كتاب عرب

التحول الى وحش: بين حربي عدن وصعده.. حراك سلمي ام مسلح

نواصل السرد ،حيث هناك بداية  لكل  شيء، الماضي  ليس الا الجد الاول لمأساة اليوم، فاهم حدث انفجر وقتها، سيكون له تاثير كبير اليوم ، وسيغير من مصير ومستقبل اليمن، انها محاولة لتفكيك الصراع ، واعادة تجميعه ، بطرح المعطيات والاسئلة، والافكار، وتبقى الفكرة مادة خام  تتجوهر بالنقاش.

النزول من الجبل..

اذا، لقد صعد حسين الحوثي ومعه شباب صعده وعوائلهم الى الجبال لاحتماء من الحملة العسكرية، التي شنتها القوات الحكومية  على الحوثيين في صعده، بعد ان  نفد  صبر النظام،  برغم انه لم يستنفذ كل الطرق السلمية.

حرب شرسة، لم تنزل  تلاميذ الحوثي من الجبل الا بجثة  قائدهم، وهو الامر الذي سيترك اثره عليهم بعد ذلك، وستكون لحظة فارقة في تاريخ ومصير اليمن ككل، حيث سيغير هذا القرار بقتل الحوثي ، مجريات الاحداث والوقائع  بعد ذلك، وسيغير من طبيعة الصراع.

الى تلك اللحظة كان هناك مظلة كبيرة يقف تحتها الحوثيون اسمها “مظالم ابناء صعده” تعني كل ما يترجم سياسا من اقصاء وتهميش وحرمان، وهو جزء من اسلوب حكم  النظام ، الذي همش  المناطق اليمنية، فقد كانت الاطراف مناطق نائية خارج تاثير واهتمام الدولة، لذلك فمن الطبيعي ان تتحول الى مناطق متمردة خارج سيطرة الدولة

لقد شنت الحرب الظالمة على صعده في 2004 ، لكنها لم تكن الحرب الاهلية الوحيدة، فهناك حملات عسكرية كثيرة قام بها النظام المركزي في صنعاء خلال 3 عقود، مكنته من فرض سيطرته على كل الاجزاء اليمنية ، التي حاولت التمرد عليه

اشهر هذه الحروب والحملات كانت حرب صيف 1994 التي شنها نظام صنعاء على الجنوب – الحزب الاشتراكي وامكنه فيها هزيمة الاشتراكي واخراجه من اللعبة السياسية، والسيطرة العسكرية على الجنوب بمعسكراته ، واسلحته،  وتم اخراج جميع منتسبي الحزب الاشتراكي من السلك العسكري، وتهميشهم، وهو ما خلق مظلمة الجنوب التي تحولت في 2007 الى حراك سلمي

هذا ما شجع  النظام المركزي  في صنعاء لخوض حربه على صعده 2004 ، انطلق بمدراعاته العسكرية  محتميا بنتيجة هذه التجربة، اي القدرة على السيطرة على اي فصيل سياسي متمرد، وهزيمته،  خاصة ان  الحزب الاشتراكي وقتها كان اقوى من الحوثيين، فقد كان دولة بعتادها العسكري، ودعمها الدولي، عكس الجماعة الفتية الصغيرة المعزولة.

 لذلك فان  استطاع نظام صنعاء اخضاع الجنوب ودولة الاشتراكي في غضون اسابيع،  فانه قادر على محو الحوثيين في غضون ايام، ولكن هذا لم يحدث.

ان ظروف حرب الجنوب 1994 تختلف عن حرب الشمال 2004 ، عشر سنوات كانت كافية لاظهار هذا الفرق، فرق جيوسياسي ، وموضوعي، وثقافي، فسياسيا كان الاشتراكي قد اضعف خلال 3 سنوات من الوحدة خلال الازمة، اضعفت  قدرته على التاثير والسيطرة على الجنوب بمعسكراته وثغراته، اضافة  الى قدرة النظام على استقطاب الكثير من قادة الجنوب العسكريين، وكذلك السيطرة على المعسكرات، اضف اليها طبيعة المنطقة الجغرافية المفتوحة  بين حرب الصحراء والساحل، وحرب الجبل.

 سنفكك المعادلة الان ونبسطها، ولن نسطحها، سننظر للحشد والدعم الدولي الذي انقسم بين الطرفين، والذي تلاشى  بعد الخطا بالتسرع باعلان دولة الجنوب في مايو 1994، الدولة  التي لم يعترف بها احد

 تدخل المجتمع الدولي لفض الاشتباك،  واصدار قرارا دوليا، تم نفي سياسي لقادة الاشتراكي وسيطرة نظام صنعاء على عدن ، حيث كانت  الحرب بين بلدين وقوتين ومعسكرين، وليس بين دولة وجماعة متمرد ، كما سنرى في صعده .

ففي صعده كان الامر مختلفا من كل النواحي ، فقبائل الشمال وضعها يختلف سياسيا، وثقافيا  وحتى جغرافيا، فهي وان كانت لاتملك المعسكرات،  الا انها تملك السلاح، وتحتمي بالجبال التي ستمكنها من خوض 6 حروب متقطعة.

بالتاكيد لم  تكن الحرب في صعده متواصلة  خلال 5 سنوات، هذا جزء من طبيعة الحرب اليمنية، وبدون الخوض في تفاصيل هذه الحرب  الان، الا انه يمكن القول باختصار ان مظلمة الجنوب تحولت الى حراك سلمي ، بينما مظلمة الشمال تحولت الى حراك  مسلح، لماذا.

هذه احدى الفروق الجيوسياسية التي نتحدث عنها ، اي طبيعة الجغرافيا السياسية المتنوعة لابناء اليمن ما بين الجبل والساحل، طبيعة اهل الجنوب اولا اقل حدة وشراسة من ابناء الجبال عموما، هذه طبيعة بشرية تتبع الجغرافيا ، ليس لها علاقة  بالتعليم او الثقافة.

 ثانيا، لم يكن الجنوب وقتها  مسلحا  خارج التسليح النظامي، بعكس قبائل الشمال المسلحة  تسليح غير نظامي ، حيث تكون جميع القبائل بشكل ما مليشيا مسلحة خارج سيطرة الدولة. وهنا يكون التوصيف العسكري حرب عصابات ، تواجه جيشا نظاميا، وعادة تكون المعادلة العسكرية لصالح حرب العصابات، او الجماعات المسلحة.

لذلك كان الشمال في صعده مؤهلا لتحويل مظلمته  بعد الهجوم عليه في عقر داره، من حركة فكرية ناعمة  الى حركة مسلحة متوحشه، تجمع حولها القبائل، وستخرج من صعده الى دماج ومنها الى حجة وعمران، لتسيطر على صنعاء  2014 في غضون عشر سنوات فقط من مقتل المؤسس 2004

 “عمران ” عاصمة القبائل ، ومركز قيادة قبيلة حاشد، التي كانت حليف النظام الاقوى،  المدينة  التي ستكرر في الصراع في حرب عدن وصعده، حيث اندلعت حرب عدن – الجنوب  1994 من معسكر عمران  ، وكانت سيطرة الحوثيين على “عمران” 2014 انذارا بسقوط صنعاء في ايديهم، ليس هناك صدفة في التاريخ، هنا تكون عمران هي رمز سقوط الدولة.

اضف الى ذلك ان  المتوالية العديدة  1994 – 2004 – 2014 تبدو اكثر من مجرد مصادفة تاريخية،  ان الفرق الثابت بين التواريخ يجعلنا نقف امامها، فالتاريخ يجيد لعبة الارقام، فهو حدث يتحول الى رقم، ورقم يتحول الى دلالة.

ان عشر سنوات  تفصل بين حدث وحدث، وان اتفقنا انه لاصدف تاريخية، فاننا امام اشارة من نوع ما، اننا امام تكرر او بقاء تكرار المتوالية  العددية، وان استمر الوضع فان 2024 سيكون فارقا ايضا، فكيف يمكن ان توقف حركة التاريخ، او تغير مساره ، لايقاف حركته المدمرة.

   هل يغزو الوحش الجزيرة العربية

ان هذا الوحش الذي خلقتموه  لتجعلوا الناس تحذر منه، اصبح لغزا نريد الاقتراب منه  لنفهم، ان حركة الحوثيين كبرت لتصبح هي الدولة الموازية، في حين فقد الجنوب دولته، واصبح النموذج الحوثي مادة تستحق الدراسة، خاصة ان طموحه يتسع ، او انها تفصح عن طموحها القديم، بحكم الجزيرة العربية

لم يكن حسين الحوثي معلما يتلوا افكاره على الشباب في حلقات الدرس، لقد كان لديه  طموح سياسي، فتواجده في البرلمان ليس معلومة  نمر عليها، وهذا الطموح الجارف لعودة الحكم الزيدي ترعب مملكة  وسط الجزيرة ” حيث كانت نجد والحجاز″ وحيث حكم الهاشميون حتى التاريخ القريب، وكان الشريف حسين 1916  في مراسلاته مع الانجليز يعبر عن هذا الطموح العربي- الهاشمي الذي احسن البريطانيون قراءته، واستغلاله، ومداعبته  للسيطرة على الاراضي العربية، بعد الخديعة الكبرى .

اما  حسين الحوثي الذي طبعت ملازمه ورسائله ،ستبقى كارث فكري توجهي للحركة بعد موته، وستتمكن جماعته من نيل الاعتراف الدولي بوجودها كسلطة امر واقع في اول مفاوضات ندية مع الحكومة المعترف بها 2016  ، وهو امر يجعلنا نتاكد ان التاريخ يكرر نفسه لكن بشكل مختلف، و 100 عام تفصل بين الحدثين لم تكن عابرة ايضا

افكار حسين الحوثي، ارعبت النظام، انها تنطلق من الحق التاريخي في حكم المنطقة ، وليس فقط حكم اليمن، هذه الحقيقة التي كانت محل صراع خلال  قرون، لم نصل بعد للعصر الحديث، لنتدول الحكم بطريقة مختلفة ، وبذات الوقت لم نحل الاشكالية التاريخية للسلطة، اننا عالقين في المنتصف .

الجماعة الغامضة لم تعد كذلك، لكن هل يتمدد الوحش مستقبلا ويصل الى الرياض، ام ان هذا هو اخر ظهور له ، وسيتم قمعه وانهاء تواجه، بالتاكيد لانتحدث هنا عن الهزيمة العسكرية لجماعة قبلية، بل عن الفكرة

الفكرة التي لم تمت منذ 1400 عام برغم كل الحروب ، التي رفعت المصاحف فوق اسنة  الرماح، وصولا الى رفعها في  التقارير الاخبارية، والببروجندا  السياسية.

منى صفوان-  كاتبة يمنية والمقال لرأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم