كتاب عربمواضيع رئيسية

صناعة الترفيه والإعلان العربية في شهر رمضان/ محمد شومان

نشأت علاقة غريبة ومحيّرة بين شهر رمضان الفضيل وصناعة الترفيه، إذ ينتج الكثير من المسلسلات التلفزيونية الدينية والاجتماعية والمنوعات والفوازير والمسابقات وبرامج الطبخ وغيرها… في صيغ وأشكال فنية مختلفة، بعضها محلي وبعضها عربي، وكل منها يحاول جذب اهتمام المشاهد من الخليج إلى المحيط، واحتلال وقته وعقله. وبالطبع، تنتعش صناعة الإعلان، التي باتت تحرك صناعة الترفيه إنتاجاً واستهلاكاً.

والحقيقة، أن الجمهور هو من يسدد فاتورة الإعلانات التي تمول صناعة الترفيه. وبعبارة أوضح، فإن القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي ونسب المشاهدة، هي التي تبيع الجمهور إلى شركات الإعلان. فكلما ارتفعت نسب المشاهدة، ارتفعت أسعار الإعلانات، التي سيدفع الجمهور كلفتها بطريقة غير مباشرة، عندما تزيد الشركات تكلفة الإعلانات على سعر بيع المنتجات والخدمات التي تعلن عنها.

هذه الصيغة معروفة في كل دول العالم، لكن تطبيقها يختلف بين بلد وآخر، إذ توجد قنوات للخدمة العامة، تنتج وتقدم مسلسلات وبرامج غير تجارية وذات مستوى فني رفيع، لا تعمُد في إنتاجها على الإعلانات، إنما يمولها دافعو الضرائب، أي المواطنين، وفق ضوابط تشريعية. كما توجد منظمات وهيئات أهلية مستقلة تدافع عن حقوق المشاهدين، وتحول دون تغوّل الإعلانات على المضامين والبرامج التي تقدم إلى الجمهور. المعنى أن هناك قوانين وهيئات وضوابط ورقابة مجتمعية على صناعة الترفيه والإعلان، وهي أمور لا تعرفها أغلب المجتمعات العربية.

وعموماً، تظل الزيادة المفرطة في جرعات الترفيه والإعلانات في شهر الصيام والقيام، في حاجة إلى جهد بحثي لفهم أسباب ودواعي هذا الترابط الذي لا يوجد له سند تاريخي في الثقافة العربية. وأميل إلى القول هنا، أن صناعة الترفيه العربية واحتياجات السوق والإعلان، هي التي أسست هذه العلاقة الغريبة وغير المنطقية، بين شهر رمضان وزيادة المعروض من منتجات الترفيه والإعلان. ويبدو لي أن وفرة المعروض وجاذبيته، علاوة على انتشار ثقافة الترفيه والاستهلاك في المجتمعات العربية، كل ذلك خلق طلباً زائفاً على الترفيه الرمضاني يظهر كل عام، وينمو بوتيرة متزايدة.

والمفارقة، أن زيادة منتجات الترفيه والإعلان، تسير جنباً إلى جنب مع زيادة البرامج والمسلسلات الدينية، وزيادة مظاهر التدين والتراحم والتماسك الأسري، والعطف على الفقراء والمساكين، وهي في مجملها قيم وسلوكيات إيجابية تجسد الروح الحقيقية للإسلام. لكن الممارسات الرمضانية والتي تشكل خطاباً عاماً، تنطوي على تناقضات مدهشة، وإيجابيات وسلبيات، علاوة على العديد من التحولات الغريبة. إذ صار التمسك بمظاهر الصوم والقيام، يفوق أحيانا الالتزام بالسلوك الإسلامي القويم في شهر الصوم والعبادات. وبدا وكأن الصيام هو دعوة غير معلنة إلى التباطؤ في الإنتاج وعدم الذهاب إلى العمل، وتأجيل بعض الأعمال إلى ما بعد انتهاء شهر الصيام، فضلاً عن التوسع في استهلاك الأطعمة والمشروبات، وزيادة استهلاك المنتجات الترفيهية التي تبثها قنوات التلفزيون ليلاً نهاراً ومن غير توقف، ومن دون مراعاة لقيم الصيام وواجباته، إذ تبث مسلسلات وبرامج تفيض بأفكار وقيم وصور تتعارض مع الحد الأدنى الواجب على المسلم الصائم اتباعه والالتزام به.

في فضاء المتعة والترفيه الرمضاني، لا وجود لمشكلات الواقع المعاش، ولا حديث عن السياسة أو الشأن العام، وهناك تجاذب شديد بين حياة مخملية للطبقات الميسورة، وبين حياة صعبة للطبقات الفقيرة. ولا مجال لتحسين أوضاع الفقراء في أغلب المسلسلات والأفلام إلا من خلال الجريمة أو ضربة حظ! ويكاد يختفي العمل الجاد أو العلم أو التضحية كوسائل مشروعة للارتقاء الطبقي. وبشكل عام، من النادر ظهور نماذج محترمة من الطبقة الوسطى. وتجتهد المسلسلات العربية في إنتاج أفكار تقليدية وأشكال نمطية عن المرأة والريف والعلاقة بين الرجل والمرأة، وقيم الشرف والعيب والوفاء. والمدهش، أن كل هذه المعالجات التقليدية والصيغ الدرامية، تعرضت للنقد في كثير من الدراسات العلمية المنشورة، وحذرت من هجرة المشاهد العربي إلى المسلسلات والمضامين المستوردة، أو ابتعاده عن شاشات التلفزيون لصالح شاشة الكمبيوتر والهاتف الجوال، ليشاهد فيها مضامين جديدة وغير تقليدية. لكن صناعة الترفيه والإعلان لا تهتم بنتائج هذه البحوث العلمية، وما تنتهي إليه من نتائج وتوصيات. والمرجح أن القائمين على صناعة الترفيه، يهتمون فقط بتحقيق الأرباح، من خلال تقديم نماذج وأفكار قديمة ثبت لهم نجاحها في الماضي. وبالتالي، يفضلون تكرارها عوضاً عن ابتكار أفكار وصيغ جديدة ربما تعرضهم لخسائر. ولا شك في أن تفضيل صناعة الترفيه للصيغ القديمة، يفسر التشابه والتكرار الممل لأغلب ما يقدم من مسلسلات وبرامج تهيمن على الشاشات العربية.

والإشكال هنا، أن قطاعات واسعة من الجمهور العربي تعلمت وتعودت على مشاهدة هذه المضامين التقليدية، والمكررة، التي تتفق مع العادات والتقاليد والأفكار السائدة في المجتمعات العربية. من هنا، يرى البعض أن الجمهور العربي يرى حياته في ما يقدم إليه عبر المسلسلات وبرامج الترفيه، وأحياناً يرى الحياة المخملية التي يود أن يعيشها. وفي الحالتين، أصبح هذا الجمهور ضحية لصناعة الترفيه والإعلانات من دون أن يدري، وهو ما يسمى بالهيمنة الناعمة لصناعة الترفيه والإعلانات، وهذا يعني ببساطة خضوع الجمهور إلى إرادة صناعة الترفيه وتوجهاتها، من دون أن يدرك ذلك، إذ إنه يسمح للقيمين على تلك الصناعة بتشكيل وعيه وذائقته الفنية وتحديد رأيه في ما يقدم له من مضامين أو برامج. إنهم باختصار يزيفون وعيه بالعالم من حوله وبالحقائق التي يعيشها، ويخلقون واقعاً تلفزيونياً وإعلامياً مغايراً، يقوم على الكذب والخداع. والكارثة أن بعض أفراد الجمهور يصدقون الواقع المزيف الذي يقدم لهم عبر الميديا أكثر من الواقع الذي يعيشونه وهذه الحالة هي الهيمنة الناعمة وكمالها، إذ لا يدرك الجمهور أنه واقع في قبضة آلة إعلامية هائلة، تسيطر على عقله ووجدانه وتتلاعب به، إنما يشعر أنه يعيش في ظل إعلام حر، خاصة وأنه يختار ما يشاء من قنوات أو برامج. ولا شك أن المواطن التلفزيوني يشعر بحريته الزائفة طالما ظل ممسكاً بـ”الريموت” من دون أن يدري أن كل الخيارات المتاحة أمامه، تحت السيطرة. فالقنوات المتاحة والبرامج المقدمة متشابهة، والتنوع في الشكل وليس المضمون.

إن نظرة سريعة على مسلسلات وبرامج رمضان في القنوات العربية من المحيط إلى الخليج، تؤكد صحة الكلام السابق عن الهيمنة الناعمة وإفساد ذوق الجمهور وتزييف وعيه، لأننا أمام عشرات البرامج والمسلسلات المتشابهة، التي تعرض في نكهات براقة جرعات زائدة من الترفيه السطحي والعنف والجريمة والمشكلات الاجتماعية المكررة والصور النمطية السائدة. ويرى الباحثون في الإعلام والاجتماع، أن المسلسلات والإعلانات التي يشاهدها أغلب جمهور التلفزيون، ينتهي تأثيرها المباشر بمجرد انتهاء المسلسل! لذلك، هي تعرف بـ “فقاعات الصابون”، لكن لا يمكن إغفال الآثار التراكمية للمسلسلات أو المشاهد واللغة المستخدمة، ذلك أن هذه التأثيرات تتسرب إلى اللاوعي، وتؤثر بقوة على القيم واتجاهات السلوك في المجتمع، لاسيما أن كثيراً منها يتكرر في أكثر من مسلسل، ويعاد إنتاجه بشكل سنوي في رمضان وفي صيغ مختلفة، وبوجه نجوم جدد وعلامات تجارية جديدة! وتتفق دراسات وبحوث الإعلام على أن الصور والرموز السوسيولوجية والسميولوجية (اللسانيات)، هي الأكثر قدرة على إحداث الآثار التراكمية غير المباشرة في الجمهور.

لذلك، أقترح على إدارة الإعلام في “الجامعة العربية” أمرين، الأول حفظ الدراما وبرامج التلفزة العربية وأرشفتها، لأنه لا يتم الحفاظ عليها وإتاحتها أمام الباحثين. والثاني، إجراء بحوث مجتمعية لتحليل ما يشاهده الجمهور العربي، لأن الحياة الاجتماعية، ومنظومة القيم، وأنماط السلوك في الدول العربية المختلفة، واللغة المستعملة، تعكسها إعلانات ومسلسلات التلفزيون، التي تلعب أحياناً دوراً كبيراً في إرساء معالمها. من جانب آخر، هناك مسلسلات وبرامج أجنبية تصل إلى الجمهور العربي وتحدث تأثيرات مهمة قد لا تكون مناسبة لمنظومة القيم والثقافة العربية، ما يحتّم ضرورة دراستها وتحليل أهدافها والقيم التي تسعى إلى ترويجها. وأعتقد أن هذا الجهد الجماعي العربي أصبح أكثر إلحاحاً في ظل ندرة الأبحاث العربية عبر المجتمعية (تشمل أكثر من ثلاث دول عربية) حول آثار الدراما والبرامج التلفزيونية العربية والأجنبية على التنشئة الاجتماعية والقيم والأفكار والعادات العربية.

محمد شومان  -كاتب مصري. والمقال للحياة

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم