كتاب عربموضوعات رئيسية

 كورونا “السياسي”… ما قبله وما بعده؟!

لا يزال فيروس كورونا الحدث الرئيس الذي يشغل بال الكثيرين في مختلف دول العالم، افرادا ومجتمعات وحكومات، وذلك بعد نسبة الانتشار الواسعة التي حققها, والتي أدّت الى عشرات الآلاف من الإصابات والاف الوفيات من مختلف الفئات العمريّة.

يترك فيروس كورونا “المستجد” بصمته على كل نواحي الحياة في البلدان الغنية والفقيرة، فالعديد من دول العالم شلّت حركتها وأغلقت حدودها، وتباطأت فيها او شلت حركة التجارة والاقتصاد، الداخلية والخارجية، في الوقت الذي أقفلت فيه المدارس والجامعات وكل مناحي الحياة أبوابها.

ذلك يطرح تساؤلا, حول الأثر الذي تخلّفه الأوبئة الجرثومية الكبرى على المجتمعات وحركتها، -كالإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، -رغم أن الغرب والعالم في القرون الوسطى وتحديدا بعد خروجها من الحرب العالمية الأولى، تختلف كثيراً في كافة الميادين عن عالم اليوم، وخصوصا في ظلّ التقدم الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والعولمة، إلا أن “انتشار وباء ما يشكل دوماً امتحاناً لمجتمع وحقبة”، كما يرى مؤرخ العلوم لوران هنري فينيو من جامعة بورغوني الفرنسية, ويرى أن الوباء “يهدد الروابط الاجتماعية، ويطلق العنان لشكل خفي من حرب أهلية يكون فيها الجميع حذراً من جاره”, ويضيف “في هذه المرحلة، يظهر ذلك في المشاهد غير المعقولة لأشخاص يتدافعون في المتاجر على آخر حزمة من ورق المراحيض… والوضع أكثر مأسويةً في إيطاليا، حيث يضطر الأطباء إلى اختيار مريض لإنقاذه بدلاً من آخر بسبب نقص المعدات، كما يحصل في زمن الحرب”.

لقد أحدثت الأوبئة الكبرى تغييراً ملحوظا “في أنظمتنا الصحية” كما يلحظ المؤرخ والخبير الديموغرافي باترييس بوردوليه، فقد أنتجت “مفهوم الحجر الصحي وابتكار أساليب للتعقيم”, من ناحية أخرى، وعلى صعيد السلوك، أدت إلى خلق حد أدنى “من المسافة بين الأشخاص، في المجتمعات الغربية تفوق ما هي عليه في المجتمعات الأخرى”، بحسب بوردوليه, ويشير عالم الجغرافيا فريدي فينيه من جامعة بول فاليري في مونبيلييه, إلى أن الإنفلونزا المسماة بـ “الإسبانية “التي انتشرت أواخر الحرب العالمية الأولى, كان لها “أثر هيكلي على تاريخ الصحة”, حيث أنتج هذا الوباء العالمي، الذي قتل 50 مليون إنسان، “حالة وعي لضرورة وجود إدارة عالمية لمخاطر الأمراض الجرثومية”. ويشير لوران هنري فينيو، إلى أن “الأوبئة نتاج مشترك بين الطبيعة والمجتمعات، بين الميكروبات والبشر، والجراثيم لا تصبح خطيرة إلا في ظروف معينة”، “هكذا غزا الطاعون الأسود أواخر القرن الرابع عشر أوروبا التي كانت مزدهرة، وكانت فيها المبادلات التجارية كثيفة، والمدن مزدحمة ورحلات الاستكشاف في ذروتها”، و” استفاد الطاعون من هذا الازدهار، ووضع حداً له، وأعلن نهاية نظام العبودية, الذي قام عليه مجتمع القرون الوسطى”، كما يشرح فينيو.

ويوضح فريدي فينيه أيضا، أنه في عام 1918، كان لوباء “الإنفلونزا نتائج اقتصادية ضئيلة جداً بالمقارنة مع آثار الحرب في أوروبا”, وهذا استثناء، لأن القاعدة العامة تقوم على أن للأوبئة الجرثومية آثار اقتصادية خطيرة، فهي “توقف المبادلات التجارية، وتعيد توجيه التجارة نحو سبل أخرى”، وفق بوردوليه, الذي يضيف أيضا “أن الأزمات الصحية المتكررة في الصين اليوم، مركز التصنيع في العالم، قد تحفز على تنويع مواقع الإنتاج والتزويد في العالم”.

اذا, لم تكن عاصفة الكورونا لتُحْدِث هذا الزلزال ، لو كان هناك نظام عالمي يحتكم إلى أسس ناظمة عادلة، وقيادة تحتكم إلى مصلحة البشرية والقيم الإنسانية والأخلاقية, فنحن نعيش في عالم ظالم استغلالي, احتكاري عدواني, لا قيم ولا مبادئ, يسعى فيه الأقوياء وراء الأرباح والسلطة والسيطرة فقط, عالم بلا قيادة تسوده شريعة الغاب, وتحديدًا منذ هبوب رياح التطرف والمحافظين الجدد والليبرالية الجديدة, والتيارات اليمينية الشعبوية في أميركا والعديد من بلدان العالم، التي حملت مؤخرًا ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية, حيث استكمل هذا التيار تنفيذ الانقلاب على النظام العالمي القديم الذي حكم العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأحل نظام “أحادي القطبية”, محل نظام “ثنائي القطبية”,الذي يقوم على “العولمة” والاستغلال والربح والخسارة.

لذلك فان “العقلانية العالمية”، تتطلب إعادة النظر في كل المنهج الاقتصادي العالمي، وسياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتعامل مع البشرية انطلاقا من قيمتها الإنسانية، والتخلي عن الجشع والنهب الأناني للمجتمعات المتقدمة على حساب الفقيرة، واسقاط “العولمة” واثارها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، التي حولت الانسان الى سلعة تبادلية في السوق الاستهلاكي العالمي، القائم على سباق التسلح بكل اشكاله، والحصار والعقوبات الاقتصادية، على حساب الانسان في الحرية والضمان الاجتماعي والصحي والعيش الكريم.

ان “العقلانية العالمية”، تتطلب حراكا ثوريا عالميا لإصلاح الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة، بما يضمن مصالح البشرية جمعاء، والحفاظ على ثروات الطبيعة ومخزوناتها من الاستغلال الجائر لمواردها، لصالح قلة قليلة من الشركات الاحتكارية العالمية، نظام عالمي (سياسي –اقتصادي) يقوم على التعاون والسلم العالميين، على المساواة في الحقوق والثروات, وبما ينهي كل أشكال العنصرية والتمييز، والتسلط السياسي والاقتصادي والثقافي، و كل استحقاقات العولمة ونتائجها الكارثية على المجتمعات الدولية، وخصوصا الفقيرة منها ومن تسيرعلى طريق التنمية.

ولا أظن ان الكاتب الأمريكي دين رايكونتز كان غارقا في منامه, حين تصور في روايته “عين الظلام”, قبل أربعين عاما او اكثر, بانها دليل الاثبات على نظرية المؤامرة لسباق التسلح الجرثومي للدول الرأسمالية، وبصرف النظرعن صوابية هذه الفرضية من عدمها, أو أنها من نسيج خيال الكاتب, عندما تصور انفلات فيروس فتاك في مقاطعة اوهان الصينية من عقاله, مستهدفا بني البشر وحدهم دون غيرهم، فما يشهده العالم هذه الأيام, يؤكد على عبقرية العقل البشري وقدرته على النفاذ الى المستقبل واستحضاره, مستندا على معطيات مادية و نسج تصوراتها المستقبلية, وكأنها حقيقة واقعة.

لا شك في ان العولمة (السياسية – الاقتصادية – الثقافية والاجتماعية),و بأدوات تواصل غير تقليدية, سارعت بإنتاج قيم و مفاهيم جديدة, بغض النظر عن الجدل الدائر حولها, أسبابها ونتائجها ومدلولاتها, لكن ما زالت هناك علامات الاستفهام كبيرة حول أهدافها؟!؛ فقد هدمت الكثير من القواعد والمبادئ الاخلاقية, فبحجة التدخل الإنساني, تم تخطي الحدود الجغرافية والسياسية والسيادية للدول, وبمنطقية التأثير الحضاري, فقد تغيرت المنظومات الثقافية والقيمية للحضارات الأدنى وانزاحت نحو الحضارة الأقوى ماديا واقتصاديا، وتحت ذريعة حرية الحركة والتجارة, غزت المنتجات والبضائع الاستهلاكية للدول الغنية أسواق العالم، و اصبح العالم “قرية صغيرة” بالمدلول التجاري الاستهلاكي الربحي, وهو احد “المسلمات” التي فرضت نفسها على الافراد والمجتمعات.

جاء فيروس كورونا ليكشف سياسات الدول الغنية على حقيقتها, ويرفعها إلى قمّة المفارقات، وكما كان متوقعا، في اختلاطات الوباء بالمرض، أن تتعالى أيضا اتهامات “الحرب البيولوجية” ضد الخصوم المفترضين, ففيروس كورونا “سياسيّ” بأكثر من طريقة، فإدارة ترامب قللت التمويل لأبحاث الأوبئة, وساهمت في وقف المبادرات لحماية الأمريكيين من إمكانية الانتشار الكبير للأوبئة، وقد أغلقت برنامج بحث يدعى “بريديكت” عام 2019، وهو برنامج مختص بتتبع وبحث أكثر من ألف شكل من الفيروسات، وسياسة الإدارة الامريكية المتجاهلة للاحتباس الحراري للمناخ ، ويمكن تتبع هذا الاتجاه السياسي أيضا, عبر المنظومة العالمية التي تقوم في جوهرها، على حرب بيولوجية ضد “آخرين” مفترضين.

كورونا هو الوجه الحقيقي للعولمة، وعبر اعلامها المضلل, امتد جسر عولمة الخوف والتهويل، ليساوي بين الدول الغنية والفقيرة، بمن تمتلك الثروات وبمن يجتاحها الفقر، وهذا ليس غريبا على من ابتدع مفهوم العولمة وعمل في سبيله ومن اجله، في تدمير الهويات الوطنية للدول وخصوصية القوميات، وسلب القرار الاممي للمؤسسات الدولية السياسية منها والاقتصادية، من خلال سيطرته المطلقة على ثورة تقنيات ومعلوماتية واعلام مضلل، ساهم في تقويض حكومات ودول بعينها.

وهاهي سلطات الاحتلال الإسرائيلية, كيف التقطت الأزمة العالمية واستغلت حالة الخوف المشروعة، وبدأت في فرض سياساتٍ جائرةٍ وإصدار قراراتٍ قاسية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، بحجة أنها تريد أن تحمي مستوطنيهم وتقيهم من خطر انتقال فيروس كورونا إليهم، فأصدرت أوامر عسكرية بإغلاق المعابر، ومنع انتقال العمال والتجار والمرضى ومرافقيهم، وأقفلت حركة الشاحنات ونقل البضائع إلى قطاع غزة، وشددت الحصار المحكم المفروض عليه، رغم علمها أن مستشفيات القطاع تعاني من نقصٍ حادٍ في الأدوية والمستحضرات والأجهزة الطبية، ومضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في استغلال الوباء أسوأ استغلالٍ ضد الفلسطينيين، فأوقفت بقراراتٍ عسكريةٍ زيارات الأسرى والمعتقلين، لأنها تخشى – كما قالت في تعميمها – من انتقال المرض من الزوار إلى الأسرى والمعتقلين، الذين قد ينقلونه بدورهم إلى السجانين ورجال الشرطة، وإلى كل العاملين في السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف، واستطراداً قامت بتأجيل المحاكمات العسكرية، وأجلت جلسات العديد من الأسرى والمعتقلين الذين ينتظرون صدور الأحكام بحقهم، وحالت لذات الأسباب دون لقائهم بمحاميهم.

لكن أسوأ استغلالٍ إسرائيلي لفيروس كورونا، هو قيام سلطات الاحتلال بتنفيذ بعض بنود “صفقة القرن” في ظل غفلة دول العالم وانشغالهم ، فهي تقوم بتوسيع المستوطنات وبناء المزيد من الوحدات السكنية فيها، وشق الطرق فيها وحولها، تمهيداً لضمها إلى الكيان وبسط سيادته عليها، وتعتدي ايضا على المواطنين الفلسطينيين وتغتصب أرضهم وتصادر حقولهم، وتخلع أشجارهم، وتهدم بيوتهم، وتستولي على مصادر مياههم، وهي تقوم بهذا الفعل الجرمي وغيره في ظل صمت العالم وانشغاله، إذ تدرك أن الكون كله منشغلٌ عنها بهموم فيروس كورونا وتداعياته المقلقة على حياة البشرية جمعاء، ولهذا فهي تسابق الزمن في فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب على الفلسطينيين تجاوزها أو المطالبة بالتراجع عنها.

الدّرس الأهم الذي يُمكن استِخلاصه من هذه الكارثة، يتلخّص في أنّ العدالة والتّعايش، الحوار والتكافل الدّولي، الحقوق المشروعة في العيش الكريم وعلى قدمِ المُساواة، بعيدًا عن أشكال الاستِغلال والتّمييز العُنصري، والدّيني، والطّائفي، كلّها تُشَكِّل أقصر الطّرق للسّلام والاستِقرار في العالم، فهل تصل هذه الرّسالة إلى أمريكا ورئيسها ترامب التي تَقِف خلف كوارثنا السياسية والبيئية.

 

 

بقلم: د. باسم عثمان-كاتب وباحث سياسي

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

escort maltepe escort pendik escort çekmeköy escort mersin porno izle porno seks hikayeleri mersin escort bayan escort bodrum