كتاب عربمواضيع رئيسية

الجزائر: امتحان عباسي مدني/ دكتور محيي الدين عميمور

أتصور أن السلطات في الجزائر سوف تواجه معضلة تحديد الموقف تجاه جنازة الشيخ عباسي مدني، رحمه الله وغفر له، إذا نقل الجثمان إلى الجزائر، وعن تحديد مكان الدفن مع الأخذ بعين الاعتبار رأي العائلة.

وسرّ المعضلة هو أنه ما زالت في الأذهان أحداث العشرية السوداء، التي يعتبر الفقيد من أهم الأسماء التي ترتبط بها، وبغض النظر عن موقع من يتصدى لتحليل تلك المرحلة وعن تحديد المسؤوليات عمّا حدث فيها.

من هنا أقول إن التعامل مع الجنازة سيكون امتحانا لكل المعنيين، سواء على مستوى السلطة المركزية أو على مستوى الأسرة ، أو المنتمين للتيار الإسلامي بكل توجهاته، أو على مستوى من اصطلح على الإشارة لهم بالتيار اللائكي أو اليساري، خصوصا والوفاة تأتي بعد الاعتداء الغبيّ الأخير في باريس على واحد من رموز التيار الإسلامي، هو الشيخ أبو جرة سلطاني.

وأقول هذا لأن في الذاكرة الجماعية الجزائرية وضعيات ومواقف أساءت للجزائر، نظرا لطبيعة الشخصيات التي انتقلت يوما إلى رحاب الله، وكانت موضوعة في خانة خصوم السلطة.

كانت أول الوضعيات في حدود ما أتذكره الجنازة الضخمة للشيخ عبد اللطيف سلطاني، الذي كانت له مواقف متهجمة على نظام الحكم، وكثيرون ممن اعتبروا ضخامة الجنازة نوعا من السخط على النظام لم يدركوا أن طبيعة الشعب الجزائري هي احترام الموت، أيا كان المتوفى، والتعبير الذي يُقال عادة لمشيعي أي جنازة: “الله يثبت الأجر”، بمعنى أنه مأجور على قيامه بفرض الكفاية.

ولكن ردود الفعل بقيت بندا في ملف السلطة.

وكانت هناك مواقف أخرى من السلطات المحلية لم يكن للسلطة المركزية دور مباشر في اتخاذها، كان آخرها الفتور الذي اتسم به تشييع جنازة العقيد أحمد بن شريف في ولاية الجلفة، وأثار ردود فعل شعبية متباينة بقدر ما أثار غضب السلطات المركزية، وهو ما بدا واضحا فيما بعد في تشييع جنازة العقيد محمد الصالح يحياوي، والتي اتسمت بحرارة ربما بدا فيها نوع من المبالغة.

لكن الموقف الذي ظل محل لغط كبير هو موقف السلطة في جنازة أب الوطنية الجزائرية مصالي الحاج في يونيو 1974، فقد كان الزعيم الراحل موضوعا على رأس قائمة أعداء النظام، نتيجة لموقفه من جبهة التحرير الوطني خلال مرحلة الثورة، والذي كان من نتائجه صدامات دامية بين الجبهة والمنتمين لحركته.

وبرغم أنني لا أعرف عن تعليمات وجهت يومها لولاية تلمسان فإن تشييع الجنازة تم في جوّ من الفتور الرسمي، والإعلامي بالتبعية، وظل ما حدث دائما مصدر لوم للسلطة المركزية لأن الفقيد لم يكن شخصا عاديا.

وصحيح أن الشعب الجزائري في معظمه سوف يترحم على الشيخ عباسي مدني لأن هذه هي طبيعة الجزائريين أمام الموت، ومن هنا فإن الجنازة سوف يعتبرها كثيرون موقفا من النظام الذي تناقضت معه جبهة الشيخ، وكان ذلك وراء العشرية الدموية التي أصابت الجزائر في التسعينيات.

وليس هذا هو وقت تقييم مسيرة الزعيم الراحل، الذي يجب أن يكون التعامل معه اليوم من منطلق “اذكروا محاسن موتاكم”، ولعلي أجرؤ على القول، من باب التقييم السياسي الذي لا يمكن أن ينجوا منه زعيم سياسي، أنه ممن يجب أن يتم التعامل معهم على أنه ممن اجتهدوا وأصابوا واجتهدوا وأخطئوا، ولا يمكن أن يُحرم من مساهمته كمجاهد في الثورة التحريرية، مع الاعتراف بأن عداءه لنظام الحكم اتسم بحجم كبير من الاندفاع والتسرع ، وكان مما رُويَ أنه صاحب تعبير “مسمار جحا” الذي أطلق على الرئيس الشاذلي بن جديد، برغم أن الرئيس كان صاحب الفضل الأول في فتح باب المشاركة السياسية أمام كل الاتجاهات وعلى رأسها الاتجاه الإسلامي .

وأملي أن يدرك الجميع أن أنظار العالم كله مركزة على الجزائر بفضل الحراك الشعبي الهائل الذي قدم الشعب الجزائري في صورة رائعة من صور الوعي والحكمة والاتزان، وبالتالي فإن تعامل الجميع مع جنازة الشيخ يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على تلك الصورة.

رحم الله الشيخ عباسي مدني وألهم آله ومحبيه الصبر والسلوان.

دكتور محيي الدين عميمور- مفكر ووزير اعلام جزائري سابق والمقال من رأي اليوم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى