ترمب “عديم” المبادئ الأخلاقية والعقيدة السياسية.. / هاني الكنيسي

في قراءة ‘فوكوياما’ للحرب الأمريكية على إيران
الأكاديمي الأمريكي ذو الأصول اليابانية ‘فرانسيس فوكوياما’ Fukuyama اكتسب شهرته عالمية -كأحد أبرز المفكرين السياسيين المعاصرين- بفضل أطروحته حول “نهاية التاريخ” في كتابه الشهير The End of History and the Last Man عام 1992.
وفيه، قدّم أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد رؤية جديدة -بعد نهاية حقبة الحرب الباردة عملياً بانهيار الاتحاد السوفييتي- مفادها أن “الديمقراطية الليبرالية” هي الصيغة النهائية والتطور “الأمثل” لأنظمة الحكم السياسي، وأن “الصراع الأيديولوجي” الكبير الذي طبع التاريخ الحديث بلغ منتهاه بانتصار ذلك النموذج “الغربي”.
إلا أن التحولات الدولية اللاحقة ووقائع الأحداث، خاصة بعد عام 2010، دفعت العديد من الباحثين إلى إعادة تقييم الرؤية “الفوكويامية”. إذ إن بروز قوى كبرى “غير ليبرالية” مثل الصين، وعودة النزعات القومية، وبزوغ التيارات اليمينية والشعبوية في أوروبا، وزيادة الاستقطاب وصعود الأنظمة السلطوية، فضلا عن تفاقم الأزمات وفضائح الفساد داخل الديمقراطيات الغربية ذاتها .. كشفت بالأدلة الواقعية عن عالم أكثر تعقيدًا مما افترضه الأكاديمي “المتفائل”. بل. إن تلك التطورات انعكست على مواقف “فوكوياما” نفسه، فاعترف بأن “الديمقراطية الليبرالية ليست حتمية تاريخية”، وإن ظلت -في نظره- أفضل نموذج متاح رغم كثرة التحديات.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال العلاقة الشخصية و”الجدلية” المميزة بين ‘فوكوياما’ وأستاذه السابق في جامعة هارفارد ‘صمويل هنتنغتون’، أحد أهم منظّري العلاقات الدولية في القرن العشرين، والذي انشغل أيضا بمحاولة الإجابة على سؤال: ما هو النظام العالمي الأمثل بعد الحرب الباردة؟ لكنه قدّم رؤية مغايرة لتلميذه ‘فوكوياما’ وذهب في كتابه الشهير “صراع الحضارات” The Clash of Civilizations -المنشور عام 1996- إلى التنبؤ بأن يشهد المستقبل توجهًا عالميًا إلى “صراع محتدم بين الثقافات والحضارات (غربية، إسلامية، صينية…وغيرها)، مؤكدا أن العالم في طريقه إلى الانقسام.
ومع تطورات العقدين الأخيرين، وأحدثها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبدو تنبؤات ‘هنتنغتون’ التشاؤمية أكثر “واقعية” من تفاؤل ‘فوكوياما’ الذي يظل أحد أهم المرجعيات في السياسة الدولية، خصوصاً مع مراجعاته الفكرية (بدون استتابة) التي تعكس مرونةً وتفاعلًا نقديًا مع واقع العالم المتغير.
والحقيقة أن كل هذا “التنظير” ليس سوى تمهيد “واجب” لاستعراض ما كتبه ‘فرانسيس فوكوياما’ مؤخراً عن تطور السياسة الأمريكية الخارجية في الولاية الثانية لترمب، وبالتحديد في ضوء حربه على إيران. *ويلزم التنويه بأن ما يلي ليس ترجمة حرفية لمقاله الطويل والثري (الذي يمكن العثور عليه في نسخته الإنجليزية بقليل من البحث على الإنترنت)، وإنما مجرد اجتهاد مني في إيجاز “تحليلي” لأهم نقاط الطرح “الجدير بالتأمل”.
“ترامب خان استراتيجيته للأمن القومي .. لا مبدأ أو عقيدة، بل مجرد أهواء”، هو العنوان الذي اختاره ‘فوكوياما’ لمقاله الذي بدأه باعتذار لانقطاعه عن الكتابة لمدة العطلة التي أمضاها في Deep Springs بعيدًا عن الأخبار، ليعود فيجد أن الحرب الأمريكية “غير المبررة” على إيران دخلت شهرها الثاني ومرشّحة للتوسع.
وفي المتن، يقدّم الكاتب رؤية ناقدة ومتشائمة لطبيعة السياسة الخارجية الأمريكية في العهد البرتقالي، مفادها أن ما يُعرف تقليديًا بـ”العقيدة” أو الإطار الفكري الناظم للسياسة الخارجية يكاد يكون غائبًا تمامًا، لتحلّ محلّه اعتبارات شخصية وتقلبات مزاجية. فينطلق من تفكيك فكرة “مبدأ ترمب” Trump doctrine، التي سعى بعض منظّري السياسة الخارجية إلى استخلاصها من تصريحات الرئيس وقراراته. إلا أن ‘فوكوياما’ يدفع بأن الشواهد العملية تفصح عن تناقض صارخ بين ما ورد “نصًا” في وثيقة “استراتيجية الأمن القومي” الأمريكية التي احتفى الجمهوريون بصياغتها في نوفمبر الماضي، وبين السلوك الفعلي لإدارة ترمب.
إذ تنص الوثيقة على وجوب “تقليص الالتزامات الخارجية” وإعادة ترتيب الأولويات، مع التركيز على “نصف الكرة الغربي” وتقليل أهمية الشرق الأوسط، بل ولا تذكر “مشكلة إيران” سوى مرتين؛ الأولى احتفاءً بجهود ترمب التفاوضية “لإحلال السلام بين طهران وإسرائيل”، والثانية في الإشارة إلى أن القدرات النووية الإيرانية قد “ضُعِّفت بشكل كبير” نتيجة الضربة الأمريكية لمنشآتها في يونيو 2025.
وهنا يذكّر ‘فوكوياما’ بأن الوثيقة الاستراتيجية -التي يُفترض أنها تصوغ إطار السياسية الخارجية الأمريكية الرسمية- لا تناقش في أي موضع من نصوصها البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً مباشرًا للولايات المتحدة، برغم أنها تذكر مضيق هرمز في سياق المصالح الأمريكية لضمان “ألا تقع إمدادات الطاقة الخليجية في أيدي عدو صريح؛ وإبقاء الممر المائي مفتوحاً”، ولضمان بقاء البحر الأحمر صالحاً للملاحة، ولضمان ألا تكون المنطقة “حاضنةً للإرهاب الموجه” ضد المصالح الأمريكية، وأخيراً لضمان “أمن إسرائيل”.
وفي ضوء ذلك، يتناول المفكر الأمريكي ما يصفه بـ”التناقض الواضح” بين تلك “العقيدة المكتوبة”، والقرار “العسكري” بشن حرب مشتركة مع إسرائيل على إيران؛ معتبرًا أن هذا “لا يمكن تبريره في إطار مصالح حيوية واضحة للولايات المتحدة، بل يعكس توجهًا للإفراط في ربط أمن إسرائيل بالأمن القومي الأمريكي”. وعند هذه النقطة، يطرح الكاتب تفسيرًا بديلًا: السياسة الخارجية في عهد ترمب تُدار وفق دوافع شخصية للرئيس نفسه؛ تشمل الضغائن الفردية، والانطباعات المتأثرة بما تعرضه وسائل الإعلام المتطرفة مثل ‘فوكس نيوز’، فضلًا عن قناعات لا تستند إلى تحليل مؤسسي سليم.
ويُسهب المقال في توضيح كيف انتقل ترمب في فترته الثانية، من نزعة أولية لضبط النفس لم تدم طويلًا إلى الإذعان لشهوة المغامرات العسكرية، مدفوعًا في ذلك بنجاحات عَرَضية -أبرزها عملية خطف رئيس فنزويلا- عززت غروره بقدرته على تحقيق مكاسب سريعة ومنخفضة التكلفة.
كما يسلّط الضوء على تأثير “الفاعلين” المحيطين بترمب، سواء في الدائرة الضيقة لإدارته اليمينية “المنافقة” التي لا تعمل إلا على “إرضاء سيادة الرئيس” (ويخص منهم مديرة الاستخبارات الوطنية ‘تولسي غابارد’، وصهره اليهودي ‘كوشنر’، وصديقه سمسار العقارات ‘ويتكوف’, ووزير حربه ‘هيغشسيث’ الذي يصفه فوكوياما بالمهرّج)، أو في دائرة النفوذ (الصهيونية) الخارجية التي يقودها النتنياهو، خصوصًا في إقناعه بإمكانية تكرار “النموذج الفنزويلي” في إيران. ثم يُبرز خطورة “ضعف المؤسسات التقليدية” -كمجلس الأمن القومي ووكالات الاستخبارات- التي يفترض أن تضبط “عملية صنع القرار”، لكنها أصبحت “خاضعة لمنطق الولاء الشخصي لا الكفاءة المهنية”، على حد تعبير ‘فوكوياما’.
ويخلص المقال إلى أن غياب “عقيدة” واضحة للنظام السياسي الأمريكي لا يمثل مجرد خلل نظري بل “خطرًا عمليًا يُفقد النظام الدولي أحد أهم عناصر استقراره: القدرة على التنبؤ بسلوك القوة العظمى”. وبدلًا من سياسة خارجية قائمة على “مبادئ أو مصالح محددة”، أصبحت قرارات واشنطن “رهينة اعتبارات فردية ومشاعر شخصية” لدى ترمب الذي اعترف بأن قراراته تُبنى على ما يشعر به “في أعماق عظامه” feel it in my bones.
وما أدراك ما في عظام البرتقالي أوما في عقله السادي وجوفه المظلم!!


المصدر: الفيسبوك – صفحة الكاتب.

زر الذهاب إلى الأعلى