ذهب “الدم” السوداني .. و”أبراج” الدعم السريع في دبي / هاني الكنيسي

التحقيق الذي أجرته مؤسسة ‘سنتري’ The Sentry(منظمة استقصائية وحقوقية أمريكية غير ربحية، متخصصة في تتبع الأموال والشبكات المالية التي تغذي الحروب والجرائم ضد الإنسانية)، بالتعاون مع مشروع “تعقّب الجريمة المنظمة والفساد” OCCRP ، ونشرته صحيفة ‘الغارديان’ البريطانية اليوم (الثلاثاء)، كشف أن شبكة مرتبطة بقيادة “قوات الدعم السريع” السودانية تمتلك أكثر من 20 عقارًا فاخرًا في دبي، تُقدّر قيمتها بنحو 22 مليون دولار أمريكي!!
للتذكير، فإن شعب السودان (الشقيق) يئنّ تحت وطأة أسوأ كارثة إنسانية في التاريخ الحديث، بحسب توصيف الأمم المتحدة (عشرات الآلاف من القتلى وأضعاف أضعافهم من المصابين، وملايين النازحين، 33 مليون شخص في حاجة للمساعدات، 19 مليونًا يواجهون المجاعة)، نتيجة الحرب الأهلية الدموية التي دخلت عامها الرابع هذا الشهر، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات “لدعم السريع” بقيادة تاجر الماشية والميليشياوي العتيد ‘محمد حمدان دقلو’ – الشهير بـ”حميدتي”.
وبالعودة إلى تفاصيل التحقيق الاستقصائي، يتضح أن عقارات “آل حميدتي” في قلب دبي النابض، تشمل شققا فاخرة في برج خليفة، وأخرى بالقرب من قاعدة المنهاد الجوية، فضلًا عن أصول تجارية درّت عوائد سنويًة قيمتها 80 ألف دولار بين 2023 و2025.
يصف التحقيق هذه الشبكة العقارية بأنها “بنية متكاملة” تمزج بين النفوذ العسكري والنشاط التجاري لدعم المجهود الحربي لميليشيا الدعم السريع، فيقول ‘نيك دونوفان’ كبير المحققين في ‘سنتري’، إن “الإمارات تسمح لقوات الدعم السريع باتخاذ جزء من مجمعها شبه العسكري الصناعي مقرًا لها في دبي”، مشيرًا إلى أن عائلة حميدتي “وجدت ملاذًا آمنًا لثروتها في الإمارات”.
الوثائق المسربة من سجلات الملكية، تكشف عن:
– فيلات فاخرة بست غرف نوم في مجمعات مغلقة قرب ميدان سباق الخيل.
– قطعة أرض اشترتها زوجة حميدتي بقيمة نحو 780 ألف دولار قرب “نادي ترمب الدولي للغولف”.
– شقة في برج خليفة بقيمة نحو 640 ألف دولار مملوكة لشخص خاضع لعقوبات أوروبية وبريطانية، هو مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد.
كما تُظهر الوثائق استخدام “شركات واجهة” مسجلة في الإمارات، مثل ‘بروديجيوس لإدارة العقارات’، لنقل الملكية وإدارة الأصول الخاصة بحميدتي وشركاه.
وهنا يأتي السؤال البديهي: من أين جاءت كل هذه الأموال؟
الإجابة باختصار: من مناجم “الذهب” التي تسيطر عليها ميليشيات الدعم السريع غرب ووسط السودان. إذ يسهب التحقيق في تفاصيل كيف يتم تهريب الذهب السوداني (المغموس بالدم) إلى دولة الإمارات، حيث يُعاد تدويره وغسله في الأسواق العالمية، قبل تحويل عائداته إلى عملات صعبة تُستخدم في تمويل الحرب الأهلية وجرائم الإبادة.
“ذهب مقابل سلاح” هي المعادلة التي تحكم منظومة متكاملة لاقتصاد حرب تتغذى على موارد ميدانها.
وفيما تنكر أبوظبي “إعلاميًا” تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي للدعم السريع، وتنفي “رسميًا” أي علاقات مالية بقادة الميليشيا المدانين دوليًا بارتكاب إبادة جماعية في الفاشر وتطهير عرقي في دارفور، فإن العديد من التقارير الموثّقة بالأدلة، من بينها ما نشرته وكالة ‘بلومبرغ’ مؤخرًا، تشير إلى شبكة لوجستية أوسع تديرها الإمارات في دول مجاورة للسودان، تشمل مستشفيات ميدانية ومهابط طائرات، ما يوفّر مسارات دعم وإمداد للميليشيات التي تقتل وتشرّد المدنيين يوميًا.
كما تحدثت تقارير أخرى قبل بضعة أيام عن تجنيد “مرتزقة أجانب”، بينهم مقاتلون كولومبيون، للمشاركة في العمليات، وهي اتهامات تنفيها الإمارات أيضًا.
وما بين خيوط هذه الشبكة المعقدة من المصالح السياسية والجرائم العسكرية والارتباطات المالية، يبقى السودان -شعبًا وأرضًا- في دائرة حرب دموية لا تعرف للإنسانية سبيلاً، ولا للضمير صوتًا.


المصدر: الفيسبوك – صفحة الكاتب.

زر الذهاب إلى الأعلى