كتاب عربموضوعات رئيسية

من قتلك يا عرفات ومن يحبس حياة الشعوب العربية.. ومن فجر ميناء بيروت؟/ خالد شحام

مع انقضاء  يوم الحادي عشر من هذا الشهر  يكون قد مضى على رحيل القائد ياسر عرفات ثمانية عشر عاما من بقائنا في الضباب  المقيم  ، هذه المقالة لم تكتب كي تُزين أو تَمدح او ترمي أو تستعرض التاريخ المسكين ، لقد كُتِبت كي تطرح الأسئلة الكبيرة  حول الأسئلة التي بلا نهايات والتي بُنيَت في وسطها  متاريس الرمل و السياج الشائك التي تحول دون الوصول  ،  ثمانية عشر عاما مضت مثل ثمانية عشر ثمرة من الحنظل  وحتى الان لم يعلن أحد من قتل الرجل الذي ترك بصمة كبيرة في الشأن الفلسطيني والعربي والعالمي .

 في الحقيقة سنوات كثيرة ، شهور أوأيام  قليلة – كثيرة  تمضي وتطرح كل يوم أسئلة لها نفس المصير ،  شيرين أبو عاقلة التي مضى على رحيلها حتى اليوم ما يقارب الشهورالستة أيضا لا تزال مجهولة القاتل والحقيقة المتوارية لا تزال تلعب الغميضة ولا أحد يريد أن يعلم عنها شيئا ، تفجير ميناء بيروت مضى عليه حتى اليوم أكثر من عامين  وحتى اللحظة تفشل الحكومة اللبنانية في تشخيص أو تحديد الفاعل وحتى انها تفشل في توفيق لجنة تحقيق واحدة للبت في الأمر ، صحافيون ومفكرون وقادة قتلوا نسفا وغيلة والأسئلة عندهم تتوقف ثم تموت بدورها كمدا وحسرة ، ألوف مؤلفة من اللاجئين العرب ماتوا هكذا مثل اللاشيء في عرض البحر وألوف آخرين تم دفنهم في رمال الصحراء وألوف آخرون معتقلون خلف السجون دون أن  يتم حتى  مجرد طرح السؤال حولهم  من فعلها  وكيف ولماذا يحدث كل ذلك !  …….شعوب عربية بأكملها  تُسرق و تُدجن وتُساق مثل الخراف وقطعان الماشية ويوضع عقلها وقرارها تحت الوصاية وتقمع وتضلل ويتم غسيل دماغها ولا أحد يعرف من هو المتهم ولا لماذا يفعل ذلك وكلها أسئلة ذات نهايات مغلقة محفوفة بالمجهول ومحفوفة بالخوف والضياع أيضا .

في منطقة ما محصورة بين فلسفة التضحية وفلسفة النفس البشرية  من الضروري أن تقدم  الشعوب التضحيات والشهداء والخسارات المعنوية والمادية والبشرية  ومن الطبيعي أن تمنى بخسائر في طريق النضال ، ليس من المستغرب أن نخسر قائدا بحجم عرفات أو صحافية بمكانة شيرين أو بلادا مثل بلاد الضاد  لكن من  المهم أن تكون الأسئلة ذات إجابات وذات نهايات لها معنى  لأن الأسئلة المفتوحة تترك جراحا مفتوحة وليس هذا فحسب بل تضع كل القضية والقضايا المصيرية في باب المجهول وتصنع في النفوس ضعفا لا يمكن رأبه ، ليس هذا فحسب بل إن الأسئلة التي بلا إجابات تمنعك عن رؤية عدوك وتمنحك وهما كروي الأبعاد بأنك في خطر محدق من كل هذا العالم   !

من الواضح أن مجمل الحياة العربية وليست الفلسطينية فحسب تحولت إلى كم كبير من الأسئلة المقطوعة الرأس والمتوقفة والممتنعة عن الإجابة ، وعندما تتعرقل الإجابات أو تتوقف في بلعوم الحياة نصبح جميعا يتامى الحظ ويتامى الانتفاض وتضيع الغايات والطرقات ويشغل الضباب غابات الايمان ، أسئلة كثيرة تملأ الساحة العربية لا أحد يريد أن يقدم لها حلا أو ينطق أو يتجرأ بذكر الحل لأن هنالك قاتلا واحدا يمتلك سيفا يقطع به الأسئلة ويقص رأس الإجابات ويترك الحائرين يموتون في عذابات التأويل .

ad

الحالة العجيبة المشتركة  بكل الأسئلة المقطوعة النهايات في بلاد العرب أن كل الدنيا تعرف القتلة وتعرف الفعلة ولكن أحدا لا يتجرا على النطق بأسمائهم لأن الزمان بأكمله مسمم بالثاليوم الاسرائيلي ، عجزت كل وكالات الأنباء وفرق الأطباء  وكبار الصحافيين والمتخصصين وأعرق الجامعات عن حل أسئلتنا لأن الزمان وشخوصه مغرقون في السموم الاسرائيلية والنفط العربي  ، زماننا مسمم بالثاليوم  إلى درجة أن المتواطئين فشلوا في تشريح جسد الحي ليفهموا سبب مصابه فلجأوا إلى تشريح عظامه بعد السنين وقدموا لنا حزورة الاغتيال  دون شهود ولا شهادة ولا شاهدين !

إن إخفاء قاتل عرفات ليست الغاية الفلسفية منه  شيئا سخيفا من مثل حماية الفاعل او الفاعلين من المحاكم الدولية الهزلية أو الإحراج الدولي أو المطالبة بقصاص أو شيء من هذا القبيل لأن كل هذه التصورات تمثل مهزلة ومسخرة ولا تشكل أي ثقل أو ضغط أو أهمية بالنسبة للفاعلين بل على العكس إنهم يحظون بتغطية وحماية كاملة من كامل الإطار الدولي والعالمي المتواطىء في مصالحه وحقارته حتى النخاع ، إن معرفة اسم قاتل عرفات هو شيء ثمنه شلن واحد لأن القاتل ثمنه نصف شلن ومجرد جندي قزم من جنود العدو السريين  ، إن الهدف من الإخفاء لا يختلف عن  فكرة  شهداء الأرقام في ثلاجات العدو الصهيوني ، إنه هدف معنوي قبل أي اعتبار آخر غايته القصوى هي النيل من الروح المعنوية لهذا الشعب ووضعه داخل ثلاجة التبريد بمعية الجثة كي تبقى الأسئلة باردة ويتم الزج بها الى الحيرة الممزوجة بالخوف والتراجع ، هذا الإخفاء هدفه تحطيم الرغبة في المقاومة وإسدال الستارات المظلمة داخل النفس البشرية الخاصة بالشعب الفلسطيني ودفعه الى الهذيان لأن الأسئلة الحرجة التي لا يتم حلها  تبقى تحوم مثل  الروح اللامستقرة لأنها لم تحظى بالعدالة الكافية ، إنها عقدة نفسية لا يمكن إلا أن تتحول إلى عقدة في مسار النضال ، إنها أسئلة معتمة هدفها وضع العتمة داخل العقل العربي وافهامه بأنك مقتول بلا قاتل وضحية بلا جلاد ومستهدف دون ان ترى البندقية ، عبد دون ان ترى سيدك ومرصود قبل أن تولد ، لهذه الأسباب يجب أن يبقى قاتل عرفات شيئا ضميريا خفيا وقاتل ناجي العلي منسوب إلى الغيب ، ومفجر الميناء كيان خفي ، وممزق مصر كائن تأويلي ، ومسبب الفوضى في ليبيا مسجل في المجهول  ، وحارق اليمن شيء فيه وجهات نظر ، وحماة الدين لا فتوى فيهم  .

 وهكذا كما ترون تحولت ذاكرتنا إلى أسئلة مجهولة الهوية والنسب ومعلقة في ضمير الكذب على الذات وتحولت حياتنا إلى حفنة من الكلمات المتقاطعة التي لا يفكها سوى الشهداء الصامتون  ..من قتل ياسر عرفات ؟ من قتل شيرين ابو عاقلة ؟ من فجر ميناء بيروت  ؟ من سرق لبنان ؟ من أحرق كنيسة نوتردام ؟ من صنع فيروس كورونا ؟ من الذي يطلق سعار الصحف التي تشتم نبي الأمة  ؟ من افتعل أحداث 11 أيلول ؟

في الحقيقة إن إجابة سؤال من قتل عرفات لا تحتاج إلى إجابة فمن قتل عرفات ليس من وضع الثاليوم  في طعامه وشرابه لأن هذا مجرد كبسة رخيصة مبرمجة  ، القاتل الحقيقي هو الذي يرسم المشهد العربي اليوم ، إجابة سؤال القتل تقدمها مشاهدات وشواهد كثيرة تفعل القتل بجرعات مصغرة لا ينتبه إليها من أحد تماما كما فعل الثاليوم فعله في جسد الضحية ،  تقدمها مشاهد من مثل أن الشهامة العربية بالأمس القريب سمحت للمشجعين ( الاسرائيليين ) بحضور الحدث العالمي الرياضي على اراضيها وهي بذلك تعلن بسلام ومحبة بأن التطبيع هو مجرد عمل سلمي لا ضير من ورائه ولا أذى لأحد وانه جار منذ سنوات دون عوائق  وحسب ترتيب محكم ، من قتل شيرين وقتل الأطفال والنساء والشبان الفلسطينين ؟ الإجابة تقدمها لكم حفلات الترفيه ولجان الترفيه العربية وحفلات الهالوين المجونية التي تريد أن تبتلع عقول الأجيال ولولا القتل ما كانت هذه لتكون .

من فجر ميناء بيروت وعبث في روح المواطن العربي اللبناني ؟ إجابة هذا السؤال تقدمها لكم الرئاسة العربية المزورة والحاكمية العربية المزيفة التي اكتشفت أن مكافحة الفساد تقتضي تعيين وزير للآثار وإنشاء وزارة  للمطلقات  وأن إنقاذ البلاد من الفقر يكون بفتح المزيد من السجون وقتل الناس في الحفر وأن حل مشكلة البطالة والمديونية يكون بالتبعية والخضوع المطلق لحاخام مستورد من بولندا  ، من الذي حول حياة شعوب العرب إلى سوء المنقلب وكآبة المنظر ؟ الإجابة على ذلك تقدمها لكم أرواح الشهداء وتقسم لكم بأن من فعل ذلك  هو نفسه من أمر بقتل عرفات وهو نفسه من يقف خلف اغتيال شيرين وهو نفسه الذي قتل المصريين في الشوارع وهو نفسه الذي أحرق كنيسة نوتردام وهو نفسه من اطلق خدعة كورونا وهو نفسه من يحرك حجارة الشطرنج الخيانية لتسوم شعوب العرب سوء العذاب ، إنه نفسه من يسبب الفقر وتعطيل النهضة العربية وتحطيم الزراعة والطب والتعليم وهو نفسه المسؤول عن هندسة الفقر ومغص الحزن وتحويل  المرأة العربية إلى متسولة والطفل إلى مشروع فقر ، إنه هم انفسهم من سرقوا حقوق الطفولة وحقوق الأمومة والمستقبل الآمن لأمة العرب جمعاء .

الشعوب الحقيقية الثائرة هي التي تضع الإجابات في أماكنها وتفرضها فرضا لأن الشعوب الجبانة تخاف من الإجابات الحقيقية وتمضي عمرها وهي تتهرب منها وهي لا تنفك تطاردها بينما هي تمعن النظر في القاتل ، الشعوب الحقيقية هي التي تطالب بخلق الإجابات وتفرضها فرضا من العدم لأن دماء الضحايا والمغتالين والشهداء هي الشاهد والناطق امام محكمة الكون التي لا تنفك ، الشعوب الحقيقية هي التي ترفض و تدوس بحذائها كل اللجان وكل التحقيقات لأن القاتل او القتلة أوضح من شمس النهار ولا يحتاجون ذكر أسمائهم أو تعداد أعضاء فريقهم  ، الحقيقة المرة هي أن الشعوب تتعامى عن الإجابات  لأن هنالك ثمن كبير للإقرار والنطق بها ، شعوب قبلت بالذل والمهانة وفقدت القدرة على تشخيص عدوها المقيم بينها وينطق بلسان عربي مبين ، المؤهلون الوحيدون لسماع الإجابات لكل الأسئلة المقطوعة الرأس هم امثال عدي التميمي وضياء حمارشة وحفنة من نساء فلسطين اللواتي ينثرن الزهور عند استشهاد أبنائهن  أما نحن فلا يليق ولا قدرة لنا على ذلك ،  لو قيل ذات يوم أن زحلان أو كباس أو ابن الشيخ  قتل عرفات فنحن نرفض هذه الإجابة لأن قتلة الرجل هم مجموعة كاملة من أصحاب الفيل الذين يتنعمون اليوم بغنائم ما قتلوا ، ولو قيل لنا بأن قاتل شيرين هو يائير الكحلي أو عوفير الرمادي فلا نقبل لأننا نعلم الإجابة بأن القاتل أكبر بكثير ولا يشبع ثأرنا كل جيشهم .

لماذا غابت الاسئلة الفلسطينية الكثيرة ولماذا أفلت نجوم اجاباتها وبمعيتها تلاشت كل اجابات الاسئلة العربية ؟ الجواب لأن القيادة العربية هي جزء رئيسي من كل الاجابات المحظورة وشريك بالمناصفة  في كل هذه الاجابات المدفونة في صحراء أسدود ومدينة عمورية التي تنتظر الخسف الجديد.

 ما هي الاسئلة التي تريدون اجاباتها ؟ من باع فلسطين وشرد شعبها ؟  من قتل عرفات وشيرين وزرع الفقر في بلادنا والجهل في جامعاتنا ومدارسنا ؟ …..إنهم ليسوا أولئك المستوطنين  الذين يقتلون الشبان في الشوارع ، هؤلاء مجرد أداوت تجريبية وضعت في الأرض المباركة لدراسة ماذا يفعل التاريخ  بكائنات الغزاة ويمثلون الفئة الثالثة الأقل في متسلسلة المجرمين ، إنهم ليسوا جنود الاحتلال ولا رؤساء وزرائهم ذوي الكيباه لأن هؤلاء وضعوا لدراسة ماذا يفعل الشعب  بلحم الطغــاة وما هي تأثيرات الشحنات المتفجرة فيه .

لا نعلم يا عرفات ما الذي قتلك بالضبط هل هو البولونيوم أم الثاليوم أم  أحد العضويات الكيميائية  عالية السمية لكننا نعلم علم اليقين أن النظام العربي هو الذي حضر لك السم وقدمه لك مع إفطار الصباح وجرعة دواء المساء  مع دعوات بالهناء والشفاء  ، عرفات يا موزع الدم على قبائل الرذيلة كل أسئلتك المحظورة والميتة النهايات تقف عند بوابات خيمتهم الاسرائيلية لكي تبقى شبحا يرعب لحظاتهم الأخيرة عندما تحين .

ومن حطين ردّي على  فلسطين ومن جبال صعدة حتى تخوم الأرض المباركة الأرض بتتكلم عربي وستكون الإجابات بالعربية ، أبناء فلسطين لا يزالون يقدمون الإجابات التي تهتز لها الأرض وتتزلزل معها الجبال  حتى أطلس ، لن نخاف من غياهب الاجابات لأننا نراها ، شباب فلسطين سيقدمون الإجابات َسَبلا وكروم ، وردا  وشوك ، نارا وسعير …عند ذلك ستضحك أيها العجوز ضحكتك الخالدة  !

كاتب عربي فلسطيني

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى