كتاب عرب

دلالات التصعيد الأميركي في سورية / حسن نافعة

أسباب داخلية وخارجية كثيرة دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتخاذ قراره بالهجوم على مطار الشعيرات العسكري في سورية. ففي الداخل الأميركي كان ترامب يبدو رئيساً ضعيفاً وعاجزاً ومرتبكاً ومحاصراً ويفتقر إلى الحد الأدنى من الخبرة والمهارة السياسية اللازمين لقيادة أكبر قوة ظهرت على وجه الأرض. فالتظاهرات المناهضة لشخصه لم تنقطع منذ بداية تنصيبه رئيساً، تعبيراً عن رفض قطاعات شعبية عريضة له وقلقها من سياساته المتوقعة في ضوء تصريحاته ومواقفه المتطرفة إبان الحملة الانتخابية، والمؤسسة القضائية ترفع في وجهه قفاز التحدي وتبدو مصرة على عدم منحه الفرصة للعبث بالدستور والقانون والقيم الأميركية الأصيلة والراسخة. وهي تمكنت من إسقاط قرارات، رأتها تمييزية وعنصرية، كان ترامب اتخذها تحت ذريعة مكافحة الإرهاب لمنع المسلمين من دول بعينها من دخول الولايات المتحدة. والكونغرس بدا متوجساً من حماقات ترامب المحتملة وأبدى عدم استعداده لمنحه شيكاً على بياض لتمرير ما يراه من قوانين، على رغم تمتع الحزب الجمهوري الذي يقوده بغالبية واضحة في مجلسيْ الكونغرس، وحال دون تمكينه من إلغاء برنامج أوباما للتأمين الصحي الذي يستفيد منه 20 مليوناً من الفقراء الأميركيين. والأهم من ذلك أن ترامب نفسه أصبح موضوعاً للسخرية وهدفاً لاتهامات تشكك في نزاهته الشخصية وفي استقامته الأخلاقية، وتصفه بأنه رجل لا يتورع عن التهرب من دفع الضرائب، ويجامل أقاربه ومعارفه من دون أي اعتبار للكفاءة المهنية أو المواءمة السياسية، ولديه علاقات مريبة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تدخل لمصلحته في الانتخابات الرئاسية الأميركية ولولاه لما تمكن من دخول البيت الأبيض.

أما على الصعيد الخارجي فقد بدت معظم الأوساط العالمية، بما في ذلك الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، ليست فقط متوجسة من حماقات ترامب المحتملة وعدم خبرته في الشؤون الخارجية، وإنما بدت صورة إدارته برمتها مهتزة، خصوصاً عقب الإقالة أو الاستقالة السريعة لعدد من أقرب معاونيه. فجأة بدأت وكالات الأنباء العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي تتناقل صوراً مرعبة لعشرات الضحايا من المدنيين السوريين، مؤكدة أنهم سقطوا عقب غارة جوية شنّها النظام السوري على منطقة خان شيخون استخدمت فيها أسلحة كيماوية محرمة دولياً. وعلى رغم أن النظام السوري نفى تماماً استخدامه أسلحة كيماوية لم يعد يمتلكها (بعد إجباره على التخلص منها)، وبدا مستعداً لاستقبال لجنة تحقيق دولية محايدة، أصر ترامب على توجيه الاتهام له وتحميله المسؤولية كاملة وقرر توجيه ضربة عسكرية إلى قاعدة الشعيرات الجوية التي ادعى أن الغارة الجوية التي استخدمت فيها أسلحة كيماوية انطلقت منها، وبدا واضحاً أن هذا الحدث يتيح أمامه فرصة فريدة لتغيير صورة إدارته تماماً في الداخل والخارج، وأظن أنه نجح في ذلك إلى حد بعيد. فدونالد ترامب يبدو الآن بعد قيامه بتوجيه هذه الضربة، رئيساً أميركياً قوياً، لا يميل كثيراً للثرثرة واللغو وإنما إلى الإنجاز والفعل، ولديه القدرة على كسب ثقة الأصدقاء وإجبار الأعداء في الوقت نفسه على خشيته واحترامه. لذا فالأرجح أن يكون الهدف الرئيس من قراره بتوجيه ضربة عسكرية إلى سورية هو استعادة الثقة في إدارته بعد أن اهتزت صورتها كثيراً في الداخل والخارج، على رغم عدم استبعاد وجود أهداف أخرى موضوعية لا تقل أهمية. فالضربة حملت في طياتها رسائل مختلفة أريد لها أن تصل إلى أطراف عدة في الوقت نفسه (بعضها حليف للولايات المتحدة وبعضها معاد لها)، وبات واضحاً أن محصلة التفاعلات الناجمة عنها ستصب في النهاية لمصلحة دونالد ترامب وإدارته، موقتاً على الأقل. وإذا تجاوزنا الداخل الأميركي، وهو الطرف الذي نعتقد أنه المستهدف الأول بهذه الضربة كما سبقت الإشارة، وحاولنا البحث عن العناوين الأخرى المستهدفة، سنجد أن الضربة الموجهة لسورية تبعث برسائل متنوعة إلى أطراف خارجية في الوقت نفسه، وذلك على النحو التالي:

1 – رسائل طمأنة للحلفاء، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وغيرها من الدول التي تشعر بالقلق إزاء تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. فقد أصبح بمقدور دونالد ترامب بعد هذه الضربة، استعادة ثقة دول حليفة بعد طول اهتزاز في عهد أوباما وإشعارها من جديد بأن سياسة الولايات المتحدة تغيرت وأن رئيسها الجديد بات يدرك بصورة أفضل خطورة التمدد الإيراني في المنطقة وسيسعى بجدية لوقفه حتى لو استدعى الأمر استخدام القوة. غير أن ترامب يمكن أن يسعى جاهداً لتوظيف هذه الثقة المستعادة ليحصل على كل ما يفيد تحقيق استراتيجته الأساسية التي تلخصها عبارة «أميركا أولاً»!

2 – رسائل تخويف للأعداء، خصوصاً إيران و «حزب الله»، مفادها أن زمن الانسحاب الأميركي قد ولى، وأن الولايات المتحدة باتت الآن مصممة أكثر من أي وقت مضى ليس فقط على العودة إلى المنطقة مرة أخرى وإنما أيضاً على البقاء فيها دفاعاً عن مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية. وفي هذا السياق يمكن القول إن الإدارة الأميركية الجديدة تريد أن تقول لكل المناوئين للسياسات الأميركية في المنطقة وفي العالم كله إنهم يرتكبون خطأ فادحاً إن هم رسموا تصوراتهم ورؤاهم لمستقبل المنطقة والعالم بناء على افتراض الغياب الأميركي أو العودة من جديد إلى سياسة العزلة التي مارستها الولايات المتحدة في مراحل تاريخية سابقة، وإن الاحتماء بروسيا أو بغيرها لن يفيدهم كثيراً.

3- رسالة تحذير إلى روسيا لدفع بوتين لتغيير سياساته بما يضمن أخذ المصالح الأميركية في المنطقة في اعتباره، وعدم التمادي في اندفاعه لبناء علاقات تحالف مع الدول والقوى المعادية للولايات المتحدة في المنطقة، وفي مقدمها إيران ونظام بشار الأسد و «حزب الله». وفي هذا السياق يمكن القول إنه ليس من المستبعد إطلاقاً أن يكون أحد الأهداف الرئيسة للضربة الأميركية في سورية دق إسفين في العلاقة بين روسيا الاتحادية من ناحية، وكل من إيران والنظام الحاكم في سورية و «حزب الله»، من ناحية أخرى.

غير أن تحقيق هذه الأهداف بالكامل سيتوقف في نهاية المطاف على رد الفعل الروسي على الضربة الأميركية. فإذا أخذ هذا الرد شكل التحدي للإدارة الأميركية وقرر بوتين ضخ المزيد من السلاح النوعي للجيش السوري والانغماس بصورة أكبر في العمليات العسكرية المباشرة، ببناء أنظمة مضادة للصواريخ ودعم الاستحكامات الدفاعية في كل المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري وزيادة عدد طلعاته الجوية لتمكين هذا النظام من إلحاق هزيمة عسكرية بكل فصائل المعارضة، وليس فقط بالفصائل المصنفة دولياً بالإرهابية، فمن المتوقع أن يدخل النظام العالمي حينئذ في دوامة أزمة كبرى تتحول فيها سورية إلى كوبا جديدة تذكرنا بأزمة الصوريخ في بداية ستينات القرن الماضي. أما إذا أمكن الطرفين توظيف التصعيد الأميركي لبناء علاقة أميركية- روسية جديدة تسمح بحل سريع وجذري للأزمة السورية فسيكون ذلك بمثابة تطور إيجابي مهم يساعد على تحقيق السلم والأمن الدوليين بصورة أفضل.

وليس مستبعداً أن يكون هذا النوع من التفكير الإيجابي حاضراً في ذهن الإدارتين الأميركية والروسية في اللحظة الراهنة وأن يكون هو محور الاتصالات الجارية حالياً بين القطبين الكبيرين. وعلى أي حال فمن المتوقع أن تتضح الأمور بصورة أكبر في نهاية زيارة وزير الخارجية الأميركي لموسكو هذا الأسبوع.

وعلى أي حال، فقد أكد الهجوم العسكري الأميركي على سورية شيئاً أساسياً، كان متوقعاً من قبل وهو أن ترامب رجل يمكن أن يفعل أي شيء ولا يمكن التنبؤ مسبقاً بقرارته أو باتجاه حركته.

 

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى