كتاب عربموضوعات رئيسية

كلما حدثتهم عن القضايا الكبرى قالوا لك فلتذهب الى الجحيم “نريد خبزا”/كمال خلف

من خلال متابعتي لبعض التعليقات لما انشره عن القضايا المصيرية لمنطقتنا سواء عبر منبر” رأي اليوم” العزيز، او ما انشره على معرفاتي الشخصية في وسائل التواصل او عبر نقاشات مباشرة مع بعض الأصدقاء او من تحملنا الصدفة على فتح حوار معهم في حياتنا العامة. اجد ثمة فكرة تتكرر تقطع طريقك، وتبدو مفحمة ومؤلمة في ذات الوقت. ويصدمك المحاور او المعلق المعلوم او المجهول بجملة ” لا تحدثني عن فلسطين، وانا ليس لدي خبز، لا تحدثني عن مواجهة الاجرام الإسرائيلي وتهويد القدس وانا لا اجد نقطة وقود اواجه بها صقيع البرد، لا تتحدث عن الهيمنة الامريكية والصلف الغربي في بلادنا، وانا اجلس في العتمة بلا كهرباء، وانا لا اجد طعام لاطفالي. او اخرون يصيغون الفكرة بشكل اخر ويطلب منك ان تتحدث عن الفساد في بلادنا وعن اللصوص من أبناء جلدتنا، قبل ان تتحدث عن لصوص الثروات الخارجيين، وعن الهيمنة والاحتلال.

وهناك اخرون يطرحون ذات الفكرة ولكن بشكل صادم، دعونا نطبع مع إسرائيل ونسلم للإرادة الامريكية والسياسات الغربية لنعيش بازدهار ورخاء وبحبوحة فقد سئمنا الصمود والمواجهة والشعارات الفارغة التي لم تحقق شيئا. في تلك اللحظات تبدو اية مطالعة او خوض في القضايا الكبرى لا معنى لها. كيف تطلب من جائع او مهان في وطنه ان يهتم بتحديات إقليمية ودولية؟ وكيف تواجه قناعة البعض ان التسليم لإسرائيل والغرب يفتح أبواب الانفراج المعيشي ويحقق الرخاء الاقتصادي.

ad

لا شك ان المواطن العربي في كثير من الدول العربية يعيش ازمات معيشية خانقة، ومن نافل القول ان بعض البلدان العربية باتت بؤر للبؤس واليأس وفقدان الامل بالمستقبل. انا أعيش في واحدة من هذه البلدان واختبر يوميا هذه المعاناة من فقدان للدواء والكهرباء وغلاء الأسعار الخ.

ولكن هل الفصل بين الاهتمام بالقضايا الكبرى والمشكلات المعيشية، واعتبار هذه الثانية أولوية والأولى ترفا فكريا نضاليا ليس وقت طرحه، هو فصل طبيعي يفرضه الواقع المعاش؟

هل التسليم للإرادة الامريكية والتسلط الغربي حل عملي لمشكلات ضنك الحياة وشظف العيش؟

وهل التطبيع مع إسرائيل يجعلنا نعيش بازدهار ورخاء ويلقي عن كتفنا تبعات واحمال نهج المقاومة والمواجهة والرفض؟

دعوني استغل هذه المساحة للإجابة عن هذه التساؤلات مرة واحدة وللابد، واحاول ان احسم من وجهة نظري هذه الآراء المنتشرة والمتزايدة في مجتمعنا.

أولا الفصل بين القضايا الحياتية وبين القضايا السياسية والاستراتيجية الكبرى يمكن تفهمه حين يصدر عن المواطن العادي المكتوى بنار الازمات ويحتاج لحلول فورية انقاذية، اما استخدام الفصل من قبل بعض النخب فهو قصور في الرؤية والتشخيص.

الحرب 11 عاما في سورية كانت سببا رئيسيا للازمة التي يعاني منها الشعب السوري، قبل عام 2011 بدء الحرب لم تكن البلاد تعاني من أزمات تذكر. قرار الحرب الذي اشتركت فيه عدة دول، كان لهدف استراتيجي يتجاوز اسقاط النظام الى تغيير الدور السوري في الإقليم. وبعد توقف المعارك فرضت الولايات المتحدة حصارا مشددا على سورية مقابل مطالب سياسية.

 تغيير الدور السوري في المحيط يعني من الوجهة الامريكية دخول سورية في فضاء الخاضعين والمنفذين للسياسات الامريكية، وتخلي سورية عن دعم المقاومة الفلسطينية، والتخلي عن الجولان المحتل، والتصالح مع إسرائيل، ومناصبة العداء لإيران والمقاومة اللبنانية وكل القوى التحررية في العالم العربي. وفي لبنان وجود المقاومة المواجهة للاطماع الإسرائيلية في لبنان منشأ أساسي للازمة المعيشية، والمنع الأمريكي الصارم لاي دولة عربية من مساعدة لبنان، ومنع لبنان الاستفادة من اية عروض روسية او صينية او إيرانية لانقاذه من الازمة.

وقد يقدم البعض في لبنان الفساد المتوحش على مسألة الحصار. الفساد في لبنان علة مزمنة هذا اكيد، لكن هذا الفساد عمره اكثر من ثلاثين عاما، ومحاربته لا يكون بتجويع الشعب وحرمانه من ابسط مقومات الحياة، فضلا عن ان عتاة الفاسدين من المسؤولين اللبنانيين هم حلفاء “اذا جازت كلمة حليف” للولايات المتحدة. الحصار والتجويع في قطاع غزة، مرتبط بوجود مقاومة مسلحة تدافع عن الشعب في وجه الة القتل اليومي الإسرائيلية، وتقف في وجه العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وتهويد القدس وتهجير السكان.

 وبالتالي الازمات اليومية لتي نعاني منها في بعض البلدان العربية هي مرتبطة عضويا بالقرار السياسي والموقف من القضايا الكبرى.

ثانيا: اذا كانت الازمة مرتبطة بالموقف والدور السياسي لماذا لا نخضع للولايات المتحدة والغرب وننفذ ما يريده منا؟

اذا كان الخضوع يجلب رغيف الخبز، فان الرغيف سيكون أداة اخضاع وابتزاز في قضايا تتجاوز السياسية الى القيم الاجتماعية والمقدسات الدينية ومفاهيم العقائد. ثمن الخضوع والاستسلام مكلف وباهظ جدا علينا كمجتمعات قبل كيانات الدول. الخضوع لا يعني فقط تحولنا الى قطيع منهوب الثروات والقرار والسيادة، انما فاقد للقيم كذلك، سيكون الابتزاز برغيف الخبز لاحقا وسيلة لقبولنا قيم الغرب سواء المثلية او تقبل الإساءة للاديان والمعتقدات تقبل الاحتلال وضياع المقدسات وضرب محورية الاسرة، وتغيير العلاقات الاجتماعية، يعني فقدان الهوية والإرادة.

ان انتهاج مسار المقاومة كحل للمشكلات المعيشية اقل كلفة من الخضوع، فتنظيم مقاومة ضد الاحتلال الأمريكي لحقول النفط السورية، يوفر الاكتفاء الذاتي للسوريين من الوقود ويزيد للتصدير، ان طرد الاحتلال الأمريكي من شرق سورية يعيد انعاش زراعة القمح والقطن ويؤمن الخبز والكساء. ان كسر شوكة إسرائيل عبر الرد المباشر بالنار على عدوانها المتكرر على سورية يجعل دول العالم تهرع الى دمشق لاحتواء الموقف والنظر في الشروط السورية. لن يكون الثمن الذي ندفعه في ظل الدمار والجوع الحصار اكبر من الثمن الذي سوف تدفعه إسرائيل والقوات الامريكية في بلادنا.

ثالثا: اما بدعة دعنا نتصالح مع إسرائيل وننهي الحصار والجوع ونعيش في رخاء، فهي بدعة ساقطة بالنظرة السريعة الى الدول المطبعة وحالها، ولا يمكن اعتبار الامارات نموذجا لان ثراء الامارات يسبق التطبيع بعقود. واهم من يظن ان إسرائيل ستتصالح معك وتجلس كالجار الوديع تنظر اليك وانت تزدهر وتحقق تقدما في أي مجال كان. على العكس تماما سوف تتمدد جغرافيا ونفوذا وهيمنة مع كم الكراهية التي تحمله تجاه العرب والمسلمين ستكون انت تحت براثن عدو يحترف التنكيل والاجرام. انظروا الى حال السلطة الفلسطينية والضفة الغربية بعد أوسلو والتصالح وتنفيذ المطالب الإسرائيلية.

ان دفاعنا عن أولوية واهمية القضايا الكبرى، لا يعني اغفالنا للفساد الداخلي في دولنا ومسؤولية الفاسدين والفاشلين واللصوص وحيتان الازمات مصاصي الدماء من أبناء جلدتنا. وضرورة وضع حد لطمعهم واستغلالهم اوجاع البشر. لكن ان نهزأ بقضايانا، والمدافعين عنها بتهمة انهم في زمن اخر قديم او أصحاب خطاب خشبي او نطرح نظريات عن التسليم للإرادة الغربية والإسرائيلية طمعا بالراحة والازدهار والرخاء، فهذا تسطيح لحقائق التاريخ والجغرافيا، ونكوصا يفتح أبواب مآسي اكبر واعظم.

كاتب واعلامي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى