كتاب عربموضوعات رئيسية

ثورة 23 تموز… ثورة جمال عبد الناصر والضباط الاحرار… ثورة الامة العربية/ بسام أبو شريف

في 23 تموز من العام 52 كان لي من العمر ست سنوات وكنت اذهب يوميا الى مدرسة الفرير لالتحق بصفي مع طلبة صغار السن بمثل عمري لكن ذلك اليوم كان يوما مختلفا أثر في نفسي وفي مستقبلي وفي حياتي كل التأثير .

منذ الصباح الباكر كما هي العادة اسرعت نحو الحمام لاغسل وجهي ويدي وامشط شعري وارتدي ثيابي لالتحق بباص المدرسة الذي كان يصل الى بيتنا كل يوم في السادسة صباحا وما ان انهيت استعدادي للذهاب للمدرسة وكنت قد بكرت قليلا حتى التحقت بأبي  الذي كان يجلس امام مذياع صغير من نوع جروندغ يسمع اخبارا كما يبدو كانت مهمة جدا لدرجة انه كان يستمع للانباء ولم ينهي بعد حلاقة ذقنه فكان نصف وجهه مليء بالصابون وبيده آلة الحلاقة لكن اذنيه كانتا مرتخيتان وملتصقتان بذلك المذياع الصغير الذي كان يخرج الاسواط متحشرجة .

لم يكن في تلك الأيام أجهزة الاعلام كان هذا وضع الاعلام في تلك الأيام فالمذياع الصغير الذي يوصل الصوت اليك متحشرجا كان الوسيلة الوحيدة … لا تلفزيون ولا انترنت ولا كمبيوتر ولا هواتف نقالة ولا واتس اب فقط ذلك المذياع .

جلست الى جانب والدي لاستمع وكان الاسم الذي يتردد في كل لحظة من ذلك المذياع هو اسم اللواء محمد نجيب ونظرت الى والدي الذي كان يبتسم فرحا وطلبت منه ان يقول لي ماذا يجري فقال لي هنالك انقلاب في مصر سيطردون الملك وسيصبح هنالك نظام جديد مهتم بتحرير فلسطين .

كان هذا كلام والدي الذي ما كان يهمه باي تغيير يحصل في المنطقة العربية الا التغيير الذي يقرب الفلسطينيين من تحرير بلادهم .

امتلأ قلبي سعادة لسعادة والدي بهذا التغير الجديد .

وامتلأ قلبي بحب للواء محمد نجيب دون ان اعرفه او اعرف شكله ولكن حسبما وصف لي والدي فان هذا الرجل الذي قاد التغيير سوف يقربنا من تحرير فلسطين .

هكذا بدأ انتمائي لثورة 23 تموز 1952 .

طفل يذهب كل يوم ككل التلاميذ النجباء الى صفه ليتعلم ويعود الى البيت ليقوم بمهماته المدرسية ثم يصحى في اليوم التالي ليذهب للمدرسة وهكذا ولكن في ذلك اليوم اصبح لديه بندا آخر على جدول اعماله :

بند متابعة ما يدور في مصر وحركة الضباط الاحرار وماذا يجري من تطور في كل يوم لان ذلك ارتبط بذهن الطفل بسام أبو شريف بخطوات تقرب الفلسطينيين من تحرير وطنهم والعودة له .

واذكر جيدا انه في نهاية الأسبوع صاحبت والدي للسوق واصررت على دخول مكتبة لاشتري دفترا للمدرسة وكنت قد رأيت مع احد اصحابي دفترا صنع حديثا وكانت جلدته تحمل صورة اللواء محمد نجيب .

واشتريت ذلك الدفتر وسمعت والدي يقول للبائع لماذا تبيعونه أغلى من سعر الدفتر العادي فضحك البائع وقال لان عليه صورة محمد نجيب فرد عليه والدي بسرعة شديدة وبذكاء شديد بقوله في هذه الحالة عليكم ان توزعوا الدفاتر مجانا احتفاء بمجيء هذا القائد الجديد الذي سيقربنا من فلسطين .

منذ تلك اللحظة بدأ اهتمامي ينصب على الوضع السياسي واكتشفت بسرعة ان القائد الحقيقي للثورة لم يكن اللواء محمد نجيب بل كان ذلك الضابط الشاب الوسيم والاسمر البشرة جمال عبد الناصر الذي كان يدير كل تلك العملية بذكاء وحكمة وشجاعة الى ان انهى تلك العملية بتثبيت التغيير وطرد الملك واسرته من مصر الى الابد واحلال حكم الشعب مكان الحكم الملكي الذي عاث في البلاد فسادا وخان واضاع فلسطين هو وانظمة عربية اخرى اشتراها الاستعمار بحفنة من الذهب واصبح على جدول اعمالي بند جديد غير دراستي وغير قيامي بمهماتي المدرسية المنزلية فقد اصبح على جدول اعمالي الاستماع الى نشرة الاخبار والاستماع لاذاعة القاهرة وحول التطورات التي تدور في مصر والاستماع لخطابات جمال عبد الناصر وكان منها في فترة لاحقة ذلك الخطاب الذي لن انساه ابدا فهو محفور في ذهني كما ينقش على الحجر كلام قيم او صورة جميلة .

ذلك الخطاب هو الذي كان يلقيه جمال عبد الناصر عندما حاولوا اغتياله باطلاق الرصاص عليه .

ما زال محفورا في ذهني كل كلمة سمعتها اثناء اطلاق النار على جمال عبد الناصر سمعت ما قال جمال عبد الناصر وهو محفور في ذهني وسمعت اصوات الضجيج وسمعت الهتافات ثم سمعت جمال عبد الناصر يقف مرة اخرى ويقول يظنون ان قتل جمال عبد الناصر سينهي الثورة وهم لا يعلمون انكم كلكم جمال عبد الناصر ثم سمعت الهدير الهائل للجماهير التي هتفت بحياة الثورة وحياة جمال عبد الناصر .

رغم مرور كل هذه السنوات منذ عام 54 عندما حاولوا اغتيال جمال عبد الناصر رغم مرور هذه السنوات بقي صوت جمال عبد الناصر في عقلي يرن دائما امسكوه هو هناك امسكوه ثم استعاد التوازن وقال بصوته الرخيم يظنون ان قتل جمال عبد الناصر سيقتل الثورة لكنهم لا يعلمون ان كل واحد فيكم هو جمال عبد الناصر شكلت هذه الجملة دليلا واضحا لكل عربي يريد ان ينتفض على وضعه وان يثور عليه وان يسير في الطريق الذي يجب ان يسير فيه في التصدي لاعداء الامة والاستعمار والامبريالية والصهيونية …

كل واحد فيكم هو جمال عبد الناصر لقد رسمت تلك الكلمات التي بادر بها قائدنا جمال عبد الناصر بالرد على محاولة الاغتيال طريقا واضحا لكل المناضلين اي ان كل فرد من افراد الشعب هو ثائر على الاوضاع التي كانت تسود وتحكُم الاستعمار برقاب العباد وتسير البلاد في مخطط امبريالي صهيوني يحافظ على الكيان الصهيوني ويبقي على الجريمة البشعة التي ارتكبتها الامبريالية والصهيونية بحق الشعب العربي الفلسطيني وحق الشعوب العربية قائما لا تغيير فيه ، لم تكن تلك المحاولة لاغتيال جمال عبد الناصر الاخيرة لقد كانت حياة جمال عبد الناصر النضالية لرفعة شأن الامة العربية ووحدتها وتحرير فلسطين والدفاع عن سوريا والدفاع عن ارض العرب كانت حياته هذه هي عمليا في موقع الاستهداف الاستعماري يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة ، كانت محاولة الاغتيال الثانية هي محاولة تجنيد جمال عبد الناصر ليكون صديقا للسي اي ايه وارسلوا له مايلز كوبلاند ليهديه شيكا بثلاثة ملايين دولار من اجل الاهتمام بحمايته شخصيا اي لحماية امن وضمان سلامة جمال عبد الناصر وما كان من جمال عبد الناصر الا ان اعتلى المنبر وخاطب الشعب واخبره انه تلقى ثلاثة ملايين دولار من اجل الاهتمام بامره الشخصي وضحك وضحكت معه الجماهير فالكل يفهم تلك اللعبة واعلن ان الملايين الثلاثة سوف تذهب لبناء برج القاهرة وبالفعل بني برج القاهرة الذي كان موجودا وشاهدا على صلابة جمال عبد الناصر ورفضه الرشوة الامريكية وكذلك حاولوا اغتياله بالانسحاب من عرض بناء السد العالي اذ رافق ذلك العرض شروط اذلالية شروط تجعل من مصر تابعة للولايات المتحدة فرفضها جمال عبد الناصر ورفضوا تزويد الجيش المصري بالسلاح والذخيرة فصمد جمال عبد الناصر وتوجه شرقا للمعسكر الاشتراكي فبنى وشيد وافتتح السد العالي هو وخروتشوف وكذلك وقع صفقات شراء السلاح في البداية من تشيكسلوفاكيا ثم تتالت الى ان اصبح الاتحاد السوفييتي المزود الرئيسي للجيش المصري بالاسلحة ، حياة جمال عبد الناصر كانت عمليا وفي كل يوم وكل ليلة تتعرض لاغتيال او محاولة لاغتيال من قبل الولايات المتحدة وحلفائها واتباعها سواء كانوا من الاوروبيين كبريطانيا وفرنسا اللتين هاجمتا مع اسرائيل واحتلتا قناة السويس واحتلت اسرائيل غزة وسيناء في العام 56 وصمد جمال عبد الناصر لانه كما قال في ذلك الخطاب رأى ولمس وشاهد ان كل فرد من الشعب العربي هو جمال عبد الناصر ، في العام 56 عندما تكالبت تلك القوى بعد تاميم قناة السويس واحتلت وهاجمت بالعدوان الثلاثي واحتلت قناة السويس واحتلت قطاع غزة واختلت سيناء قاوم الشعب العربي في مصر وقاومت الجماهير العربية من المحيط للخليج الاستعمار بشكله القديم وبممارساته البطشية والاجرامية وحروبه التي كانت تشن من اجل نهب ثروات الشعوب في تلك المعركة لم يعد جمال عبد الناصر قائدا مصريا عربيا ثوريا بل اصبح قائدا امميا يقود حركة التحرر في العالم فهو يواجه دولا عظمى كبريطانيا وفرنسا وحليفتهما اسرائيل في معركة واضحة جلية امام العالم كله ولقد اضطرت الولايات المتحدة التي كانت تحاول ان تحل محل الاستعمار القديم عبر الخداع والايحاء بانها اكثر ديمقراطية واكثر عدلا نحو الشعوب فبذلت الولايات المتحدة جهدها لتظهر هي بمظهر الضاغط على المحتلين بمظهر المتناقض مع الاستعمار القديم لتدخل وتبث سمومها بشكل خادع للمناطق التي يخرج منها الاستعمار القديم ، تذكرنا تلك الحرب بوضعنا الراهن وموقف الادارات الامريكية فقد امر ايزنهاور بوقف ذلك العدوان وانسحبت فرنسا وبريطانيا لكن اسرائيل وهي ربيبة الولايات المتحدة رفضت الانسحاب من غزة ومن بعض مناطق سيناء خاصة تجاه مضائق تيران لكن ايزنهاور ولكي يحل تماما مكان الاستعمار القديم اتصل هاتفيا بالحكومة الاسرائيلية وامرها بالخروج من غزة امرا واضحا مما اجبر الحكومة الاسرائيلية على الانسحاب خلال عشر ساعات من غزة أي ان الادارة الامريكية عندما تامر اسرائيل تنفذ اسرائيل ولذلك نفهم ان عدم انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة وعدم تطبيقها لقرار 242 هو نتيجة عدم رغبة الولايات المتحدة بتطبيق ذلك القرار فقد اثبتت حرب ال56 ان الولايات المتحدة هي صاحبة الامر وان لو اراد الرئيس الاميركي ان تنسحب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها لامرها بذلك واطاعت هي .

حياة جمال عبد الناصر كانت يوميا حياة حرب مع العدو يريدون اغتياله وقتله ويريدون ان يقتلوا معه تلك المعادلة التي وضعها عندما حاولوا اغتياله اول مرة ان كل مواطن هو جمال عبد الناصر والآن …

نقول لانفسنا ونقول للجميع ان هذه المعادلة التي طرحها جمال عبد الناصر وهو شاب ثائر كان يرسم طريقا لرفعة الامة العربية ولتحرير فلسطين وضعها ليقول للشعب العربي في كل مكان ان كل فرد هو جمال عبد الناصر وان اتباع هذه المعادلة سوف يجعل من وطننا العربي حصنا يدافع عن مصالح الامة حصنا يمنع الاعتداء على الامة حصنا يحصنها من ثعابين تحاول بث سمومها في جسد الامة العربية فليكن كل مواطن عربي مرة اخرى من المحيط للخليج جمال عبد التاصر هكذا نحتفل بذكرى 23 تموز 52 .

كاتب سياسي فلسطيني

المصدر

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى