كتاب عربموضوعات رئيسية

الجزائر: مرافعة من أجل خروج مشرف لفخامة رئيس الجمهورية

إنها كلمة هو قائلها ، ومن ورائه تاريخ ملحمي . إنه الفناء من أجل البقاء في التاريخ وفي الوجدان الجزائري ، وفي محراب التاريخ. إنها صرخة من أجل المخرج المشرف. ما أفصحك مستنجدا ، وما أشقاهم معتمين على هذه الصيحة الشريفة ، وما اعياني باحثا عن حقيقة هذه الصيحة الشريفة. (إنها كلمة هو قائلها).

 وهكذا لست منجما هنديا، ولا قارئ فنجان ، ولكنني كنت اعتقد اعتقادا جازما لا يرقى إليه ادنى شك ان سيادة الرئيس سيكون وفيا لتأبينية رفيق دربه، و رئيسه  ورئيس الجزائر المرحوم هواري بومدين-عليه سحائب الرحمة و الغفران- عندما خاطبه في مطلع التأبينية والدموع تنهمر من عينيه مدرارا، والاحزان تهزه مغزارا، حيث قال وقلبه منفطر : (لقد علمتنا كيف يموت الرجل العظيم بصمت ووقار) وهكذا لما توقفت عند هذا المقطع، انتابني شعور عرفاني، خالص من كل شوائب الانتهازية ، بأن فخامة رئيس الجمهورية ستأتيه لحظة الصفاء و الوفاء، ويجسد ما جاء في تأبينية لرفيق دربيه، ويفنى في هذه التأبينية من اجل البقاء البقاء في التاريخ…البقاء في الميمنة الملحمية كيف لا وهو القائل في نفس التأبينية مناجيا رفيق دربه (يا صاحب القلب المفعم بالإيمان المترع بقدر هذا الوطن الممتلئ بأصالة هذا الشعب بتصميمه على الافلات من القيد الجائر وعزمه على التحليق في سماء التحرر و الانعتاق). كيف لمن بكى بهذا المقطع بكاء شديدا؟ كيف لا يستجيب لمعانيه؟ ويكون معادلا موضوعيا لهذه المعاني السامية التي يسمو بها  في محراب التاريخ.

 تساؤلات التاريخ السامية كثيرة … لكن الاجابة عليها في محيطه الذي تفلت من كل القيم عليلة، لكن من يتوقف عند المقطع السابق يشعر شعورا فيه من الحزن العميق ينتاب سيادة رئيس الجمهورية من هذا المحيط الذي يريد ان يدنس تاريخه …لكن هيهات هيهات انما جاء في بعض المواقع الالكترونية و التي نقلت انتفاضة الرئيس انتفاضة نوفمبرية خلاقة على محيطه التعيس قائلا لهم: لقد قلتم لي بأننا نبحث لك عن مخرج مشرف اين هو؟ انه سؤال هو سائله واختفى وراء ألف حجاب بحسرته وبألمه كيف لا يتألم وهو يتذكر في اللاشعوره الصافي هذا المقطع التأبيني على رئيسه ورفيق دربه  هذا المقطع الملحمي: ( لقد اقتحمت بأفعالك قلعة الخلود و دخلت ساحة المجد من بابها العريض . ولقد حقت لك الراحة فنم مستريحا ، هاني البال يا بومدين، فالجماهير بعدك مجندة ، والجماهير بعدك معبأة). هذا هو سيادة الرئيس في لحظة الصفاء والوفاء، فمن دنس الصفاء، وغير والوفاء الى غدر: انها كلمة هو قائلها في لحظة الصفاء والوفاء، انه الباحث عن الخلود في التاريخ فمن غير هذا الحلم ومن شوه شعار (جزائر العزة و الكرامة) الذي جعله الرئيس برنامجا معنويا.

      وسؤال تولده تساؤلات، هل بدأ فخامته يعي رحلته بعد هذه الانتفاضة؟ هل هناك صحوة ضمير لرئيس كان يعشق العظمة ويفنى من أجلها، ويعمل جاهدا على تحقيقها في الداخل والخارج. هنا تتضح لنا ان صحوة عشاق العظمة من الرؤساء تختلف عن غيرهم من العامة وفي هذه الصحوة التي جاءت على شكل صيحة تساؤلية: اين المخرج المشرف فهو يريد من محيطه البائس و التعيس ان ينتفض عن المفاسد ويقلع على التضليل تحقيقا لشعار جزائر العزة و الكرامة؟! مند ما يقرب من عقدين، وارضاء لرفيق دربه ورئيسه الذي سبقه الى هناك ليكون امتدادا له وعلى شاكلته وخاصة في مطلع التأبينية بقوله الفصيح ولهجته التي اخترقت كل القلوب، حيث قال وقلبه يعتصر ألما : (لقد تواضع الاخوة و الخيلان ، وآثرونني لكي اقول كلمة الامتنان ، باسم شعبك العظيم يا بومدين: فأين اجد الكلمات على الرغم أنني اقرأها في عيون الفالحين الكادحين الذين اخرجتهم من الاكواخ الى بيوت العزة و الكرام؟)

هذه  هي شخصية فخامة رئيس الجمهورية- خفف الله عنه، وصان تاريخه من التدنيس والتدليس- فمن يسترجع هذه الروح لشخصية الرئيس وهو يستغيث باحثا عن مخرج مشرف؟  ينقذ به تاريخه التحريري الذي كان فيه رائدا لجيش التحرير الذي حرر البلاد والعباد، ونضاله في مسيرة البناء و التعمير ، التي تحولت بفعل فاعل الى مسيرة التهديم والتخريب.

واعود فأقول لقد احس سيادة الرئيس في لحظة البحث عن مخرج مشرف والتي استنجد فيها بمحيطه التعيس و المنكوب، بأنه في لحظة فناء وتجربة الفناء هي إذابة كل شعور بالذات أو بتعبير اكثر صفاء هو فناء عن الذات من اجل البقاء في المعنى…هذه هي عبقرية الرحيل انها شعور شخصي، شعور بالشخصية و الذاتية وهي اللحظة التي تؤذن بأن الايمان قد بلغ دحرجة من الشعور بالشخصية ، وفكرة الشخصية تقتضي بدورها فكرة الحرية، فلا شخصية حيث لا حرية، ولا حرية حيث لا شخصية، ومن هنا جاءت انتفاضة الرئيس باحثا عن حريته وسط هذا المحيط الذي لم يصن أمانة الرئيس، والعارف ان الرئيس لا يريد ان يكون نصف رئيس ولا ربع رئيس وهذا ما ردده في كل خطبه منذ 1999 وهكذا هي حالة عظماء التاريخ في آخر ايامهم يعيشون لحظات الصفاء تجلوا فيها التأملات، وتطرح فيها التساؤلات امام النفس من اجل الاجابة عليها بإعتبارها قلقا داخليا،  وأرقا ذهنيا واحيانا تكون هذه التساؤلات تساؤلات للنفس لحل اشكالها الذاتي، والبحث عن مخرج مشرف بدل من لعنة التاريخ، واستقرار الجزائر بدل من تركها مفتونة، ووحدة شعب مع طموحات تاريخية متنوعة وبناءة.

ان الجزائر في هذه الارهاصات المؤلمة مهيأة تاريخيا لدور الرجل الواحد وحكمته ونزاهته، من اجل انقاذ شرف الرئيس، لان شرف الرئيس من استقرار الجزائر ووحدتها. الجزائر تمر بفترة انتقال صعب وفي هذه المرحلة الانتقالية يبرز فيها دور الرجل الواحد بكل مزاياه وبكل ما نؤاخذه عليه، ولا اظن انني ابالغ اذا قلت انني ومنذ ان كتبت عن الدكتور طالب الابراهيمي مقالين سابقين موسومين بما يلي (هذه هي مواقف الدكتور طالب الابراهيمي …هل من مدكر ومعترف؟) ، والثاني (عودة الى شخصية الدكتور  طالب الابراهيمي وخطة طريقه للخروج من الازمة الجزائرية). كنت اعتقد اعتقادا جازما ان هذه الشخصية جامعة لكل الاطياف ولا داعي لتكرارها في هذا المقال لان هذا المقال له شأن ذكرناه يخص صيحة الرئيس الشريفة والتي تبحث عن مخرج مشرف، لكن ما أريد ان اقوله ان هذه الشخصية تستهدف اهدافا نبيلة وشريفة تجمع الشمل وتضمن انتقالا سليما وتصون كرامة رئيس الجمهورية، وتجد له مخرجا مشرفا، وانني لست في حاجة ان اعدد من جديد صفات الدكتور طالب الابراهيمي التي تعطي لهذه الاهداف النبيلة بعدا خاصا لاستقرار الجزائر وصيانة شرف رئيس الجمهورية رفيق درب الدكتور طالب وصديقه الحميم من المرحلة البومدينية الى المرحلة الشاذلية ، تلك هي اهداف معروفة ومشهورة، واكدها الدكتور طالب في مذكراته الجزء الاول و الثاني حيث مازال يحتفظ لفخامة رئيس الجمهورية بالجميل الذي ابداه عند وفاة والده الشيخ البشير الابراهيمي عندما سمح رئيس الجمهورية عندما كان وزيرا للخارجية لموظفي الوزارة بالخروج لتشييع جنازة والد الدكتور طالب وهذا ما نجده في الجزء الاول من المذكرات هذا من ناحية ومن ناحية اخرى عندما اسس الدكتور طالب الابراهيمي مجلس المحاسبة، وارادت بعض الاطراف في السلطة ان تصفي الحساب مع الرئيس الحالي انسحب الدكتور طالب من هذا المجلس رافضا الانتقام من رفيق دربه وزميله في مرحلة بومدين، وبقي على اتصال  بالرئيس بوتفليقة وهو في الحكم ورئيس الجمهورية اعلم بذلك.

من هذه الحيثيات السابقة نستطيع ان نقول ان الدكتور طالب هو الوحيد الذي يستوعب هذه الارهاصات في هذه اللحظة التاريخية الصعبة ويعبر عن كل الآمال التي فقدت بمرض الرئيس، وان يحقق بعضها وخاصة اذا كان هذا البعض ضمان مخرج مشرف للرئيس والتآخي بين جميع الاطراف والاطياف المتناحرة للخروج من هذه الازمة تحت شعار (تعالوا الى كلمة سواء بيننا) وخاصة اذا كانت هذه الكلمة مخرج مشرف للرئيس وسلامة الجزائر فما اسمى هذه الكلمة وما أحلاها في اللسان والوجدان.

 يا شرفاء الجزائر، يا من خرجوا من رحم اكبر ملحمة كانت وساما للإسلام والمسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين ، تعالوا جميعا نضبط عدسات رؤيتنا على رؤيا تاريخية سليمة مبرأة من كل الاعراض الدنوية، ليس فقط لكي تنجلي وتظهر امامنا صورة واضحة ودقيقة للاوضاع المهترئة في كل الاتجاهات ولكن ايضا لكي نضمن لطرحنا هذا اكبر قدر من الانصاف والموضوعية.

وأختم هذا المقال بقوله تعالى:” رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ”  سورة المؤمنون. وأترك للقراء تأويل هذه الآية على ضوء مقالاتي السابقة وألتزم الغربة والصمت ولله عاقبة الأمور وعاقبة الجزائر.

حميد لعدايسية – جامعي وباحث جزائري والمقال لرأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم