجَيش التركيّ القُوّات الكُرديّة في شِمال سورية، بعد انْسِحاب القُوّات الأمريكيّة، قَد تَعنِي بِدايَة انْهِيار الشَّراكة الاستراتيجيّة الأمريكيّة التركيّة، وانسِحاب أنقرة مِن حِلف الناتو، وانْتِقال تركيا إلى الخَندق الإيرانيّ الروسيّ كُلِّيًّا إذا لم يَتِم تَطويقُ هذه الأزَمَة بشَكْلٍ وآخَر مثْل أزَمَات سابِقَة مُماثِلة.

إنّها الأزَمَة الأخطَر مِن نَوعِها في الأعوام السَّبعة الماضية، ليسَ لأنّها تُؤكِّد أنّ الولايات المتحدة هِي التي وقَفَت خَلف الحَرب الاقتصاديّة ضِد اللَّيرة التركيّة في آب (أغسطس) الماضِي على أرضيّة رَفْض إطلاق سَراح القِس الأمريكيّ أندرو برونسون وانتَهت بالإفْراج عنه، وإنّما أيضًا لأنّ إدارة الرئيس ترامب قرَّرت الوُقوف في الخَندق الكُرديّ، وفضّلته مُجَدَّدًا على الخنْدقِ التركيّ، الأمر الذي دفع د. إبراهيم كولين، مُستشار الرئيس أردوغان والمُتَحدِّث باسمه إلى إبْداء صَدمتِه واستغرابِه مِن هذا المَوقِف الأمريكيّ المُفاجِئ، وقوله “مُعاتِبًا” بالحَرف الواحد “نتوقّع مِن أمريكا احترام شراكتنا الاستراتيجيّة.. الإرهابيّون لا يجب أن يكونوا شركاءكم وحُلفاءكم.. ليسَ هُناك أيّ فرق بين “الدولة الإسلاميّة” (داعش) ووحَدات حِمايَة الشعب الكرديّة”.

***

الليرة التركيّة انخَفَضت حواليّ 1.5 بالمِئة بمُجَرَّد نشر تغريدة ترامب التَّهديديّة، ومِن غير المُستَبعد أن يَصِل سعرها إلى سَبع ليرات مُقابِل الدولار، مثلَما حدث أثناء الحرب الاقتصاديّة الأمريكيّة على تركيا في آب (أغسطس) الماضي (سعر الليرة الآن 5.52 مُقابِل الدولار.

مِن الواضح أنّه في ظِل استِمرار التَّحشيدات العَسكريّة التركيّة في مِنطَقة هاتاي (لواء الإسكندرون) استِعدادًا لشَن هُجوم على قُوّات سورية الديمقراطيّة في شمال شرق سورية، قرَّر الرئيس ترامب الانْتِقام للإهانَة التي تَعرَّض لها جون بولتون، مُستشاره لشُؤون الأمن القَوميّ على يَد الرئيس أردوغان الذي رَفَض استِقباله أثناء زيارته لأنقَرة الأُسبوع الماضِي، وانتَقد بشِدَّةٍ تصريحاته (بولتون) التي طالَب فيها تركيا بتَوفيرِ ضَمانات لحماية الأكراد بعد الانسِحاب الأمريكيّ مِن الشِّمال السوريّ.

الأزمة التركيّة الأمريكيّة في فَصْلِها التَّصعيديّ الجَديد ما زالَت في بَواكيرِها، ومِن الصَّعب التَّكَهُّن بما يُمْكِن أن يَطْرأ عليها مِن تَطوُّرات، ولكِن ما يُمكِن قوله حتّى الآن، أنّ إدارة ترامب ستتجنَّب أي مُواجهات عسكريّة، والاكتِفاء فقط بالحَرب الاقتصاديّة ضِد تركيا في المَرحلةِ الأُولى على الأقَل، لقَناعَتِها بأنّها ستَخرُج خاسِرَةً مادِيًّا وبشَريًّا في أيِّ صِدامٍ عَسكريٍّ.

السُّؤال الذي يطرَح نفسه هو عن كيفيّة وحجم الرَّد التركيّ على هذا الاستِفزاز الأمريكيّ العَلنيّ وغير المَسبوق، والخُطوات التي يُمكِن أن يُقدِم عليها الرئيس أردوغان لتَجَنُّب هذه الحَرب الاقتصاديّة وانعِكاساتها السلبيّة على اقتِصاد بلاده التي كانَت قُوّته هِي أبرز الإنجازات التي أبْقَته وحِزبه في الحُكم طِوال الـ17 عامًا الماضِيَة؟

في أزَمَة آب (أغسطس) الماضي التي كان مِن أبرز نتائجها انهيار قيمة الليرة التركيّة ووصول المصارف التركيّة إلى حافّة الإفلاس، اضطرّ الرئيس أردوغان إلى الوصول إلى حَلٍّ لها بالإفْراج عَن القِس برونسون، وبعد الإعلان عن هذا الإفراج بدِقائَق بَدَأ التَّحَسُّن في سِعر الليرة التركيّة، فمَا هِي الورقة التي سيَلْعَبها أردوغان هذه المَرّة؟

القيادَة التركيّة أكَّدت على لِسان فخر الدين التون، مدير الاتصال في مكتب الرئاسة “أنها ستواصل مُكافحة الإرهاب بتصميم، وأن تهديدات ترامب لن تُرهِبها” ووجد هذا المَوقِف دعْمًا مِن الحِزب الجُمهوريّ المُعارِض الذي عبّر مُتحَدِّث باسمه عَن رفض التَّهديدات الأمريكيّة التي قال “إنّها لا تنْفَع مَعَنا”.

***

الرئيس أردوغان لم يَقُل كلمته حتّى كِتابَة هذه السُّطور، وترَك المُهِمَّة لمُستَشاريه، ولا بُد أنّه يَدرُس هذه الأزَمَة مِن كل جوانِبِها، ويُجرِي اتّصالاته مع حُلفائِه الروس مِن جِهَةٍ والقَطريين مِن جِهَةٍ ثانية، قبل بَلْوَرَة الرَّد الحاسِم على هذه التَّهديدات الأمريكيّة ذات الطَّابَع الاستفزازيّ الوَقِح، للتَّنسيق في الجَبهةِ السوريّة الداخليّة، والقَطريّون لضَخْ أموال واستِثمارات في إجراءٍ وِقائيٍّ لتَقليصِ آثار هذه الحَرب التِّجاريّة.

هل سيَرُد الرئيس أردوغان بقَصفِ قُوّات سورية الديمقراطيّة شَرق الفرات، ويُنَفِّذ تهديداته، أمْ يَطير إلى موسكو ورُبّما طِهران بَحْثًا عِن صَفقةٍ أو مِظلَّةِ دعم وحِمايَة في الوَقتِ نَفْسِه؟

وكيف سيَكون مَوقِف موسكو؟ وإذا جرى التَّوصُّل إلى صفقة مُقايَضة” مع روسيا هَل سيَكون أبْرز عَناوينها التَّخَلِّي عَن إدلب للجيش العربيّ السوريّ لاستِعادَتها مِن جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) التي باتَت تُسيطِر على 80 بالمِئة مِن أراضيها مُقابِل الدَّعم الروسيّ الإيرانيّ لأردوغان؟

لا نَمْلُك إجابةً على هذا السُّؤال المَشروع لأنّ الأزَمَة في بِدايَتْها مِثْلَما قُلنَا في بِدايَة هذا المَقال، ولكن ما نَعرِفُه أن القِيادَة السوريّة في دِمَشق تَفْرُك يَديها فَرَحًا وهِي تُراقِب الصِّدام بين خُصومِها الأبْرَز، أيّ تركيا وأمريكا.

هل نُبالِغ إذا قُلنا أنّ تركيا باتَت أقْرَب إلى المُثَلَّث الروسيّ الإيرانيّ السوريّ مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى مُنذُ بِدايَة الأزَمَة السوريّة؟

نَتْرُك الإجابَة لتَطَوُّرات الأيّام، ورُبّما السَّاعات المُقْبِلَة.. واللهُ أعْلَم.

عبد الباري عطوان والمقال لرأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم