كتاب عربموضوعات رئيسية

حسابات ” كورونا”… بين العولمة والاصالة

تمهيد:

بعيدا عن نظرية المؤامرة فان “الجندي المجهول” والوباء الفتاك “كورونا”, ظهر في ذروة المفاوضات التجارية بين أمريكا والصين, في اطار احتواء الصراعات والخلافات التجارية والاقتصادية بينهما, حيث تزامن هذا مع ما صرح به المتحدث باسم الخارجية الصينية, واتهامه للجنود الأمريكيين بنشر الفيروس, أثناء دورة الألعاب العالمية العسكرية بمدينة ووهان عام 2019,وكان اتهاما واضحا وصريحا لأمريكا بكامل المسؤولية عن نشر الفيروس ,في الوقت الذي قابله تصريح لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو: “فيروس ووهان”, ومن بعده تصريح الرئيس الأمريكي ترامب : “الفيروس الصيني “, والذي قوبل باستنكار شديد من الصين لاتهامها بالمسؤولية عن تصنيع الفيروس, ضمن منظومة الحرب البيولوجية وسباق التسلح بين الدول الكبرى.

والحقيقة تقول, ان الصين أنبرت لتقديم المساعدة للعديد من دول العالم كإيطاليا وإيران وغيرهما من الدول المنكوبة لمكافحة الفيروس, بينما أمريكا انكفئت وانشغلت بداخلها الأميركي, ولم تلمح أو تصرح بأنها بصدد مساعدة العالم علي مواجهة هذا الفيروس ,لدرجة انها لم تكلف نفسها عناء رفع العقوبات الاقتصادية عن الدول المنكوبة به, حتى تتمكن من مواجهة خطر كورونا, والتي تفرض عليها عقوبات وحصارا اقتصاديا منذ زمن, بل على العكس, جددت العقوبات من جديد في زمن كورونا , في الوقت الذي حاول فيه ترامب مرارا ولكنه فشل في الحصول على اللقاح حصريا لأمريكا من شركة ألمانية, وردت عليه ألمانيا بأن اللقاح والدواء حق لكل البشر وليس سلعة احتكارية ربحية, ذلك ما يعزز الاتهام بأن أمريكا هي المسؤولة عن هذا الفعل الوبائي واللاإنساني بشكل مباشر او غير مباشر, وإن الانهيار الاقتصادي في العديد من القطاعات والشركات والبورصات العالمية, قد لا يبرأ الشركات الاقتصادية العملاقة وخاصة الامريكية منها, ونفوذها السياسي والبحثي وعلاقتهما بأجهزة الاستخبارات العالمية, من المسؤولية عن المساهمة بتمويل أبحاث كورونا وانتشاره.

الازمات الوبائية ودورها في حياتنا:

يترك فيروس كورونا “المستجد” بصمته على كل نواحي الحياة في البلدان الغنية والفقيرة، فالعديد من دول العالم شلّت حركتها وأغلقت حدودها، وتباطأت فيها او شلت حركة التجارة والاقتصاد، ذلك يطرح تساؤلا, حول الأثر الذي تخلّفه الأوبئة الجرثومية الكبرى على المجتمعات وعلاقاتها التبادلية والاجتماعية والعلمية وحتى الأخلاقية والانسانية.

في السياق نلحظ، ان للازمات مهما كانت مأساوية، جوانب إيجابية لا تحصى، فهي تدق جرس الإنذار وناقوس الخطر لتوقظ البشرية من غفلتها، وتحفزها لإنتاج نماذج جديدة في العمل والعلاقات الإنسانية، ما كانت لتولد وتظهر، لو استمرت البشرية في تعاطيها لنماذج العلاقات والعمل القديمة، التي ضاقت بها “الطفرة النوعية” الاقتصادية والتقنية في الاقتصاد العالمي، وهو ما يراه مؤرخ العلوم لوران هنري فينيو من جامعة بورغوني الفرنسية ان “انتشار وباء ما يشكل دوماً امتحاناً لمجتمع وحقبة، وعلاقات تبادل بالية واهتمامات هامشية”.

اليوم، و وسط الرعب المتزايد عن مصير العالم في ظل انتشار كورونا المستجد، لا يخلو الحديث عن التغيرات التي سيشهدها العالم في مرحلة ما بعد كورونا,لانه ما من شك, ان “الجندي كورونا”, مثله كمثل اية ازمة وبائية او حرب عالمية تقليدية ستهز العالم باسره, من شأنه ان يغير مفاهيم و نماذج العمل(في البنى التحتية والفوقية),التي ما كانت لتتغير من مرحلة لأخرى, لولا ضرورة الازمة واستحقاقاتها العملية بإنتاج مفاهيمها الخاصة في طبيعة علاقات التبادل والاولويات, لذلك ومن باب الاعتقاد, ان دول العالم وخصوصا الغنية منها, واتحاداتها العالمية الاحتكارية العابرة للقارات, ما كانت لتخرج من عنق الزجاجة ونظام عملها القديم – الاحتكاري والاستغلالي– لتبحث جديا في كيفية اعتماد أنظمة وانماط عمل جديدة في كافة ميادين الحياة بأولوياتها المستحقة, لولا الامر الواقع الذي احدثه فيروس كورونا و”مفاعيله” على الصعيد المجتمعي الدولي, والذي عجزت عن تبنيه  واستبصار نتائجه, كبرى الاجتماعات الدولية للدول الصناعية والغنية, فيما يتعلق بحقائق : (الانبعاث الحراري وتلوث البيئة, الاستغلال الجائر لموارد الطبيعة, التعاون الدولي للحفاظ على البحار والمحيطات وثرواتها, احترام الانسان لقيمته الإنسانية في الحرية والعدالة الاجتماعية, استباحة سيادة الدول الفقيرة وجعلها سوق استهلاكية لمنتوجاتهم. الخ) في نظام عالمي تبادلي استغلالي يقوم على “عولمة الغني والفقير، القوي والضعيف”.

لذلك، الفيروس كورونا يضع النظام العالمي السائد امام صحوة الصدمة، وفرض عليه مناقشة كل اجراءاته وأنظمة عمله واولويات اهتماماته، وانه – أي كورونا -صاحب القرار في التغيير الحتمي لمجموع النظم الاقتصادية العالمية، ومنظومتها السياسية والاجتماعية والثقافية.

ربما ستكون سنة 2020 ,أنظف سنة في تاريخ البشرية، بعد ان زاد الناس من وتيرة نظافتهم، وجميع الدول اعتبرت كورونا فرصة للتعقيم الشامل، فقد حذر العديد من العلماء والهيئات المختصة ودقوا ناقوس الخطر في اكثر من مناسبة وبأكثر من توصية، من فداحة التلوث البيئي والاحتباس الحراري للمناخ ,وتلوث البيئة من الغازات والعوادم لمصانع الأغنياء, ولكن ” لا حياة لمن تنادي”، ولكن حسب تقديرات العلماء والباحثين, انه وبفضل كورونا, فان مستويات تلوث الهواء والغازات الدفينة أظهرت انخفاضا كبيرا فوق عدد من المدن والمناطق حول العالم, بسبب إجراءات الحظر المفروضة, وهناك علماء من نيويورك, وجدوا ان مستويات اول أوكسيد الكربون الناتج عن السيارات انخفض بنسبة 50 بالمئة مقارنة بالعام الماضي, كما انخفضت انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بشكل حاد, وأظهرت صور الأقمار الصناعية في إيطاليا انخفاض حاد في تلوث الهواء فوق شمال البلاد, كما لاحظت أيضا وكالة الفضاء الأوروبية, انخفاضا حادا في انبعاث ثاني أوكسيد النيتروجين, المنبعث من محطات توليد الطاقة والمصانع فوق شمال إيطاليا.

اما في الصين، ووفقا لتحليل اجراه أحد العلماء في جامعة ستانفورد، حيث قام بقياس مستويات (ب.م 2.5) وهي مادة دقيقة جدا، وتعتبر المسبب الرئيسي للوفاة بسبب تلوث الهواء، حيث وجدوا ان إجراءات الحجر خلال شهرين في الصين، من شانها: “انقاذ حياة 4 الاف طفل تحت سن الخامسة، و73 الفا فوق سن السبعين”، وقال علماء اخرون ” ان عدد الأرواح التي سيتم انقاذها جراء انخفاض معدلات التلوث في الصين، أكثر (20 مرة) من عدد الأرواح التي فقدت نتيجة كورونا” وفق مجلة فوربس,كما لوحظ في الصين أيضا، تحسن جودة الهواء في بكين بنسبة 21.5 بالمئة بتوقف المصانع والملاحة الجوية، وفق وزارة البيئة الصينية، في الوقت، الذي تربعت فيه الصين على عرش حجم الانبعاثات الغازية لمصانعها، والتي بلغت 30 بالمئة عالميا في العام الماضي.

استراحة محارب:

لذلك نقول، ان الأرض وغلافها الجوي ومواردها المستنزفة، ربما تحتاج الان الى استراحة ما، لكي تتصالح مع نفسها وتعيد انتاج دورة حياتها الطبيعية وتوازنها من جديد، حيث بعثت برسالتها الأولى(كورونا) الى كل الطامعين والمستغلين لسيرتها الأولى, ولربما ايضا شوارعها تحتاج الى خلع ثيابها والاستجمام تحت اشعة الشمس لوحدها، دون ان يعكر صفوها أحد منا، فقد أقلقها ضجيج السيارات وعوادمها، والعربات والمارة ونفاياتهم.

ولربما تحتاج المدارس والجامعات والمعاهد الى استراحة محارب، لتعود من جديد وبروح مختلفة، وقيمة علمية تحاكي الإنسانية روحا وشعورا، و لربما تغلق الأسواق أبوابها، لكي تمنحنا فرصة بان نتوازن في طبيعتنا الإنسانية، وننحاز للقيمة على حساب المادة، وان يستوي فينا الغني والفقير في العيش الكريم, وايضا اَن الأوان لمجلس الامن الدولي ان يغلق ابوابه وقاعته دون اصنامه، الذين ما انفكوا في نسج المؤامرات والحروب والقتل, بدافع الهيمنة والتسلط ومصادرة حقوق الشعوب في الحرية والعدالة الاجتماعية والسيادة، والسطو على مقدراتهم وثرواتهم، لصالح استعمارهم في شكله الجديد, في الحصار والعقوبات الاقتصادية وتجويع الشعوب وافقارها.

نعم, لقد احتاجت المساجد والمعابد والكنائس إلى طرد روادها, حتى يتم تعقيم قلوبهم وأرواحهم قبل أجسادهم, وتعلن حالة حجر على مكنونها القيمي و الروحاني, وترفع شعار “بكفي” الاتجار بالدين  وقبلته وفتاوى نصوصه , فأغلقت أبوابها تمردا على زيغ القلوب والانفس, حتى ترتدي الأجساد من جديد ثوب الطهر والنقاء, و لربما البحار والمحيطات اشتاقت الى نقاء مياهها وصفائه وهدوء امواجه, بعد أن ارهقتها مجاديف السفن وسممتها مخلفات المصانع العملاقة, واقلقتها هدير البوارج الحربية, وافزعتها التجارب النووية والهيدروجينية, التي غيرت من طبيعتها وروتين صيرورتها, فكان انذارها الأول “تسونامي” غاضب, ومن رحمتها ولطفها بنا, قررت بانها لن تكرر مأساته ثانية, فدعتنا الى اعمال العقل والتدبر وحوار” القيمة للقيمة” للحفاظ على ” قريتنا الصغيرة” من الاندثار. وكذلك العصافير والطيور، تحتاج لقيلولة واستراحة محارب، لتبسط اجنحتها على امتدادها في السماء بحرية، غير أبهة بالمعادن الطيارة وزحمة مرورها وسمومها، ولا بالصواريخ العابرة للقارات التي تخفي تحت اجنحتها الموت للناس المسالمين، لتعلن تحرير السماء من الغزو البشري وتماديه اللاأخلاقي لموطنها السيادي.

العقلانية المطلوبة:

ان “العقلانية العالمية” ولغة الحوار الواعي يتطلب, إعادة النظر في كل المنهج الاقتصادي العالمي، سياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتعامل مع البشرية انطلاقا من قيمتها الإنسانية، والتخلي عن الجشع والنهب الأناني للمجتمعات المتقدمة على حساب الفقيرة، واسقاط “العولمة” وكل اثارها واستحقاقاتها، التي حولت الانسان الى سلعة تبادلية في السوق العالمي، القائم على سباق التسلح بكل اشكاله، والحصار والعقوبات الاقتصادية وسياسة التجويع، على حساب حقوق الانسان في الحرية والسيادة فوق ارضه وثرواتها, و توفير الضمان الاجتماعي والصحي والعيش الكريم.

ان “العقلانية العالمية” ولغة الحوار يتطلب، حراكا ثوريا عالميا لإصلاح الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة، بما يضمن مصالح البشرية جمعاء، والحفاظ على ثروات الطبيعة ومخزوناتها من الاستغلال الجائر لمواردها، نظام عالمي (سياسي –اقتصادي) يقوم على التعاون والسلم العالميين وحوار الثقافات وليس تصارعها، بما ينهي كل أشكال العنصرية والتمييز والتسلط السياسي والاقتصادي والثقافي، كل اثارالعولمة ونتائجها الكارثية على المجتمعات، وخصوصا التنموية منها والفقيرة.

نحتاج أن نتعلم ونتدبر ونتعظ ونحترم الطبيعة وقوانينها، لندافع عن آخر معاركنا في تقديس انسانيتنا، ونعيد ترسيخ القيم والأخلاق التي غادرتنا.

بقلم: د. باسم عثمان- الكاتب والباحث السياسي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم