أسطورة النووي الإيراني في حرب الأكاذيب الأمريكية / هاني الكنيسي

في عام 1957، وقّعت طهران وواشنطن اتفاقية التعاون بشأن “الاستخدامات المدنية” للطاقة الذرية، والتي سمحت للولايات المتحدة بنقل التكنولوجيا والمواد النووية من خلال برنامج “الذرة من أجل السلام” الذي أطلقه الرئيس ‘دوايت أيزنهاور’.
وفي 1959، افتتح آخر شاه لإيران ‘محمد رضا بهلوي’ مركز طهران للأبحاث النووية. وبعدها بسنوات، زودت الولايات المتحدة إيران بمفاعل نووي حراري بقدرة 5 ميغاواط، صُمم لإنتاج النظائر المشعة الطبية ولأغراض البحث العلمي.
بعد الثورة الإيرانية عام 1979، أوقفت الجمهورية الإسلامية برنامج أبحاث الطاقة النووية.
وعقب انتهاء الحرب الطاحنة مع العراق عام 1988، ووفاة آية الله الخميني عام 1989، استأنفت إيران برنامجها للطاقة النووية لتوليد الكهرباء، وإنتاج النظائر المشعة الطبية، والتدريب العلمي.
في عام 1995، وقّعت إيران اتفاقية مع روسيا لإعادة بناء محطة ‘بوشهر’ النووية (التي بناها الألمان الغربيون عام 1975 وقصفها العراقيون باستخدام معلومات استخباراتية من ألمانيا الغربية أيضاً).
ومنذ ذلك الحين، كرر المسؤولون الإيرانيون رفضهم التام للأسلحة النووية. ولم تُبدِ واشنطن أي تشكيك في موقف طهران عندما استأنفت برامج الطاقة النووية لأغراض مدنية.
حروب الولايات المتحدة على أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، خلّصت إيران -بطريقة غير مباشرة- من جارين لدودين (حركة طالبان ونظام صدام حسين)، ومنحتها نفوذا “طائفياً” في العراق وسوريا ولبنان. مما دفع واشنطن الحريصة على عزلها دوليا، إلى الترويج في عهد جورج بوش لأسطورة طموحات إيران النووية، واستغلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بشكلٍ انتهازي في حملتها العدائية.
تجاهل بوش التقييم الرسمي الصادر عن مجتمع الاستخبارات الأمريكي عام 2007، والذي جاء فيه نصًا: “نُرجّح جدا أن طهران أوقفت برنامجها النووي في خريف عام 2003”. وهي النتيجة ذاتها التي كانت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وأجهزة أمنية أخرى خلصت إليها، ورفعت بها تقارير موثقة إلى الإدارة الأمريكية.
في عام 2011، أشار تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن مساعي إيران للحصول على “معدات نووية ومعدات ذات استخدام مزدوج”، مشيرةً إلى “بعد عسكري محتمل”، ولكن دون تقديم أي دليل. واستنتج العديد من الخبراء المستقلين أن تلك المزاعم التي وردت “مصحوبة بتحفظات”، عكست أن وكالة الطاقة تعرضت لضغط هائل من الحكومة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، ولذلك حمل تقريرها بصمات “التأثير السياسي”.
في عام 2015، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقييمها النهائي بشأن القضايا العالقة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والذي كتبه مديرها العام ‘يوكيا أمانو’. وقد أكد التقرير بشكل قاطع أنه “لا توجد مؤشرات موثوقة” على أي أنشطة تتعلق بجهاز تفجير نووي بعد عام 2009، ولا يوجد دليل ملموس على تحويل مواد نووية لأغراض عسكرية.
في عام 2025، قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ‘رافائيل غروسي’ في مقابلة مباشرة مع قناة الجزيرة: “لم نجد في إيران ما يشير إلى وجود خطط فعّالة ومنهجية لبناء سلاح نووي”.
والحقيقة أن إيران أكدت مرارًا وتكرارًا أنها لا تملك برنامجًا للأسلحة النووية ولا تخطط لذلك. بل إن مرشدها الأعلى علي خامنئي نشر “فتوى” عام 2003، يكرر فيها ما أعلنه قبل ذلك بعقد من الزمن. وفي تلك الفتوى، أشار خامنئي إلى أن الجنود الإيرانيين عانوا من استخدام العراق لغاز الخردل وغيره من الأسلحة الكيميائية (التي زودته بها الولايات المتحدة وألمانيا الغربية)، وأن المبادئ الإسلامية تجعل استخدام أسلحة الدمار الشامل “ذنبًا لا يُغتفر”.
في 17 فبراير 2026، صرّح الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان قائلاً: “استنادًا إلى فتوى المرشد الأعلى، ومن وجهة نظر أيديولوجية، فإننا لا نسعى إطلاقًا إلى امتلاك أسلحة نووية، ومهما كانت الطريقة التي يرغبون بها في التحقق من ذلك، فنحن مستعدون”. وتساءل: “بأي لغة نقول إننا لا نريد أسلحة نووية؟”. وقد تُرجم تصريحه، الذي كُتب بالفارسية، إلى عدة لغات. ومع ذلك، يبدو أن هذا الخبر لم يصل إلى البيت الأبيض.
ورغم كل ذلك، قال ترمب في خطاب حالة الاتحاد الأخير يوم 24 فبراير الماضي، بكل صلافة: “لم نسمع منهم الكلمة السحرية: لن نمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا”.
قال ذلك متجاهلاً تغريدة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي سبقت خطابه ببضع ساعات والتي كتب فيها: “لن تُطوّر إيران سلاحًا نوويًا تحت أي ظرف من الظروف”.
وبعدها ببضعة أيام شن الجيش الأمريكي غارات مشتركة مع الإسرائيليين على إيران وقتل المرشد وصفوة فادته العسكريين، فيما بدا وكأنه تكرار لسيناريو الحرب التي شنها سلفه بوش على العراق بذريعة امتلاك “أسلحة دمار شامل”، التي كان الجميع يعلم أنها كذبة كبيرة.
وعلى مر التاريخ كان الشعب الإيراني ضحية حروب حركتها دوافع “خفية”، بدءًا من الحرب الأنجلو-فارسية (1856-1857)، مرورًا بالحرب مع العراق (1980)، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية الهجينة.
وفي قصيدته “توابيت بلا أغطية وبلا جثث”، كتب الشاعر الإيراني ‘بهزاد زرينبور’ عن رعب الحرب التي جاءت بها “الكذبة الأمريكية”. وفيما يلي ترجمة “بتصرف” لبعض أبيات تلك القصيدة الحزينة:
رِيحُ الدَّمارِ أزكمت أُنُوفَ مَدينَتي
فَغَدَتْ تُحاصرُنا بِكُلِّ مكانِ
لا حُرَّ يَهرُبُ مِن هَجيرٍ حارِقٍ
لِيَلُوذَ بالمتداعي من جدرانِ
مفارشُ الموائدِ للجفاءِ ممتدةٌ
ووعودُ الرجال جَوفاء كَالأوثانِ
بطونٌ جوعى تقتات الرصاص لا الخبز
وقد كان قوتُنا شبه مجاني
وبَاعَةُ المِلْحِ المفلسون أرسلوا
أكياسَهم إلى جبهة الحرب .. كي تمتلي رَملاً كالقُرْبانِ
لسان جدتي من الرعب معقودٌ
حتي باتت تنسى صلواتها .. رغم عمق الإيمانِ.


المصدر: الفيسبوك – صفحة Hany El-konayyesi.

زر الذهاب إلى الأعلى