كتاب عربموضوعات رئيسية

النفط هو المحرك العالمي فلا فرح بإنخفاضه

احببت أن ابدأ مقالتي بطرفة عن رجل بخيل مر بجزار وسأله عن سعر اللحم فقال له دينارين فذهب وفي اليوم التالي رجع للجزار وسأله عن سعر اللحم فقال ثلاثة دنانير فقال له البخيل ضع لي ثلاث كيلو استغرب الجزار وقاده فضوله ليسال البخيل عن تصرفه ولماذا لم يغتنم رخص اللحم أمس ويشترى فرد عليه البخيل لست احرص مني ولكن بالامس لم يكن هناك دنانيير واليوم وجدت، من هنا فالارتفاع والانخفاض باسعار السلع وايضا الحاجة لها ليس مطلقلا ليتم اقتنائها، الاساس هو القدرة الشرائية، لقد فرح الكثيرين لانخفاض اسعار النفط وتدهو إقتصاديات ولكن هذا ليس المعيار للفائدة المحلية والشخصية، إن ارتباط العالم ببعضه واعتماده على بعضه ايضا اصبح واقعا لايمكن الهروب منه، واصبح التضخم هو المسير للاقتصاد العالمي بمفهومه الليبرالي.

إن ازدهار سلعة معينة أو اقتصاد دولة معينة يؤثر عالميا وليس فقط محليا وإن كان التاثير مختلف، ومن هنا ظهرت نكنة أخرى في الوسط الشعبي “واحد عطس بالصين نزل راتبي” بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نعم المقولة صحيحة، الاقتصاد العالمي ربط نفسه متعمدا أو غير متعمد بالنفط وظهر مفهوم البترودولار وهذا ليس عفويا، بل هو من اساسيات الليبرالية، ومع ذلك الجميع استفاد من هذا الامر وبشكل مباشر، فعندما بدأت دول الخليج العربي بالاستفادة من ارتفاع سعر النفط استفادت كل دول العالم من هذا الارتفاع بشكل مباشر فمنها من أخذ معونات ومساعدات مباشرة، ومنها من استفاد بهجرة ابناءه لدول الخليج لتحسين أوضاعه المادية بعد أن بدأت دول الخليج في استثمار التدفقات المالية لتحسين وتطوير دولها فبدأت بانجاز مشاريع ضخمة استقطبت كل الكفاءات والعمال والمهنيين للعمل بها واستفادت من التضخم الذي حصل في هذه الدول لتتأثر بتحويلات مالية عالية لم تمانع دول النفط بأن تحول لخارجها لانها كانت تحصل على عوائد ضخمة جراء ارتفاع اسعار النفط ورجحان ميزانها التجاري واصبح عندها فائض لتنتقل لمرحلة الرفاهية العالمية وتنقل مواطني دول النفط للسياحة والاستثمار في بلدان كثيرة عالمية فحركت اقتصاديات العالم.

ولنرجع قليلا للوراء للازمة المالية 2008/2009 كيف استطاع العالم الخروج منها سالما ومتعافى بإتزان وكان المحرك للاقتصاد العالمي هو دول النفط والنفط حيث أن الدول النفطية دخلت في استثمارات ضخمة في ببنيتها التحتية والترفيهية في بلادها وفي دول عالمية كثيرة مع تضخم كبير للسلع مقارنة باسعارها قبل الازمة وخاصة العقارات حول العالم حتى وصل العالم الى اشباع بالقطاع العقاري ووصل لذروة الاشباع والتضخم  ودول كثيرة بنت جزء من اقتصادياتها على القطاع العقاري ومثال ذلك تركيا، ومن جانب آخر حلت دول النفط مشاكل كثير من الدول وخاصة اوروبا وامريكيا من خلال وصول دخل الفرد في دول النفط أعلى من الدول الاروربية والامريكية مما جذبت كثيريين للعمل في دول النفط خاصة مع بطالة عالية في هذه الدول ووصل الامر لمهن مثل التعليم.

المشكلة التي ظهرت في دول كثيرة عالميا هو أنها رفعت دخل شعوبها بشكل مباشر أو غير مباشر لتتمشى مع الارتفاع العالمي بدخل الفرد، وهذا ادخل جميع دول العالم الى مشكلة تشغيلية حيث اصبحت أغلب الدول موازنة التشغيل الاعتيادية والروتينية عالية خاصة في دول ليس لديها مشاريع ضخمة أو اقتصاد قوي يستطيع أن يقايض أي ارتفاع عالمي برفع سلعته الاساسية أو محفظته المالية ولاسف بعضها يعتمد على المساعدات، فكان البديل مباشرة نحو الاقتراض الداخلي والخارجي وفرض ضرائب على المواطنين، لتدخل مباشرة في حضن المؤسسات المالية العالمية لتنظم امورها المالية.

الصين قد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي استطاعت بفكرها الاقتصادي أن تكون متوازنة في الدخول بنفق زيادة التكاليف التشغيلية للدولة ودخل الفرد، ومع ذلك لم تحرم مواطنيها من شيء في عالم الرفاهية وكانت الصين لمن يتابع من أكثر دول العالم صرفاَ على المشاريع الراسمالية والبنى التحتية ولكن بفكر استثماري يخدم الدولة والمواطن فغزت العالم ببضائعها بجميع الرتب التصنيعية وباعتماد على فكر الهندسة العكسية، فاطول الطرق والجسور والقطارات في العالم انجزت في آخر عشرين سنة كانت بالصين ولكن بفكر استثماري بأن يعود لتحريك العجلة الاقتصادية وزيادة الاستثمار والتصدير، وكان رأس المال الصيني الوطني أكبر داعم للوطن، بعيدا عن مشاريع الرفاهية والتي قد تبدوا بنى تحتية (في بعض الدول)، بل وتعدى ذلك خروج راس المال الصيني للعالم والاستثمار بدول كثيرة.

الكورونا في طريقها للتلاشي وإن ظهرت موجات جديدة منها فالعالم اصبح قادرا على مواجهتها، ولكن يبقى الهم الاقتصادي هو الاساس وهو رجوع عجلة الصناعة والاستثمار العالمي لحالة اتزان وهذا لا يعني أن يكون كما كان أو أنه يكون فكر جديد المهم الوصول لمرحلة الاتزان، والاتزان يحتاج لادوات ومحرك رئيسي وهو النفط والدولار ولكن على الدول أن تكون كسبت تجربة انسانية وعلمية فيما يخص طريقة عيش شعوبها وتوزيع الفرص وخاصة أن الكثير من الارتدادات السلبية في الطريق، والبعض اصبح جاهزا لتقليل سلبيتها والاستفادة من الفرص.

العالم بحاجة لرجوع النفط كسوق وسلعة محرك للاقتصاد العالمي فالجميع اصبح لديه القناعة أن النفط لا يمكن أن يكون فوق 100 دولار ولا رخيصا كما هذه الايام حول 20 دولار، فإن تعافي العالم اقتصاديا سيكون برجوع النفط لوضعه المقبول فهبوط النفط لن تستفيد منه الدول الصغيرة بل ستعاني أكثر مقارنة مع الدول الكبرى، والدول المصدرة لن تكون سعيدة بارتفاع كبير للنفط لان هذا سؤثر على الكميات المباعة أو المتعاقد عليها، برايي أن المشاريع الضخمة بالعالم بحاجة لاستثمارات ومشاريع ضخمة لا يمكن انجازها دون أن تكون اسعار النفط في وضع صحي مفيد لجميع الاطراف، فالاولى في العالم هو استقرار سوق النفط وحفظ اقتصاديات دول النفط وبخلافه سوف نكون في مواجهة طوفان اقتصادي سلبي يوقف عجلة الاقتصاد العالمي، وعلى الدول العالمية أن تستفيد من التجربة الصنية وتستثمر بالانسان أكثر من الاستثمار برافهيته فثقافات العالم مختلفة أما حاجات الانسان الاساسية فهي واحدة، وخاصة العيش والعلاج، خلاصة تجربة الكورونا.

 

د.ابراهيم سليمان العجلوني- كأتب اردني

رأي اليوم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم