كتاب عربموضوعات رئيسية

الحلف الاسرائيلي الأطلسي العربي ضد ايران!/الطيب بن إبراهيم

 هل التاريخ يعيد أحداثه ولا نقول نفسه؟ هل نجحت إسرائيل في أن تصنع ما صنعته أمريكا، وأن تتبع خطاها؟ هل صحيح أن الاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا الاتحادية لاحقا هي الخطر المهدد لأمن واستقرار جيرانه الأوروبيين، وأن الأوربيين هم في حاجة لحماية ومظلة الولايات المتحدة أمريكية؟ وهل نفس الخطر تشعر به دول الخليج العربية من طرف جارتهم ايران التي تهدد أمن واستقرار المنطقة؟ وأن الدول العربية الخليجية في حاجة ماسة لحماية ومظلة إسرائيل؟ وهل هذا هو واقع الحال أم ذلك صنيعة دعائية أوجدتها أمريكا لفرض وصايتها على أوروبا وإبقائها تابعة لها وقاعدة أمامية في أي مواجهة مع روسيا، لتبقى أمريكا في الخلف محمية وراء أوروبا والمحيطين؟ وهل نفس الشيء نجحت إسرائيل في صنعه، ونجحت في قطع الطريق أمام أي تحالف عربي خليجي مع ايران الجارة جغرافيا والمسلمة عقائديا، وتحويل ايران لبعبع وهمي يهدد أمن دول المنطقة، التي تحتاج لدولة قادرة للتصدي لإيران إقليميا، ولا بديل عن ذلك غير إسرائيل؟.

إنها لعبة ما كان يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي “الصراع الفكري”، وما تصنعه مخابر ذلك الصراع ومراكز اتخاذ القرار، التي تحوّل الأيديولوجية تارة إلى جغرافيا سياسية، بل تغلب الأيدولوجية على العقيدة كما هو الحال مع ايران، وبدل “لا اله إلا الله محمد رسول الله”، التي توحد المنطقة وسكانها، أصبح شعار السنة في مواجهة الشيعة هو الأقوى، وكلاهما منطلق ديني، فالأول يوحد والثاني يفرق ويباعد، فالدين يوظف بالطريقة التي لا يريدها أصحابه، بل بما يريدها غيرهم، بطريقة التباعد، فتم قطع كل الروابط المشتركة، التي تقرب بين شعوب المنطقة، التاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية والنفسية والحضارية، وأصبحت روابط مخابر الصراع الفكري، وتوظيفه الأيديولوجي هي الأقوى!!.

     ما كان يتداول في السر ظهر للعلن، وأصبح أمرا واقعا، واعترفت به صاحِبتا القرار أمريكا وإسرائيل، خاصة بمناسبة الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي “بينيت” للإمارات العربية المتحدة يوم 9 يونيو/جوان الحالي 2022، لتعلن إسرائيل بصفة رسمية أنها نشرت “منظومة رادار” إسرائيلية للإنذار المبكر في بعض الدول العربية الخليجية، فيما طرح أعضاء في الكونغرس الأميركي مشروع قانون يقضي بأن تسعى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى دمج الدفاعات الجوية لإسرائيل بدول عربية، بما في ذلك حتى الدول العربية التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل .وقد تم ذلك فعلا بعدة دول عربية، وذلك لمواجهة التهديدات الإيرانية، وقد سبق أن استفادت إسرائيل فعلا من خدمات مشروعها حسب اعترافاتها، والغريب في الأمر أن العلاقات بين بعض الدول العربية وإيران هي سمن على عسل سياسيا واقتصاديا، وتبادل الزيارات لم يتوقف، وهي في نفس الوقت تحت حماية منظومة “الإنذار المبكر” الإسرائيلية لحمايتها من الخطر الإيراني!!.

     لقد نجحت أمريكا في تحويل دول أوروبا إلى شرطة تابعة لها لتنفيذ مهامها كما حدث أثناء معاقبة العراق وأفغانستان وليبيا ويوغسلافيا، وكما تستعمل في حصاراتها لإيران وكوريا وفنزويلا وغيرها، ونجحت في تصوير البعبع الروسي، أنه يمثل خطرا يهدد أمن كل جيرانه في أوروبا، وأمريكا تقف في صف حلفائها لحمايتهم من الخطر الروسي. ويبدو أن التجربة مُغرية، وها هي وصلت لإسرائيل حامية الدول العربية الخليجية مستقبلا!!. فلمَ لا تَعتبِر إسرائيل بمثلها الأعلى وحليفها الأوفى أمريكا، وتصور إيران كخطر يهدد الأمن، وتعمل على تأسيس حلف أطلسي إسرائيلي صغير يشبه إلى حدّ ما حلف أمريكا الكبير مع الأوروبيين، ويبدو في هذه الحالة أن الفائزين في التجربتين هما أمريكا وإسرائيل، وأن الخاسرين هما الدول الأوروبية والدول العربية، فأوروبا هي الخاسر الأول اقتصاديا في أزمة أوكرانيا أكثر من أمريكا، بل أكثر حتى من روسيا.

      لكن خسارة العرب هنا ليست اقتصادية فقط كحال الأوربيين، الذين يوصف موقفهم كمن يطلق النار على قدميه، بل العرب هنا خسارتهم استراتيجية ومصيرية، كمن يطلق النار على رأسه، فإسرائيل التي زرَعها الغرب الاستعماري، أصبحت تتم رعايتها وحمايتها بعد أن بلغت أشدها من طرف دول عربية مجاورة لها، على حساب وجود هذه الدول، بحجة ودوافع وجود عدو خطير يهدد أمن المنطقة والعالم كله، وهو دولة ايران، وهذا هو التصور الإسرائيلي الأمريكي الذي نجحتا في فرضه على جيران ايران، العرب، وهكذا نجحت إسرائيل بقوة خارقة في أن تعيد إيران لما كانت عليه قبل ثورتها سنة 1979، ولو تصوريا، وهو أن ايران عدوة للعرب ولمصالحهم، والحقيقة أن ذلك العداء كان هو واقع الحال في عهد الشاه وقبل الثورة الإيرانية، حيث كانت إيران أقرب وأقوى حليف لإسرائيل وأمريكا بالمنطقة، وأخطر جار يهدد مصالح وأمن العرب. فالغرب يوظف ايران ضد مصالح العرب بدون إرادة عربية؟.!

 والحقيقة التي تتلاعب بها أمريكا وإسرائيل في زرع الأوهام ورعايتها،  وإخفاء الحقائق، هو أن معادات أمريكا وحلفائها لروسيا كانت حتى قبل الحرب العالمية الثانية، وأن معادات أمريكا وحلفائها لإيران ومحاصرتها كانت حتى قبل مشروعها النووي، منذ قيام ثورتها سنة 1979، وانقلابها ضد ما سمته “الشيطان الأكبر”. ونفس التجربة تتكرر مرة أخرى من حيث المبدأ، فالاتحاد السوفياتي كان ضد الاستعمار والإمبريالية، ويقوم بدعم الحركات الثورية والتحررية، ولكن أمريكا وحلفاءها حولوه إلى عدو للعالم الحر وللديمقراطية، ونفس التجربة مع ايران، وهي تدعم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، فحولوها لعدو ضد سكان المنطقة، وهنا نكتشف كيف أصبح من يقدم الدعم والإسناد للمقاومة عدو، ومن يرتكب المذابح صديق موثوق. إنها صناعة المخابر الفكرية والأيديولوجية الأمريكية والإسرائيلية، التي تروض العقول وتطوع الأفكار، فتجعل الأبيض أسودا والأسود ابيض، والبريء متهم، والمتهم بريئا!!.

 لماذا كل هذا الإشهار والتشهير والتحذير من طرف إسرائيل، ضد البرنامج النووي الإيراني، وهو المشروع النووي الأكثر شفافية ومراقبة من الوكالة الدولية للطاقة النووية، ومع ذلك العمل على نشر الخوف والهلع من المشروع لأغراض سياسية وأيديولوجية وليست علمية، بينما مشاريع نووية أخرى خطيرة بالمنطقة تدار أنشطتها في سرية تامة، ولا أحد يجرأ على الحديث عنها؟!. وأخيرا حتى ولو كنا متشائمين، وسلمنا جدلا بامتلاك ايران لسلاح نووي، فهل فرنسا وبريطانيا وأمريكا وإسرائيل، التي تمتلك الأسلحة النووية، هل هي أشرف وأرحم من إيران؟، وهي الدول الأربع الأولى عالميا في تاريخها القديم والحديث استعمارا وإبادة واستعبادا للشعوب العربية والإسلامية، والأكثر نهبا وسلبا لثروات وموارد المنطقة، والأولى أيضا غدرا وخيانة للعرب، انطلاقا من وعد بالفور ووصولا إلى واقع خيانة التطبيع، فلمَ لا نترك الأمر محصورا بين المتنافسين فيما بينهم بعيدا علينا؟!.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى