كتاب عرب

مأساة غزة  في ميزان الربح والخسارة

كثر النقاش حول جدوى مقاومة «حماس»، خصوصاً أنها لم تحقق هدفها الأساسي، فك الحصار، بل إن المؤشرات كافة تدل على أنها لن تحقق ذلك. خلاصة موقفي هي: المقاومة فعل ضروري ولكن يجب أن يكون محسوباً، بحيث تصبّ خسارتي في مسيرة التحرير، وتسبب خسارة حقيقية لدى عدوّي، وتدفع باتجاه حل جذري لأزمتي، ولا تكسر قدرتي على الفعل مستقبلاً.
أي:
– إذا خسرتُ من غير أن تصب تلك الخسارة في مسيرة التحرير، فإنها عبث.
– إذا خسرتُ من غير أن يخسر عدوي خسارة معتبرة مؤثرة في قراره، فإن خسارتي عبث.
– إذا خسرت ولم يكن لتلك الخسارة أثر على تغيير واقعي، فإن الخسارة عبث.
– إذا خسرت خسارة تكسرني وتعوق قدرتي وتفقرني تماماً، فإن تلك الخسارة عبث.
كتب بعضهم مقالات في الصحف وفي المواقع للدفاع عن ضرورة المقاومة وفائدتها، ولنفي العبثية منها. ما يأتي للرد على أهم الأفكار التي يكررونها:
أولاً: يعتبرون أن نقد المقاومة هو خذلان لأهل غزة. وهذه مزايدة رخيصة. فنقد المقاومة هو شكل من أشكال الانتصار لأهل غزة، لأن المقاومة في غير محلها هي من أسباب الدمار لغزة وأهلها.
ثانياً: يُكثرون من الحديث عن «لوم الضحية» ويقولون إن نقد المقاومة هو «لوم للضحية». فإسرائيل هي التي تُجرم وتقتل وليس المقاومة. وهذا من باب الحق الذي يراد به باطل. فالضحية لا تُلام مطلقاً على وقوع الجريمة. لكن، يمكن لومها على تعريض نفسها للجريمة. لو مشى رجل في حي مشهور بوجود العصابات ومعروف للجميع أن من يمشي فيه بعد ساعة معينة، فإنه غالباً ما يتعرض للسلب، ثم قرر واحد أن يمشي في ذلك الحي وتعرّض للسلب… ما الذي سنقوله؟ قطعاً هو لم يُجرم. قطعاً لن نلومه على «سلبه». ولكن سيُلام، لأنه عرّض نفسه للسلب.
ثالثاً: يربطون بين جدوى المقاومة وسوابق إسرائيل في الاعتداء على الفلسطينيين. فيقولون: «إسرائيل دائماً تعتدي، إذاً المقاومة ليست السبب في عدوان إسرائيل». هذه مغالطة أخرى. المجرمون الذين سلبوا صاحبنا يقومون بهذا دائماً ولكنهم لا يسلبون إلا من يدخل حيّهم. وإسرائيل تُجرم دائماً، ولكنها تحاول ألا تجرم إلا بأن تُظهر نفسها بمظهر الذي يدافع عن نفسه.
رابعاً: يكثرون من حساب الخسائر على إسرائيل نتيجة المقاومة. فيعدون الآثار السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي. أيضاً يحسبون الأثر النفسي السلبي لأعمال المقاومة. هنا، تتجلى أزمة هذا الخطاب الذي يدعم المقاومة غير المحسوبة. وهنا، يتجلى استرخاصهم الدم الفلسطيني والنفسية الفلسطينية والرفاه الفلسطيني. لنقارن بين الخسائر: الخسارة الاقتصادية: الناتج القومي المحلي الإسرائيلي تقريباً 300 بليون دولار. ولا توجد أرقام واضحة عن الناتج في غزة، ولكن ناتج الضفة الغربية يبلغ تقريباً 10 بلايين وغزة أقل من هذا بكثير. وإسرائيل خسرت وفق بعض التقديرات المرتفعة بليونين أو ثلاثة بلايين دولار. ولكن في اقتصاد بقوة اقتصادها، فإن هذا الرقم ليس كبيراً. وإسرائيل ستستعيده بسرعة أو على الأقل لن يعوقها للمستقبل. في المقابل ماذا خسرت غزة؟ ما هي نسبة تلك الخسارة من اقتصاد غــــزة؟ هل غزة تستطيع التعافي بالسرعة التي تستطيعها إسرائيل؟ خسارة غزة قد تصل إلى بليوني دولار. أي 20 في المئة من الناتج المحلي للضفة الغربية. ونعلم أن اقتصاد غزة أضعف من اقتصاد الضفة. أي نسبة الخسارة قد تمثل 40 في المئة من الناتج المحلي في غزة وربما أكثر. ثم غزة لا تملك القدرات الاقتصادية لتعويض هذا. بل غزة ليس لها اقتصاد فعلي. أي هذه خسارة تكسرها في شكل عميق. وإذا عرفنا أن ما يقرب من نصف سكان غزة من غير وظيفة يمكن تخيّل الأثر المدمر لهذه الحرب عليهم. فأي نصر اقتصادي يتحدثون عنه؟ إنها مهزلة!
الخسارة النفسية: يتحدثون بسعادة عن «القلق» الذي سببته صواريخ «حماس» بين يهود إسرائيل. ولكنهم لا يتحدثون عن الإعاقات النفسية التي سببتها جرائم إسرائيل في القطاع. اليوم تجاوز عدد القتلى 1300 شخص. والجرحى تقريباً 7 آلاف. ما هي الآثار النفسية لهذا؟ كم من هؤلاء الجرحى سيكون معوقاً طوال حياته؟ ما هي الكلفة على أسرته نفسياً واقتصادياً؟ كم من الأطفال خسر رفيقاً؟ كم من النساء فقدت معيلاً أو حبيباً؟ ما هو الأثر النفسي للعيش في منطقة يتم دكها يومياً بأنواع القنابل والصواريخ كافة؟ هذه الأمور لا يفكّرون فيها.
الخسارة البشرية: خسر أهل غزة أكثر من 1300 قتيل. وإسرائيل 60 قتيلاً. هذا الفرق الهائل لا يهمهم. يقولون بكل برود: «وقْع القتيل الواحد عليهم أشد من وقع القتل علينا!». نعم، ليس مشكلة بالنسبة إليهم ما يقع للفلسطيني. ما دامت سماء تل أبيب أضيئت وأقفل مطار بن غوريون فليعاني الفلسطينيون ما شاؤوا! فليموتوا بالجملة!
خامساً: يقولون كل مقاومة تخسر أكثر من عدوها المحتل. هذا صحيح. ولكن ينسون أن هذه المعادلة تعني: أن يؤدي القتل إلى تحسين الوضع بالنسبة إلى الطرف الذي يقاوم. إنهم يتجاهلون هذا تماماً. لا مشكلة أن يُقتل 1300 شخص… لأجل لا شيء! هؤلاء القتلى ذهبوا عبثاً… ما الفائدة التي حققتها المقاومة من ذهابهم؟ لو قتلوا في ساحة معركة وهم يقاتلون لقلنا قدموا شيئاً. لو قتلوا في تظاهرات وهم يُثخنون الجراح في عدوهم لقلنا قدموا شيئاً. ولكن هؤلاء الأبرياء قتلوا في منازلهم. في أحيائهم. ما الفائدة من فقدانهم؟ ماذا استفادت غزة من خسارة مئات القتلى؟
سادساً: يكررون أسطوانة المليون شهيد في الجزائر ونجاح المقاومة في جنوب أفريقيا. ولكنهم يتجاهلون تماماً الفروقات التاريخية بين الحالتين. ينسون أن اليهود اليوم صاروا شعباً بأرض على فلسطين. اليهود في إسرائيل أكثر من الفلسطينيين في الضفة وغزة معاً. أي القتال في فلسطين صار قتال أقلية صاحبة الحق. مع أكثرية محتلة. هذا يخل تماماً بأية مقارنة تاريخية. يذكرون مثال الجزائر وينسون أن نسبة الفرنسيين بين الجزائريين كانت تقريباً 12 في المئة على الأكثر. ذهب مليون شهيد في معركة بين غالبية ساحقة ضد أقلية متناهية! فما هو المتوقع في فلسطين؟ يذكرون مثال جنوب أفريقيا، وينسون أن الأفارقة 80 في المئة من سكان جنوب أفريقيا، وأن البيض 8 في المئة تقريباً. مع ذلك استطاع البيض الاحتفاظ بالكثير من مكاسبهم على رغم كونهم أقلية، لأنهم يملكون القوة العسكرية. فما هو المتوقع في فلسطين؟
ســـابعاً: يقـــولون إن الفلـــسطينيين يؤيدون المقاومة. ويكررون على مسامعنا شهادات من أفراد في غزة تدعو لـ «حماس». ولكنهم لا يقولون لنـا كم عدد أولئك الذين يلعنون «حماس»؟ لا يتحدثون عن أولئك الذين يُقمعون لو انتقدوا «حماس»، لا يتحدثون عن رأي أهل غزة في المقاومة قبل الحرب، هل يذكرون أن أكثر أهل غزة ضد المقاومة المسلحة؟ هل يذكرون أن شعبية السلطة الفلسطينية أعلى من شعبية «حماس» في قطاع غزة؟
ثامناً: إقفال مطار بن غوريون هو أبرز إنجازات المقاومة حتى الآن. ولكنه أيضاً أبرز عناوين عبثيتها. إن تلك الخطوة مفيدة لخطباء الحماسة ولكنها مضرة سياسياً وعسكرياً. سياسياً: أقنعت «حماس» العالم بأنها مستعدة وقادرة على ضرب مطار مدني، وبذلك أقنعت العالم بأنه لا بد من نزع سلاحها عاجلاً أم آجلاً. عسكرياً: أثارت الهلع لدى الإسرائيليين ورفعت استعدادهم للخسارة والاستمرار في حرب طويلة ومدمّرة.
حسابات إسرائيل لاستمرار الحرب تراعي التوازن بين خسارتها من الحرب وبين خسارتها من تهديد «حماس».
الآن رفعت «حماس» ذلك التهديد نوعياً، ما سيرفع استعداد إسرائيل للخسارة نوعياً أيضاً. من المبادئ العسكرية الأساسية أن بعض النصر يؤدي إلى هزائم. والقائد العسكري الحكيم يعرف كيف لا يخلق نصراً يفتح باباً للهزيمة. نعم، لقد حققت المقاومة وصواريخها ما لم يتحقق من قبل. ولكن، إذا قارنّا بين مجمل المكاسب والخسائر فسنجد المقاومة خاسرة وإسرائيل كاسبة. وأما والحصار لا يزال قائماً، فإن المقاومة مهزومة وإسرائيل منتصرة، وهذا ما يجعل المقاومة في هذه الحالة عبثية.
تم نشر المقال في موقع الحياة​ بقلم عبدالله حميد الدين
* كاتب سعودي
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى