كتاب عربموضوعات رئيسية

اليمن والمستقبل المجهول بين المجلسين /السفير نايف القانص

من أين نبدأ هل من 2006 أو من 2011 أو 2014 أم من 2015 أو 2022م، كل هذه المحطات التاريخية مرتبطة بما وصلت إليه اليمن.

اليمن في عام 2005 كان على موعد مع الأسس الديمقراطية على أرضية صلبة والانتقال لدولة المدنية الحديثة، كان يستعد لانتخابات 2006 التي فاز بها الرئيس السابق علي عبد الله صالح التي اعتبر مراقبون دوليون أنها انتخابات تنافسية، ومفتوحة، ولكن التنافس السياسي وصراع المصالح بدأ من هنا.

بدأت أطراف من القوى المحلية والإقليمية والدولية في تغذية التوتر حتى تنامى واكتمل في عام 2011، حيث بدأ اليمن يسير نحو المجهول. دون أن يستدرك حكماء وعقلاء اليمن خطورة الموقف وهذا الانزلاق الكبير وفقدان القرار السيادي، فكان التدخل الإقليمي والدولي الذي أصبح مباشراً، وارتهن قرار اليمن بالمبادرة الخليجية بتحكم إقليمي ودولي وتحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتضاعفت الاحتقانات في عام 2014 وأخذ الوضع يأخذ أشكالاً خطيرة ومأساوية وتطورت الأحداث لتبدأ مرحلة تنفيذ الأجندات الخارجية على الأرض اليمنية لكل طرف على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، والتدخل بعنف في مارس 2015م، مما تسبب بآثار كارثية على اليمن الأرض والإنسان والدولة على جميع المستويات.

فالدمار الذي مارسه اللاعبون المحليون “القوى السياسية”، والإقليميون والدوليون في اليمن، قضى على كل مقومات الحياة بعد أن تدمرت البنية التحتية أصبح أكثر من 23 مليون إنسان تحت خط الفقر، وانقطعت المرتبات وسبل العيش.

سبع سنوات وأربعة أشهر من حرب تدميرية وحصار وقوى محلية مكابرة ومرتهنة للخارج ليس لديها الاستعداد لتقديم أي تنازلات بما من شأنه أن يخفف عن الشعب كل هذا العناء.

حكومة الإنقاذ في صنعاء “حكومة الأمر الواقع” لم تتخذ أي خطوة جادة من شأنها أن توفر مرتبات الموظفين بعد انقطاع يتجاوز الست سنوات، بل على العكس من ذلك يتنامى الفساد بشكل لم يسبق له مثيل منذ أن قامت الثورة اليمنية عام 1962م، وتحمل حكومة الرياض “ما يسمى شرعية” المسؤولية، وهنا التناقض الكبير كيف تطالب من حكومة أنت لا تعترف بها أو بشرعيتها أن تغطي رواتب الموظفين مع وجود حكومة يعملون تحت رعايتها؟.

الطرف الآخر هو ما يسمى حكومة الشرعية، وهي الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من قبل التحالف والمجتمع الدولي تتنصل أيضاً من تسليم المرتبات وتحمل حكومة صنعاء المسؤولية أو حسب ما تسميهم “الانقلابيين”؟.

وهناك طرف ثالث الانتقالي أيضاً رغم محاولة اندماجه في مكون ما يسمى شرعية ويسيطر على جزء كبير من جنوب الوطن، ويتحمل مسؤولية أيضاً، وبين هذه الأطراف والأطراف الإقليمية والدولية التي وجدت من اليمن ساحة لتصفية صراعاتها وتحقيق أهدافها على حساب الشعب اليمني لوجود قوى سياسية مرتهنة لتلك القوى الخارجية وتنفذ أجندتها تحت شعارات مختلفة منها المدافعة عن السيادة والتحرر، ومنها محاربة الانقلابيين، ومنها استعادة دولة الجنوب.. وبين كل هذه القوى يضيع شعب ووطن أرض وإنسان، يعاني من الأمراض وسوء التغذية، وشبه انعدام للأمن الغذائي حيث يحتل اليمن المرتبة الأخيرة في ىالفجوة العالمية بين الجنسين في المنتدى الاقتصادي العالمي. اليوم المنطقة والعالم يمران بمتغيرات كبيرة، وموازين القوى اختلت، وهيمنة القطب الواحد اهتزت وحتى حلفاء أمريكا في المنطقة أصبحوا يتمردون عليها بل شاهدنا جميعاً الزيارة المذلة لبايدن وما ترتب عنها من ردود فعل دولية وما صاحبها مما سمي بقمة الأمن والسلام في جدة والتي ضمت أمريكا ودول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق التي خرجت بما لا تريده أمريكا.

والمهم جداً هنا أن يستوعب اليمنيون كل هذه الأحداث والمتغيرات، وتغييب اليمن الغائب الحاضر في تلك القمة ومدى استضعاف تلك القوى لليمن مع وجود رئيس ما يسمى بالمجلس الرئاسي ومع ذلك لم يدع للقمة مع أن اليمن هي من أهم الدول من حيث الموقع الاستراتيجي الذي يؤهلها لأن تكون لاعباً أساسياً في أمن المنطقة.

–  فهل يستوعب اليمنيون الدرس؟ ويعودون لرشدهم؟

– هل نتنازل لبعضنا البعض ونخوض حواراً يمنياً يمنياً دون الحاجة لأي رعاية خارجية؟.

– يكفي كل طرف من أطراف الصراع ما حققه من أرباح وثروات على حساب الدم اليمني وعامة الشعب.

الحرب مهما طالت لن تحسم الوضع ويبقى الحل السياسي هو الحاسم في نهاية المطاف، فلماذا لا نختصر المسافات وننهي المعاناة.

لا يوجد منتصر أو مهزوم، الكل مهزوم إذا استمر القتال واستمرت الوصاية الخارجية، والكل منتصر إذا تجاوزنا الخلافات والوصاية الخارجية والتقينا على طاولة واحدة، في حوار يمني يمني ومن كل المحافظات اليمنية في إحدى

المدن اليمنية.

فلا شرعية للمجلس السياسي الأعلى ولا شرعية لمجلس القيادة الرئاسي، الكل يدعي الشرعية بمسوغات لا تتطابق مع مفاهيم العمل الثوري ولا تستمد قوتها من الدستور النافذ، ولكن بإمكان المجلسين أن يأخذا شرعيتهما من الشعب اليمني عندما يقدموا المصلحة العامة على جميع المصالح الحزبية والفئوية والشخصية ويلتقوا على كلمة سواء لإنهاء معاناة الشعب اليمني واستعادة السيادة اليمنية.

نستفيد من المتغيرات الدولية ويتم توظيفها لمصلحة اليمن لا للمصالح الإقليمية والدولية على حساب السيادة الوطنية المنتهكة أساساً بسبب فشل المنظومة السياسية والارتهان للخارج.

إذا استمر الوضع كما هو عليه الآن فإن الشعب سيلفظ الجميع وسيحدد مصيره بعيداً عن المجلسين فلا تزال اليمن ولادة وتزخر بالكوادر الوطنية والقوى الحية.

اليوم نحن ناصحون وغداً سنكون كاشفين لكل تجاوزات وجرائم القوى المتصارعة ومن يقف خلفها ومن التي غلبت مصالحها ومصالح أحزابها وجماعتها وتاجرت باليمن أرضاً وإنساناً، ولن يستمر تجار الحروب في تجارتهم الإجرامية.

*سفير اليمن السابق في سورية

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى