كتاب عربموضوعات رئيسية

المغرب العربي: كشف الأضاليل وفضح الأباطيل/ دكتور محي الدين عميمور

يواصل الدكتور طارق جهده المشكور للتفكير بصوت مقروء في محاولة الخروج بالعلاقات المغربية الجزائرية من الوضعية السيئة التي تجتازها، سيرا، كما قال، على طريق كشف الأضاليل وفضح الأباطيل.

وحِرْص الرفيق الكريم على التحليل الدقيق للأوضاع يفرض عليّ أن أتوقف عند بعض ما يمكن أن يلقي ضوءا ولو خافتا على بعض  المعطيات التي يتفضل بها.

ولقد تناول الدكتور طارق استطلاعا للرأي قامت به “جريدة هسبريس المغربية”، خَلُص إلى أن العينة محل الاستطلاع أكدت بنسبة 90٪ على الدور السلبي لفرنسا في تأجيج حالة الخلاف بين البلدين وفي عرقلة كل فرصة للمصالحة.

والمؤكد أن الأستاذ يعرف الأوضاع في المغرب أكثر مني، لكنني، وأنا أعرف المثل الجزائري القائل: خانها ذراعها قالت سحروني، أستطيع أن أؤكد له، من معرفتي بالأوضاع في بلادي، أن الدور الفرنسي “السياسي” محدود جدا في الجزائر، والدور السلبي يتم غالبا  في المستويات السفلى، ويرتبط أكثر بالتجارة والعلاقات الاجتماعية وخصوصا بقضية اللغة، لكنه لا يمارس دورا فاعلا على قمة المسؤولية السياسية.

ورغم أنني لا أثق في نوايا الجانب الآخر من المتوسط لتعًقّد المصالح والتوجهات هناك إلا أنني على يقين من أن الجانب الفرنسي يدرك تماما حساسية الجزائر من أي اقتحام للمعطيات السياسية وفيما يتعلق بالعلاقات مع المغرب بشكل خاص، ولسبب بالغ البساطة يرتبط بنظرتنا لنزاهة الجانب المعني وخلفيات عناصره المؤثرة في توجهاته.

وعودة إلى سطور الرفيق الكريم أذكر بأنه سبق لي  أن عبرت شخصيا عن أملي في أن يشارك العاهل المغربي في القمة العربية، وهو ما اتفق فيه الدكتور طارق معي، لكن الزيارة لم تتم، ولن أجتر رأيي في سبب فشل الزيارة حتى لا أنكأ الجراح، لكن ربط فشل الزيارة بقضية السماح للمنتخب المغربي بالسفر جوا مباشرة من الرباط للجزائر وعبر الخطوط الملكية المغربية هو خطأ أسمح لنفسي أن أتوقف عنده، في حدود ما أستطيعه من تحليل عملي على ضوء المعطيات المتوفرة للكافة.

ويمكن للنظرة المتعجلة أن يكون للحجج التي اعتمدها الجانب المغربي وتناولها الدكتور طارق مبرراتها القانونية والتقنية والمنطقية، وأنا أتفهم الحجة التي تقدم بها قائلا إنه “من غير المعقول أن يتم نقل المنتخب المغربي على طائرة مرقمة ببلد أجنبي، ففي ذلك مسّ أيضا بسيادة المغرب خاصة وأن المنتخب وطني، ومنطقيا لا يمكن قطع مسافة أطول بثلاث أضعاف ومن السهل تقليص مدة وعناء الرحلة، خاصة وأن المنتخب المغربي ضيف والجزائر هي المضيف ومن شيم المضيف إكرام الضيف وتسهيل سبل زيارته وحضوره”، كما جاء في استعراض الدكتور طارق.

وبداية اشكر للأخ طارق تذكيره بأن الجزائر اقترحت استعمال طائرة دولية مرقمة بترقيم أجنبي، وقيل لي، من مصدر لم أستطع التحقق من صدقيته، أن الجزائر لمّحتْ باستعدادها وضع طائرة جزائرية خاصة تحت تصرف الوفد المغربي، وأكرر أن هذه معلومة لم أستطع التأكد منها، لكن مضمونها هو رفض استعمال المنتخب الرياضي لطائرة مغربية.

هنا نتفهم النظرة الأمنية الجزائرية للأمر كله، وهو ما كنت تفاديت التطرق له وأجد نفسي اليوم مضطرا لتناوله متحملا مسؤوليته المطلقة.

والسؤال:  لماذا تمنع الجزائر طائرة مدنية، أو المفروض أنها كذلك، من التحليق فوق منطقة من أخطر المناطق الحدودية في الجزائر؟

الإجابة المباشرة هي أن الطائرة، التابعة لدولة أكتفي بالقول أنه ليست لنا معها علاقات ديبلوماسية، ستطير فوق الحدود الجزائرية المغربية، وهي منطقة أمن عسكري مجاورة لدولة متحالفة مع العدو التاريخي للأمة، ومعروفة بسعيها الدائم لإشعال نار الفتنة مع من تكره وجودهم.

وقبل أن يسارع أحد الأذكياء إلى القول ضاحكا مقهقها أن ادعاء الخوف من التجسس على نظم الدفاع الجزائري هو نكتة في زمن الأقمار الاصطناعية، التي يقال إنها تستطيع تصوير شاب يختلي بفتاة في سيارة مغلقة تحتضنها غابة موحشة بعد نصف ليلٍ لا يعرف قمرا، أذكر بأن السلطات العسكرية الجزائرية تعرف كيف تقوم خير قيام بمهمتها، لكنني أسارع إلى التنبيه لأمر بالغ الخطورة، أتخيل احتمال حدوثه وأنا أعرف أن عدوّ الأمة ساهر يترقب ويتآمر ويناور.

هنا أتخيل أن العناصر التي لا تريد خيرا، للمغرب وللجزائر على حدّ سواء قد تنجح في التلاعب بخط سير الطائرة المغربية، مدنية كانت أم عسكرية، كما حدث مع طائرة أحمد بن بله ورفاقه في 22 أكتوبر 1956 وتغير توجه الطائرة لتطير فوق الجزائر المحتلة آنذاك من القوات الفرنسية، بدلا من المجال الدولي الذي تم تحديده فوق المياه الإقليمية الدولية.

إذا حدث هذا فيمكن أن تخرج طائرة الرياضيين، لا إراديا، عن مسارها المعتمد دوليا والمصرح به من هيئة الطيران المدني لتطير فوق مناطق عسكرية يُحرّمُ التحليق فوقها.

كيف سيكون موقف قوات الدفاع الجوّي، خصوصا إذا حدث تلاعب في موجات الاتصال اللاسلكي في الطائرة (وعناصر الكيان المعادي من خبراء التلاعب) وفشل المعنيون في تنبيه ربان الطائرة إلى انحرافه عن المسار الجوّي المصرح به؟.

هل أذكر بمأساة الطائرة الكورية ألتي أسقطت فوق الأراضي السوفيتية في1983 والتي قيل أنها “ضلت” طريقها فوق المنطقة نتيجة خطأ ملاحي ؟

هنا أحس بالتقدير للسلطات الجزائرية التي رأت ما لم يرَهُ كثيرون بعواطفهم المتشنجة، واتخذت الموقف الذي حال دون احتمال قيام وضعية بالغة الخطورة نتيجة خطأ ملاحي مُفتعل، يتم تدبيره من أعداء البلدين والوطن والأمة.

 وسيكون من دواعي اعتزازي أن أتهم بأنني أدافع عن وجهة نظر السلطات الجزائرية.

ولن أُذكّر بما قاله الرئيس الجزائري من أن قطع العلاقات كان تفاديا لما هو أسوأ، لكنني أسمح لنفسي بالقول للدكتور طارق، وبكل محبة واحترام، أنه جانب الصواب في تحليلاته المرتبطة بهذه القضية.

 وألاحظ أن الجانب الجزائري تمسك بالعفة فلم يخُض في تفاصيلَ كان المتوقع أن الجانب الآخر يمكنه تخيلها، كما فعلتُ أنا بخبرتي المحدودة.

وهنا يأتي التصعيد الذي أشار له الكاتب، فردود الفعل على موقف الجزائر، الحذِر من تداعيات محتملة لقضية رياضية، كانت مستفزة، ومن هنا وجهت بردود فعل أكثر قسوة، وهو ما أدينه من الجهتين، وأرفضه من الطرفين، وهو ما يذكر أيضا بالهجمة الشرسة على كلمات ارتجلها حفيد نلسون مانديلا وأعطيت أكثر من حجمها، فووجهت السيئة بعشرة أمثالها، وأصبح الصوت الأعلى هو صوت الذباب الإلكتروني.

وتبقى نقطة بالغة الأهمية تناولها الدكتور، وهي قضية الحدود الموروثة عند الاستقلال، وهو ما يعيدني إلى يونيو 1972، عندما وقع الرئيس هواري بو مدين والملك الحسن الثاني وثيقة ترسّم الحدود الجزائرية المغربية.

ولسنا نحن من يجهل أن معظم  الحدود في العالم القديم والحديث رُسّمت غالبا بشكل تعسفي خبيث ومتعمد، وهناك شعوب وأمم قسمت بين أكثر من دولة، ولم يكن هذا مقصورا على المنطقة العربية فقد عرفته أوروبا قبل وخلال وبعد الحربين العالميتين، وقضية “السوديت” في تشيكوسلوفاكيا معروفة، وقضية “الإسكندرونة” لا يُمكن أن تُنسى، أما قضية “حلايب” فالله يعلم إن كانت ستشهد مصير واحة “البوريمي” أم يكون لها شأن آخر.

وليس سرّاً أن الحدود في منطقة المغرب العربي كانت متأرجحة شرقا وغربا عبر الأزمنة التي عرفت المرابطين والموحدين والزيانيين وبني عبد الواد والمرينيين والفاطميين وما قد يعرف عنه الأخ طارق أكثر مني.

وكان موقف منظمة الوحدة الإفريقية في 1963 موقفا عمليا حكيما، حيث رأت أن أي محاولة للمساس بحدود الدول المستقلة حديثا سيُحوّل هذه الحدود إلى قنابل موقوتة وألغام مدسوسة، وهو ما تأكد فيما وقاد إلى المأساة الصومالية التي نتجت عن أطماع الرئيس زياد بري في “الأوغادين”، والذي تكرر في أغسطس 1992 في الكويت.

وكان الرئيس بومدين والملك الحسن في بداية السبعينيات أكثر ذكاء وحكمة وبراغماتية، وهكذا تجاوب  العاهل المغربي  مع تعبير الرئيس الجزائري الذي قال: نرسم الحدود لمَحْو الحدود، ومن هنا تم الاتفاق على ترسيم الحدود الموروثة بين البلدين مع خلق مجالات التعاون المشترك الذي يُحوّل “أسوار” الحدود إلى “جسور” تعاون وتفاهم ووئام، ومن هنا كان إدماج مشروع “غار جبيلات” في الاتفاقية، حيث ينقل الحديد المستخرج من المنجم الجزائري في الجنوب عبر التراب المغربي إلى شمال المملكة حيث يقام معمل للحديد والصلب يعمل به أبناء البلدين، وبأغلبية مغربية بحكم الموقع الجغرافي، ويفتح المجال أمام صناعة مُصَنِّعة تفيد الشعبين، ويمكن أن يكون من النتائج قيام مؤسسات صناعية توجد في كل بلدان المغرب على غرار مؤسسة “إير- بوس” ( AIR BUS) حيث تصنع أجزاء الطائرة في أكثر من بلد أوربي، ويستفيد الجميع من فائض القيمة ومحاربة البطالة وحماية العملة الوطنية والحفاظ على العملة الأجنبية.

لكن انفجار قضية الصحراء بكل تداعياتها أفسد كل شيئ، وتحولت حبة البَرَدْ إلى كرة ثلج، بعد أن قامت “السوسة المدسوسة” بدورها.

آخر الكلام: أنتهز الفرصة لأوجه تحية مخلصة للمناضل عبد الإله بن كيران على موقفه الأخير من التطبيع مع الكيان الصهيوني، فالرجل طاقة فكرية لها قيمتها ورصيد نضالي له احترامه، وهو بموقفه اليوم يُعطي درسا للمهرولين وراء “سراب بقيعة”، وللمستجيرين من الرمضاء بالنار ومن الأنفلونزا بالكوليرا والتيفوس، ومن الخصوم بالأعداء.

مفكر ووزير اعلام جزائري سابق

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى