كتاب عربموضوعات رئيسية

الجزائر: الحراك أنقذ الدولة من الانهيار

“الحراك أنقذ الدولة من الانهيار”انه تصريح لعبد المجيد تبون رئيس الجمهورية الجزائرية أثناء ترؤسه اجتماع حكومي بحضور ولاة  المحافظات ، وقد سبق للرئيس أيضا أثناء حفل تنصيبه بوصف الحراك بأنه “مبارك”. كيف لا وهو مبارك ، فلولاه ما كان السيد عبد الجيد تبون رئيسا للجمهورية ،لأنه كان مغضوبا عليه من طرف جزء من العصابة “البوتفليقية” قبل انهيارها بعد أن عمرت عقدين وهي تعيث فسادا بمقدرات الجزائر في جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،لا يمكن إحصائها في هذا الحيز يكفي أن الرئيس لخص حصيلة حكمها “بـأن الدولة كادت أن تنهار”. وتقديرا لدينامكية الحراك رسم الرئيس يوما وطنيا له ،ويبقى الحراك متواصلا حتى  تحقيق مطالبه كاملة رغم الخناق المضروب على نشطائه .وحتى  الدولة البوتفليقيه” مازالت تنشط وتشوش وتشكك وتخوف وتتوعد بل تهدد وخاصة عن طريق  ذبابها الالكتروني وحتى البشري الذي فقد امتيازاته.

و كما هو معلوم فان الشعب الجزائري يحي الذكرى الأولى لانطلاق شرارة الحراك التي اندلعت يوم 22 فبراير 2019 ضد طغمة أفلست البلاد وأرجعتها للوراء سنوات ،ودمرت وعي العباد حتى توهموا أنهم أحسن من ألمانيا والسويد وأن بلادهم قوة إقليمية !

لقد تحولت البلاد ومازالت”أضحوكة” لما احتلته من مراتب عالمية أقل ما يقال عنها أنها غير مشرفة،لما

 تتمتع به من ذكاء اجتماعي  وثقافي و اقتصادي بين الأمم ،لأنه حكمها رئيس مريض لم يخاطب شعبه نحو سبع سنوات ، و كادت البلد أن تنتهي بها إلى الوثنية بتقديس وتقبيل “الكادر” (أي صورة الرئيس) التي توضع لتعوض غيابه في كل المجالس والتظاهرات طيلة الخمس سنوات الأخيرة “استخفافا بعقول” الناس بل باستحمارهم كل ذلك تم تحت تطبيل إعلامها الحكومي والمستقل وتحاليل الخبراء والمختصين والاستراتجيين والأساتذة و الأكاديميين الذين باعوا ضمائرهم .ومازال بعضهم “يغازل”الجمهورية الجديدة طمعا في الحفاظ على الموائد والفوائد.

إن الذكرى الأولى لهذه الثورة السلمية تعد مرحلة حاسمة ومشهودة  لمواصلة الشعب الجزائري لنضاله اللاعنفي الذي أبهر العالم في كيفية  تطلعه للحرية والديمقراطية والتنمية وحتى مساعدة الشعوب المقهورة .

لقد استعاد الشعب الجزائري اليوم بفضل حراكه الراقي ثقته وانضباطه وعزيمته، وكله متمسكا بالسلمية التراكمية التي اكتسبها من تجاربه وتجارب الآخرين حولها إلى “سلاح ” لتحقيق مطالبه الشرعية المتمثلة في إبعاد كل من تسبب في تدمير البلاد تحت شعار “يتنحاو قاع “، وتحقيق الانتقال الديمقراطي،وإرساء النظام المدني في تسيير شؤون بلاده على أمل أن تسترجع الجزائر مكانتها الإقليميّةِ التي شارفت على ملامستها في السبعينيات لولا التأمر الداخلي والخارجي عليها .

لقد أسقط الحراك المبارك فتنة الطائفية والكراهية التي كانت تراهن عليها ”البوتفليقية” من أجل تفكيك روابطه و تحريف أهدافه وتشويه سمعته وضرب سلميته مثلما كانت تعمل طيلة العشريتين الأخيرتين مرتكزة على فلسفة فرق تسد .

خاض الحراك بعد مخاض سياسي مرير دام سنة كاملة، دون أن يتوقف ولا جمعة واحدة رغم انتخاب رئيس جمهورية جديد، قال عنه “أنه لم ينتخبه”. بقي الحراك نبراسا للوعي الجزائري الذي ابعد مدة لا بأس بها.

 لم يألف الشعب الجزائري  من قبل مثل هذه التظاهرات المليونية كممارسة سياسية راقية لانتزاع حقوقه الا بعد ان بلغ السيل الزبى في الطغيان . لقد أبان الحراك على مستوى راق من التحضر رغم أنه لم يكشف بعد عن ممثليه ولا منظريه بل لسان حاله يقول مطالبي وتطلعاتي نحو المستقبل المشرق لا تحتاج من يمثلها او يشرحها لأن الانتقال الديمقراطي للشعوب لا يحتاج تطبيق ولا تنظير، أسوة بالدول التي قطعت شوطا في هذا المجال كاسبانيا  والأرجنتين على سبيل الذكركيف كانت وكيف أصبحت الأولى حققت 0.89في التنمية البشرية والثانية 0.827.

أظهر الحراك الشعبي للعالم صورا مدهشة في التعبير عن مطالبه، كصور العديد من المرضى الذين خرجوا رغم خطورة حالاتهم الصحية كالرجل الذي خرج حاملا معه زجاجة الأكسجين. ولحظة مرور المتظاهرين أمام الجنائز حيث تحولت أصواتهم إلى تكبيرات إيمانية. وشباب متطوع يقدمون أكلات مختلفة مجانية ، وإسعافات أولية للمتظاهرين، أو خروج الملايين من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية والاجتماعية دون كلل أو ملل وبنفس العزيمة والإرادة وحب الوطن وحناجرهم تهتف: سلمية.. سلمية، جيش شعب خاوة.. خاوة، “يتنحاو ڤاااااااااع..” إنها شعارات وسلوكيات راقية صححت صورة الشعب الجزائري الذي يبدأ ، حراكه مباشرة بعد صلاة الجمعة وينتهي قبل صلاة المغرب حسب توقيت كل مدينة.

ينزل الشعب للشوارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية والتنمية في ظل دولة القانون مكسرا بذلك حاجز الخوف الذي فرضه نظام أمني بائد صارت جماهير الحراك تشعر بأنها تحمل قيما أخلاقية تنشد إصلاح الدولة والقضاء على الفساد. إن البعد الأخلاقي للحراك كشف زيف لا يتصوره عقل المنظومة الحاكمة .

 لقد خلق حالة من الالتفاف الشعبي حول مطالبه متجاوزا اختلافاتهم الإيديولوجية وإعجابا دوليا حتى أنه مرشح لنيل جائزة نوبل للسلام .إن النزول للشارع وسماع الشعارات التحررية يبعث في نفوس الشعوب الأخرى أيضا نشوة الانتصار لممارسة الحرية.

د. محمد شوقي-أستاذ جامعي _الجزائر_

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم