عن ضربات إيران الخليجية: ثقوب شبكة “الحماية” الأمريكية، ودموع “التماسيح” الإسرائيلية على “الثغرة” المصرية/ هاني الكنيسي

الهجمات الإيرانية الأخيرة على قواعد أمريكية في الكويت والبحرين (حسب رواية طهران)، والتي تسببت في خسائر بشرية وأضرار بمرافق البنية التحتية في البلدين الخليجيين، جددت الجدل حول كفاءة مظلة الحماية الأمريكية في الخليج التي يتوفر لها أحدث و”أغلى” منظومات الدفاع الصاروخية والرادارية. مثلما فتحت الشهية الإسرائيلية لانتقاد الموقف المصري ولومه على “الثغرة الاستراتيجية” في شبكة الدفاع “الإقليمية” ضد إيران، بسبب رفض القاهرة الاندماج في المنظومة العسكرية الأمريكية والتعاون “المباشر” مع الشبكة الأمريكية التي تضم أنظمة إسرائيلية.
فجر اليوم (الأربعاء) تعرضت الكويت لضربات صاروخية وهجمات بمسيرات انتحارية على مطار الدولة ما أدى إلى تعطيل الرحلات الجوية ونقلها لمطارات الدول المجاورة، وتسببت في أضرار جسيمة للمرافق المدنية وفي إصابات بشرية بالعشرات.
بينما أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف قاعدتين جويتين تستخدمهما القوات الأمريكية في الكويت، من بينهما قاعدة علي السالم الجوية التي شهدت الأسبوع الماضي تدمير مسيرة أمريكية من طراز MQ-9 Reaper وإصابة خمسة عسكريين بسبب الشظايا.
وفي البحرين، دوّت صافرات الإنذار في أنحاء العاصمة المنامة وامتدت الهجمات الإيرانية لمحيط المنشآت العسكرية الأمريكية الحساسة. إذ أعلنت القيادة العامة لقوة دفاع البحرين تعرض مركز الخدمات التابع لقيادة الأسطول الخامس الأمريكي في الجفير لضربة صاروخية، دون الإفصاح عن حجم الخسائر.
وبعيدا عن التضارب “المعتاد” بين تصريحات بين القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) وبيانات الحرس الثوري حول طبيعة الضربات ونتائجها، فقد أعادت هذه التطورات الميدانية إلى الواجهة التساؤلات (أو التشككات) التي تأججت خلال حرب الستة أسابيع على إيران (وتعرض العديد من القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في الخليج لضربات مؤذية) حول مدى فعالية شبكة الحماية الأمريكية التي جرى تسويقها لسنوات باعتبارها الضامن الرئيسي لأمن الخليج.
فالواضح أن مسيرات ‘شاهد’ الإيرانية الرخيصة اخترقت “مجددا” إحدى أكثر الشبكات الدفاعية تطورًا (وتكلفةً) في العالم، حيث تنتشر بطاريات Patriot الأمريكية ومنظومات الإنذار المبكر ورادارات X Band بعيدة المدى، إضافة إلى أنظمة إسرائيلية متطورة دخلت “المظلة” مؤخرًا في إطار التعاون مع دول التطبيع الإبراهيمي.
المفارقة الزمنية تجلّت في إعلان وزارة الدفاع الإسرائيلية -قبل ساعات فقط من الهجمات- أن صادراتها العسكرية سجلت رقماً قياسياً بلغ 19.2 مليار دولار، حيث شكلت أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي نحو 29% منها، واستحوذت على 15% منها دول الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام (أي الإمارات والبحرين)، بما في ذلك منظومات Barak-8 و”مقلاع داود David’s Sling .
وهو ما لم يكن بعيدًا عن تسريبات إعلامية وتصريحات علنية للسفير الأمريكي بالقدس ‘مايك هاكابي’ كشفت أن النتنياهو أمر بنقل بطاريات كاملة من منظومة “القبة الحديدية” إلى الإمارات مع بداية الحرب على إيران، وأن طواقم إسرائيلية عسكرية انتشرت في مواقع خليجية لتشغيل هذه المنظومات بصورة مشتركة.
وبينما كان لافتًا مسارعة الخارجية المصرية لإدانة الهجمات الإيرانية على الخليج بوصفها “اعتداءات آثمة وانتهاكاً صارخاً للسيادة”، كان لافتًا أكثر مسارعة دوائر إسرائيلية إلى استغلال الحدث لصب اللوم على مصر في “ثغرات” المظلة الإقليمية. إذ تحدث تقرير مطول منشور في ‘يديعوت أحرونوت’ عن “القلق المتزايد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية” نتيجة رفض القاهرة دمج قواتها المنتشرة في الخليج ضمن شبكة الدفاع الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها إسرائيل. علمًا بأن تصعيد تبادل الهجمات مع إيران خلال الأيام الأخيرة واكبه تعجيل بدمج المنظومات الإسرائيلية في الخليج بشبكة إنذار مبكر موحدة تديرها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، مما يتيح “تبادل بيانات الأهداف اللحظية لتقليص وقت الاستجابة والاعتراض”، حسبما ورد في الإعلام الأمريكي.
وبحسب الصحيفة العبرية، فإن مصر (صاحبة الجيش المصنف 15 عالمياً والأول عربياً لعام 2026) نشرت قوات ومعدات دفاعية في أربع دول خليجية، لكنها أبقت هذا الانتشار ضمن “إطار مستقل”، رافضة الانضمام إلى هياكل قيادة موحدة أو شبكات تشغيل مشتركة تشمل إسرائيل. وفي فقرة “خبيثة”، نقل تقرير ‘أحرونوت’ عن مسؤولين إسرائيليين أن “طهران تدرك جيداً أن القوات المصرية لن تشارك في عمليات قتالية ضد إيران ولن تدمج أصولها ضمن هياكل قيادة مشتركة تشمل إسرائيل”، مشيرًا إلى “تفهم” إيران لطبيعة علاقة مصر “الأخوية” مع دول الخليج، ومستشهدًا بتصريح منسوب لدبلوماسي إيراني يقصر اعتراض طهران على “دعم العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في الخليج”.
وبرغم إسهاب تقرير ‘أحرونوت’ في شرح تفاصيل الوجود العسكري المصري بالخليج، وخصوصًا ما يتعلق بنشر مفارز من مقاتلات ‘رافال’ الفرنسية إلى قواعد في الإمارات مع طياريها المصريين، وإرسال بطاريات دفاع جوي وأنظمة حرب إلكترونية وأطقم تشغيل متخصصة إلى الإمارات والكويت والسعودية، إلا أنه لم يتطرق إلى صيغة “الردع الدفاعي الفني” التي تتبناها القاهرة “رسميًا” والتي تفسّر -رغم توقيعها اتفاقيات فنية قديمة مع واشنطن تتيح تبادل الرصد (CISMOA)- الإصرار على رفض الاندماج في أي هيكل دفاعي أو قيادة عملياتية موحدة في المنطقة تشمل إسرائيل علناً، وتفضيل إبقاء مساهمتها العسكرية في الخليج ضمن أطر “ثنائية عربية” من منطلق مبدأ “أمن الخليج خط أحمر وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري” الذي يكرره المسؤولون المصريون في كل مناسبة.. لكن من دون “التورط” في وضع مشتبك، قد يجلب حساسيات سياسية “إقليمية” ويثير استياءات “داخلية”.
والحقيقة أن دول الخليج نفسها (الكويت والإمارات والسعودية والبحرين) لجأت مؤخرًا إلى ما يمكن تسميته “شبكة أمان موازية”، عبر الاستعانة بقدرات كل من مصر وباكستان والمغرب لتعويض “التراجع” في فاعلية المظلة الأمريكية والاستنزاف اللوجستي الذي أصاب بعض منظوماتها خلال الحرب الإيرانية.
وبخلاف أن السردية الإسرائيلية تبدو متناقضة في مضمونها، فإن الهجمات الإيرانية الأخيرة أعادت طرح سؤال أكثر واقعية من الجدل “المصطنع” حول الموقف المصري: إذا كانت شبكة الدفاع الأمريكية والإسرائيلية، بما تملكه من رادارات “إكس باند” ومنظومات “باتريوت” و”القبة الحديدية” و”مقلاع داود” وشبكات الإنذار المبكر التابعة للسنتكوم، لم تمنع وصول الصواريخ والمسيرات الإيرانية المتواضعة إلى مطار الكويت ومحيط الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، فهل تكمن المشكلة حقاً في غياب التكامل مع السلاح المصري؟!!

زر الذهاب إلى الأعلى