كتاب عربموضوعات رئيسية

أردوغان بين العودة إلى نظرية داوود أوغلو والانضمام إلى المحور السعودي الاماراتي الإسرائلي؟/ د. عبد الحميد فجر سلوم

مع بدايات هذا القرن، طرحَ الأكاديمي، والسياسي، أحمد داوود أوغلو(وزير خارجية تركيا، ثم رئيس وزرائها السابق) نظرية حديثة عن كيفية استغلال تركيا لموقعها الجيو استراتيجي والجيوبوليتيكي، والاستفادة من ذلك لتُصبِحَ لاعبا دوليا وإقليميا، في كل محيطها الإقليمي..

هذه النظرية جاءت في كتابهِ الشهير وعنوانهُ (العُمق الاستراتيجي  Strategic Depth ) الصادر عام 2001 ..

وفي هذا الكتاب يُجادل السيد أوغلو أن تركيا قد أصبحت بلدا مفتاحا في المنطقة وأنها خدمت كقاعدة متقدمة لحلف الناتو خلال الحرب الباردة، واستخدامها اليوم لموقعها الجيوــ استراتيجي، والجيوــ بوليتيكي، وخاصة في الشرق الأوسط، إنما سيجعلُ منها لاعبا عالميا..

أي أنه رسم استراتيجية لِدور تركيا بعد نهاية الحرب الباردة، وبعد تفكُّك الاتحاد السوفييتي، وكافة المنظومات الدائرة في فلكه.. لاسيما أن تركيا توجدُ في منطقةٍ (رخوةٍ من العالم) مُحاطةٍ دوما بكل أشكال الصراعات، وعليها أن تعرف كيف تستغلها لمصلحتها، من الشرق الأوسط إلى البلقان إلى جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وإلى المتوسط.. وأن تكون مؤثِّرةً وفاعلةً في كل ذلك، وليست منفعلةً ومُتابِعةً للأحداث والتطورات فقط..

**

نظرية (العمق الإستراتيجي) للسيد أوغلو قامت على أساسين: الموقع الجيواستراتيجي، والعُمق التاريخي ..

وباعتقاد السيد أوغلو أن تركيا تتمتع بالعاملين ..

فموقعها يؤهلها للتأثير في المناطق الجيوــ بولتيكية ، وإرثها العثماني يؤهلها ايضاً لتكون قوة إسلامية إقليمية كبيرة..

وجادلَ السيد أوغلو، أن تركيا لا يجبُ أن تعتمد على لاعبٍ واحدٍ على الصعيد الدولي، أي لا تضع بيضها كلهُ في سلّةٍ واحدةٍ، وإنما عليها أن تعمل بدأبٍ لخلقِ سُبُلٍ للتوازن في علاقاتها وتحالفاتها حتى تتمكن من المحافظة على استقلالها، وتُشكِّلُ ثِقلا على المسرح الإقليمي والدولي..

وكل هذا بنظر السيد أوغلو يتطلبُ من تركيا “تصفير” خلافاتها مع كل محيطها الإقليمي وإيجاد الحلول والتسويات لذلك.. وأطلق على هذه النظرية (خيار الصفر Zero Option ) ..

وهذا التعبير، “خيار الصفر” هو الاسم الذي أطلقهُ الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1981 والقاضي بسحب كافة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، الأمريكية والروسية، من أوروبا..

ومن ثم تَوَسّع هذا المصطلح (خيار الصفر) ليشمل فكرة إزالة الأسلحة النووية في كل مكان..

**

ولكن حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر.. فالرئيس رجب طيب أردوغان لم يعمل وفقا لنظرية السيد أوغلو.. ولم يُصفِّر الخلافات مع أيٍّ من محيطهِ الإقليمي، وإنما العكس، فقد زادهُ توترا.. مع سورية ومع العراق ومع أرمينيا ومع قبرص ومع اليونان ومع مصر والسعودية والإمارات.. الخ.. وأخذ يتدخلُ في كل مكان، من ليبيا وشرق المتوسط، إلى القوقاز وناكورنو  كاراباخ.. وإلى آسيا الوسطى.. واتّخذَ مسارا صِداميا في سياساتهِ..

أي حاول إعادة إنتاج السُلطة العثمانية بقوالبٍ جديدةٍ، ولذلك لم يكُن مُستغرَبا أن يُطلِق البعض عليهم وصف ( العثمانيون الجُدد) ..

**

بعد سنينٍ طويلةٍ من هذه السياسة الصِدامية، يبدو أن أردوغان أدركَ عبثُها وعدم جدواها، فاستدارَ لإحياءِ نظرية أحمد داوود أوغلو في “خِيار الصفر”.. والسعي لتصفير مشاكل تركيا في محيطها الإقليمي والعربي والشرق أوسطي وفي القوقاز وآسيا الوسطى..  والظهور بمظهر الوسيط الدولي..

فسعى للعب دورٍ الوساطة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.. واستقبل رئيس إسرائيل  بحفاوةٍ بالغةٍ في أنقرة.. وسعى لترطيب العلاقات مع أرمينيا.. وغيّر مسار العلاقات مع الإمارات ومع السعودية مائة وثمانون درجة، من التوتر والاتهامات، إلى الانفراج والتعاون.. ويسعى لذلك مع مصر..

والسؤال: هل سينجح أردوغان في ذلك؟.

ما زالت أمامهُ تحدياتٍ كبيرةٍ جدا، كما علاقاته المتوترة مع الأكراد في سورية والعراق، وداخل تركيا.. واحتلالهٍ لأكثر من 8835 كم2 من الأراضي السورية في الشمال، عدا عن قضية اسكندرون.. ودعمهِ للمجموعات المتطرفة في محافظة إدلب.. وعدم وجود تسوية في قبرص.. والحدود المُغلَقة مع أرمينيا، وعدم تسوية الخلاف التاريخي الذي نجم عمَّا يُعرفُ بالإبادة الجماعية للأرمن في عام 1915 ، مع بدايات الحرب العالمية الأولى.. وعدم تسوية الخلافات مع اليونان في بحر إيجة.. الخ..

إذا كل هذه ما زالت تحديات تواجهُ أردوغان ويجب تسويتها، حتى يمكنهُ تصفير خلافات تركيا مع محيطها الإقليمي..

بل الأهم أيضا، هو الداخل التركي، فالمطلوب من تركيا أن تتصالح مع ذاتها، وتعطي أبناء الأعراق والمذاهب الأخرى حقوقهم الشرعية والإنسانية، حتى تُحقِّق معايير الانضمام للاتحاد الأوروبي..

فهي ما زالت تنظر الى هؤلاء، وعددهم  يفوق نصف عدد مواطني تركيا، أنهم جماعات لها خصائص ثقافية واجتماعية  فقط ولكن لا يعترفون بها كمذاهب وقوميات لها حقوقها ويجب أن تمارسها بحرية وذلك في خرقٍ سافرٍ أيضا للمادة 141 من  معاهدة “سيفر”  التي تعهدت تركيا بموجبها : “بحماية حياة وحرية كل سكان تركيا دون تمييز للمولد والقومية والعِرق والدِّين، وأنّ من حق الجميع  الممارسات الحرة، العامة والخاصة، لأية عقيدة ودينٍ ومُعتقد”..

وفي ذات المعاهدة  في المادة  142  تمّ وصفُ القيادة  التركية  التي جاءت للسلطة منذ  الأول من تشرين  ثاني1914(أي منذ بداية الحرب العالمية الأولى ) أنها نظام ارهابي ( Terrorist  Regime )  ورموز ذاك النظام هم  من يتغنى  بإرثهم  اليوم ، العثمانيون الجُدُد، كما السيد أحمد داوود أوغلو  وأردوغان ومُريديهم..

فالطريق ما زال طويلا حتى تتحقّق نظرية أحمد داوود أوغلو..

فهل يهدفُ أردوغان فعليا إلى تصفير مشاكل تركيا مع كل المحيط الإقليمي، وما خلفهُ، أم أن الهدف هو الانضمام إلى المحور العربي الإسرائيلي الجديد؟.

وهل ستشاركُ تركيا مستقبلا باجتماع ” النقب 2″  بين وزير خارجية إسرائيل وبعض نظرائه العرب؟. الزمن سيجيب..

كاتب سوري وزير مفوض دبلوماسي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى