كتاب عربموضوعات رئيسية

هل يمكن التفكير ببديل عن الديمقراطية؟

من العنوان سوف يتبادر إلى ذهن القارىء مباشرة أن التفكير ببديل عن الديمقراطية هو لصالح الدكتاتورية، لا هذا ليس صحيحيا. وبالمناسبة الكل يتبرأ من الدكتاتورية ويدعي انه مع الديمقراطية حتى لو لم يكن كذلك .. ولكي تبدو حداثيا ومنفتحا و مثقفا يجب عليك ان نكون مناصرا للديمقراطية حتى لو لم تكن فاهما لمعانها او فلسفتها في ادارة الحكم والمجتمع ..وبالمناسبة حتى عتاة الدكتاتوريين في عالمنا العربي تحدثوا بالديمقراطية ووضعوها في الدساتير وزينوا بها الخطابات .

 الديمقراطية مخلص الشعوب، الحلم المنشود، أداة التطور والتقدم، هي طريق القوة والمنعة والمكانة بين الشعوب وأمم الأرض … هل يمكن أن نفكر أن كان هذا صحيحا ؟؟

 بالطبع النظام الملكي أو الإمبراطوري، أو السلطاني .. الخ .. اي حكم الفرد المطلق قبل بزوغ أفكار الديمقراطية . كان هذا الشكل من الحكم سائدا منذ بدأت البشرية حياتها على هذا الكوكب . ولنقل أن تقدم العرب وازدهارهم و امتداد دولتهم وتطورهم العلمي والحضاري كان في ظل نظام كهذا يسمى خلافة . العرب هنا ليسوا استثناء . وهنا لا أدافع عن نظام الخلافة أو الملكية، إنما أريد القول أننا يجب أن ننساق بغريزة القطيع لإطلاق حكم على نظام الخلافة بأنه كان سببا في تخلفنا . وحتى الخلافة العثمانية أو الاحتلال العثماني للمنطقة العربية لم يكن خلال 400 سنة على حال واحد .. وبالمقارنة بين واقع الإنسان العربي، عندما كان ينتقل من دمشق إلى الحجاز دون تاشيرة أو جواز سفر، أو حدود أو حواجز، ويستيطيع أن يعيش بأي مدينة أو بلد عربي أو غير عربي ضمن حدود السلطنة، وبين واقعه اليوم فان المقارنة صادمة . فهل خدعنا ؟؟

 انهم ينشدون الديمقراطية كفكرة وأسلوب نظام حكم جاء من الغرب، يحاولون تقليده إلا أنهم يفشلون في ذلك، ولا تأتي نتائج محاولات تطبيق الديمقراطية إلا بالمزيد من الشلل في إدارة الدولة و انسداد في ممارسة الحكم . الغريب أن نموذج الديمقراطية الذي حمله الغرب إلينا، لم يكن نسخة طبق الأصل عما هو ممارس وسائد في بلدانهم، فعلى سبيل المثال . الرئيس جورج بوش صدع رؤوسنا بالديمقراطية و ضرورة أن نقبلها كهدية سلما أو بالصواريخ و الغزو، ولهذا بشر العراقيين بزوال الدكتاتور بالعراق، لكنه جلب لهم ديمقراطية ليست كتلك التي تنعم بها الولايات المتحدة، إنما نسخة مزيفة تقوم على التقاسم الطائفي، يشل الدولة ولا يجعلها تعرف طريقا للتطور وهكذا حدث . واليوم العراقيون يترحمون على زمن الدكتاتورية .

 هل الخلل فينا أم بالديمقراطية ؟؟ وهل ما نطبقه نسخة مزيفة من الديموقراطية،كما في لبنان والعراق ومناطق اخرى ..قائمة على المحاصصة على أساس طائفي ومذهبي وعرقي جعلت من هذه البلدان نماذج حية للفشل والشلل . لدينا أكثر النماذج تطورا في تطبيق الديمقراطية وهي تونس، لكنها غرقت بالأزمات، ابتداء من أزمة نظام الحكم، مرورا بتضاعف كل الأزمات الاقتصادية التي كانت سببا في الثورة على بن علي .

ما أريد قوله هو أن الديمقراطية و نظام الحكم الليبرالي، أصبح قرآنا مقدسا يجب أن تنشده كل الشعوب في الأرض، والشعوب العربية على وجه التحديد، ولكن إذا كانت الديمقراطية نظرية وأفكار، إلا يمكن أن تكون قابلة للنقد أو الرفض أو التعديل والتطوير، أو الزوال . هل يجب على شعوب هذه المنطقة أن تنتظر الغرب ليعلن سقوط جدوى الديمقراطية في أنظمة الحكم و الانتقال إلى شكل آخر، لنفعل نحن أيضا ؟

الاشتراكية الثورية التي حملها “لينين ” عبر الثورة البلشفية في روسيا مستندة إلى أفكار كارل ماركس، لم تنجح في أمتحانها الأول عند السوفييت الأوائل، واضطر قادة الاتحاد السوفيتي إلى تعديلها بعد الآثار السلبية المدمرة التي حملتها للسكان في تطبيق أفكار النظرية حرفيا، ونزع الملكية الفردية و مصادرة وسائل الإنتاج . الأفكار الشيوعية ذاتها التي الهبت حماس البشر، وكانت ثورة في صفوف الشباب العربي، وحلم لتطبيقها في الدول العربية بالنضال والتضحية، باتت اليوم أفكار وأحزاب هامشية في المجتمعات العربية نشير اليها مرورا كأوابد تاريخية . الفكر القومي الذي شغل العالم العربي بعد مرحلة الخلافة العثمانية وحتى وقت قريب، وبات في تلك الحقبة حلم الجماهير من المحيط إلى الخليج، يقف اليوم على هامش الحياة السياسية، وبات يشار إليه باعتباره أفكار رومانسية لا يمكن أن تطبق . قومية ماذا ؟؟ ! والدولة الوطنية الواحدة باتت مهددة بالتفتيت! .

 أما الديمقراطية فهي الحاضرة بقوة و محل مناشدة وحاجة ملحة، لأن من يتبناها اليوم هي الدول الكبرى الأكثر تطورا وتاثيرا في العالم . ولكن هل يمكن أن يكون هناك أفكار للمجتمع العربي أكثر مؤامة لظروفه من فكرة الديمقراطية، وهل يمكن نزع صفة القداسة الإنسانية و التحررية عن نظام الحكم الديمقراطي، والقول أنه أسلوب حكم جاء بنتائج سلبية، هل يمكن أن نوجه له اتهاما بأنه فشل في إدارة المجتمعات العربية، وكان سببا في توليد الأزمات في بنية الحكم وممارساته أكثر مما كان ذو فائدة . هل يمكن أن نفكر قليلا خارج الصندوق . وننزع فكرة أن بديل الديمقراطية يجب أن يكون بالضرورة الدكتاتورية . وإن نفكر أن الإنسانية يمكن أن نتتج افكارا أكثر تطورا أو موأمة من النموذج الليبرالي .

 اعرف ان المنطقة العربية مصابة بالعقم، ولايمكن أن يبزغ أصحاب نظريات أو أفكار جديدة، تؤمن بها شرائح اجتماعية وتسعى الى نقلها إلى حيز الممارسة في إطار الدولة .

 زمن زكي الارسوزي أو خليل مردم بيك، وقبله جمال الأفغاني والكواكبي … الخ قد ولى . والآن نحن في زمن التيه، غير قادرين على العودة إلى الوراء أو التقدم إلى الأمام، إننا منطقة فارغة، سقط فيها مفهوم القومية الجامعة أو الدولة الوطنية المتماسكة، سقط مفهوم الهوية، ومعنى الإسلام الحقيقي، إنهارت الاحزاب التقليدية واستعصى انتاج أحزاب جديدة وأفكار جديدة . وبتنا كرة في ملعب مشاريع القوى الإقليمية والدولية . بتنا جماعات وقبائل واشباه دول تحتاج إلى فرض الوصاية عليها من جديد . هل الديمقرطية هل المنقذ الوحيد ؟

كمال خلف- كاتب واعلامي فلسطيني والمقال لرأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم