كتاب عرب

هل يعيد التاريخ نفسه ويصبح العراق ساحة معركة بين أطراف خارجية ليس للعراقيين اية مصلحة فيها؟

لفترات طويلة أمتدت من القرن الخامس عشر وحتى بداية العشرين، عندما احتلت بريطانيا بغداد (1917)، كان العراق ساحة صراع وتنافس بين الدولتين العثمانية والصفوية. صراع جيو-ستراتيجي، اقتصادي ، عسكري ويتعلق بنفوذ الدولتين في الاقليم بصورة عامة، ولكنه أُلبِس ثوبا طائفيا كي يثير العراقيين، ويدفعهم لان يكونوا أطرافا في هذا الصراع. في هذه الأيام يعيد التاريخ نفسه، حيث ان العراق اصبح مهددا بشكل جدي في ان يصبح ساحة حرب بين الولايات المتحدة وايران، وسيدفع العراق ثمنا غاليا من دماء آبناءه وبنيته التحتية وموارد كوقود لهذه الحرب. وهذا الكلام لا يطلق جزافا او انه محض تخيلات. بل هناك من الشواهد والاحداث ما يدعمه.

اول هذه الشواهد هو انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات من جديد على ايران. والاهم تحذير العراق من اي محاولة لكسر العقوبات مع ايران لتخفيف الضغط الاقتصادي عليها. وبتحريض ودفع من ايران انبرت الأحزاب والشخصيات والمليشيات الموالية لها في العراق، للإعلان عن تحديها ورفضها، لا بل وصل الامر ببعض هذه الأطراف للإعلان بأنها ستحارب الى جانب ايران وستهاجم القوات والمصالح الامريكية، بل وستعمل على إصدار تشريع برلماني. يطالب القوات الامريكية بالرحيل.

الدليل الثاني تمثل في الجسر الجوي شبه السري الذي إقامته الادارة الامريكية والذي نقلت، ولا تزال تنقل، فيه المعدات الى منطقة كردستان العراق، وخاصة أربيل، والقواعد العسكرية الامريكية فيها، لكي تُستَخدَم في اية عملية عسكرية تستهدف ايران، أو ربما اي دعم تفكر الادارة الامريكية في تقديمه الى الحركات المعارضة فيها.

الشاهد الثالث والاهم هو نقل القوات الامريكية المنسحبة من سوريا الى القواعد العسكرية الامريكية في منطقة كردستان العراق، مضيفة العنصر البشري للمعدات التي دابت على نقلها الى هناك منذ مدة ليست بالقصيرة.

اما الدليل الرابع فيتمثل في عدة جوانب: اولا زيارة الرئيس ترامب المفاجئة والسرية للقاعدة العسكرية في العراق التي اطلق منها تهديدات مباشرة لإيران، كما تحدث عن جهود ادارته على إنهاء نفوذ ايران في العراق وسوريا. وفِي الوقت الذي تشير فيه دلائل كثيرة على محدودية قدرة الولايات المتحدة على فعل ذلك في سوريا، فان قدرتها في العراق اكبر وأكثر. ثانيا زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة بومبيو، المفاجئة ايضا لبغداد، وحديثة بنفس النبرة عن ايران مع المسؤولين العراقيين الذين التقى بهم، وخاصة ما قيل عن تقديمه قائمة لرئيس الوزراء العراقي بأسماء 67 فصيلا مسلحا تابعا للحشد الشعبي وموالية لايران طالبا حلها. ثم تحذيره العلني للبرلمان العراقي من إصدار اي قرار ضد وجود القوات الامريكية في العراق او يطالب برحيلها. ثالثا زيارة وزير خارجية ايران للعراق و إطلاقه كلمات التحدي للولايات المتحدة من هناك، كما ان طول مدة الزيارة واللقاءات الكثيرة التي اجراها هناك، وخاصة مع الأطراف الموالية لإيران في الحكومة العراقية وعلى مستوى التنظيمات المسلحة والأحزاب. و الكلام الخطير الذي قاله و لخصه بالجملة التي اهانت المشاعر الوطنية للعراقيين، والتي خاطب فيها الادارة الامريكية قائلا: (أنتم سترحلون ونحن باقون لأن  الارض لنا). و زيارة الوزيرين تظهر بوضوح ان العراق اصبح مركز الصراع والتنافس بين دولتيهما.

الحدث او الدليل الاخر هو الخبر الذي نشرته صحيفة الجوروزاليم بوست الصهيونية قبل ايام والذي قالت فيه ( بان بومبيو اخبر عادل عبد المهدي، رئيس وزراء العراق، بان الولايات المتحدة سوف لن تتدخل في حالة قررت اسرائيل مهاجمة المليشيات التابعة لإيران في العراق)، والذي قال عنها ان ايران زودتها، وتزودها بصواريخ و أسلحة متقدمة. طبعا من قرأ او سمع خطاب بومبيو في الجامعة الامريكية في القاهرة لا يمكن ان ينسى العبارات التي تعهد فيها بإبقاء اسرائيل الطرف الاقوى في المنطقة، وان الولايات المتحدة ملتزمة بالكامل بالحفاظ على أمن اسرائيل.

اما اخر الشواهد والدلائل هو ما نقله لي مصدر اثق به، قال انه منقول عن شهود عيان، ان قوات أمريكية برية قد وصلت الى قاعدة في منطقة الطارمية شمال بغداد. طبعا انا لا أستطيع ان اؤكد او انفي هذا الخبر. ولكن اذا ما صح هذا الخبر فانه يحمل دلالات خطيرة، ربما تظهر نتائجها في الأيام القادمة.

الاسئلة التي يجب ان تطرح الان هي ماذا يدور في ذهن صانعي القرار في واشنطن؟ و ماذا تنوي الولايات المتحدة ان تفعله، او بصورة ادق ماذا يمكن ان تفعله؟ وماذا سيكون الرد الايراني؟

الكل يعلم ان التنافس الامريكي – الايراني كان واضحا في العراق اثناء الانتخابات الاخيرة التي شابها تزوير كبير، وبالنتيجة، وهذا هو المضحك، انها أنتجت تركيبة حكومية نالت رضا الطرفين. و كل منهما يعتقد ان الرئاسات الثلاثة موالية له. وبالتكيد إنهما سمعا من هذه الرئاسات ما طمأنهما. وهذا هو ديدن غالبية الفئات الحاكمة في العراق منذ الاحتلال، تطيع الطرفين وتنتظر حتى ترى من هو الطرف الاقوى كي تصطف معه. ولكن يظل نفوذ ايران أقوى بسبب ما تمتلكه من قوة على الارض، وهذا يفسر قول وزير خارجية ايران من ناحية و يفسر زيادة عدة القوات الامريكية في العراق في الآونة الاخيرة و تحسبًا لأي مواجهة عسكرية مع المليشيات الموالية لايران، التي ربما أصبحت شبه حتمية اذا ما اخذنا طلب وزير الخارجية الامريكي وتصريحاته على محمل الجد، وتذكرنا رغبة اسرائيل في ذلك. ( طبعا بالمناسبة محللين وقادة اسرائيلين أبدوا موخرا تخوفهم من زيادة القدرات العسكرية العراقية، وهم بالتأكيد لا يقصدون الجيش العراقي وإنما الحشد الشعبي الذي توالي الغالبية العظمى من فصائله ايران).

ثم هل ستقدم الولايات المتحدة على عمل عسكري جديد تعيد فيه احتلال العراق، علما بان هناك من الساسة العراقيين، عربا واكرادا، من يشجعها على ذلك؟ ام ان ايران ستوعز للحشد في ان يبادر الى مضايقة الوجود الامريكي كي تجبره على الانسحاب قبل ان يتمكن من تثبيت نفسه بقوة في العراق؟ واخيرا هل ستلجأ الولايات المتحدة الى تشجيع فكرة الانقلاب العسكري الذي فكرت فيه اكثر من مرة واعدت له بلقاءات كثيرة مع قيادات سابقة وحالية في الجيش العراقي؟ كل هذه أسئلة سيتم الإجابة عليها في قادم الأيام و في فترة ليست ببعيدة.

ومهما تصور المرء من سيناريوهات ، وهي كثيرة، فان الدلائل تشير بأنها ستكون كارثية على العراق و شعبه المسكين الذي ابتلي بالاحتلال ومن ثم بالحكومات والأحزاب الطائفية والفاسدة، والتي لا راي او موقف واضح لها في كل ما يجري، وبنفوذ واطماع دول الجوار التي وصلت الى الحد الذي اصبح لها فيه قواعد وتواجد عسكري كبير و مؤثر وعملاء حاكمين، وستكون مدن العراق ساحة للمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وايران، مواجهة كارثية للعراقيين الذين ليس للغالبية العظمى منهم فيها لا ناقة ولا جمل. واخيرا وليس آخراً، وهذا امر مؤلم اخر، فان أطرافا عربية تريد وتشجع لهذه المواجهة ان تحدث في العراق لكي تبعد الخطر عن أراضيها ولتمعن في تدمير العراق و إضعافه، وهي تتغافل عن حقيقة ان هذه الكارثة اذا ما حلَّت فانها ستشملهم بتبعاتها. وهكذا فان جميع الأطراف تريد ان تستخدم العراق ساحة حرب لها وبدماء العراقيين. اما حكومة العراق وسياسي الاحتلال وممثلي دول الجوار فلا هم لهم سوى نهب ثروات العراق والاستعداد للذهاب الى الدول التي يحملون جنسياتها اذا ما حدث ما يهدد حياتهم او السحت الحرام الذي حصلوا عليه منذ بداية الاحتلال المشئوم ولحد اليوم. نسال الله ان يحفظ العراق وشعبه.

د. سعد ناجي جواد-

اكاديمي وكاتب عراقي المقال للحياة

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم