أسرار سلاح “غسل الأدمغة” في أرشيف الاستخبارات الأمريكية/هاني الكنيسي

بعد أكثر من سبعين عامًا على إطلاق أحد أخطر البرامج السرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، يعود اسم “إم كي ألترا” MKUltra إلى بؤرة الجدل السياسي في واشنطن، مع انعقاد جلسة استماع خاصة اليوم (الثلاثاء) في الكونغرس، برئاسة النائبة الجمهورية ‘آنا بولينا لونا’، لمراجعة “الحقيقة الكاملة”
وراء تجارب “السيطرة على العقل” Mind Control والتلاعب بالسلوك البشري خلال ذروة الحرب الباردة وبعدها.
المناقشات التي سيقودها “فريق رفع السرية عن الوثائق الفيدرالية” Task Force on the Declassification of Federal Secrets، نالت اهتمامًا شعبيًا وإعلاميًا واسعًا بعدما ربطت النائبة ‘لونا’، في منشور على حسابها بمنصة ‘إكس’، بين برنامج MKUltra السري وتقارير إعلامية عن “وثائق سرية تتعلق باستخدام اللقاحات الطبية كغطاء لحقن أشخاص بمواد كيميائية تؤثر في السلوك البشري”، مستندةً إلى ما نشرته صحيفة ‘ديلي ميل’ البريطانية، بشأن وثائق استخباراتية رُفعت عنها السرية تكشف -حسب زعمها- “مخططًا مرعبًا” لاستخدام اللقاحات في “غسل أدمغة البشر”. وسرعان ما انضمت إليها النائبة الجمهورية ‘لورين بويبرت’، معلنةً تأييدها لعقد جلسة استماع خاصة بشأن ذلك البرنامج السري.
ووفقًا لما نشره بعض الباحثين المتخصصين، فإن مراجعة الوثائق الأصلية في “أرشيف الأمن الوطني” National Security Archive بجامعة ‘جورج واشنطن’، تكشف أن “اللقاحات الغامضة” التي وردت في تحقيقات الكونغرس ارتبطت بعملية استخباراتية أقدم حملت اسم “مشروع الخرشوف” (Project Artichoke)، وقامت على “اقتراح” باستخدام بيئات طبية وهمية لإخفاء إعطاء عقاقير لأشخاص محددين أثناء عمليات الاستجواب السرية، لكنها لم تكن جزءًا من خطة شاملة للسيطرة على الرأي العام الأمريكي.
وتعكس التفاصيل أسرار سباق محموم في ذروة الحرب الباردة، عندما اقتنع قادة الاستخبارات الأمريكية بأن الاتحاد السوفيتي والصين الشيوعية قد سبقا واشنطن في امتلاك تقنيات “غسل الدماغ” والسيطرة النفسية على الأسرى. فتحولت فكرة البحث عن “مصل الحقيقة” Truth Serum إلى مشروع استخباراتي واسع يستكشف إمكانية إعادة تشكيل الإدراك الإنساني، أو كسر الإرادة، أو حتى برمجة السلوك البشري برمته.
ويقف وراء معظم تلك البرامج “المخيفة”، الكيميائي الأمريكي ‘سيدني غوتليب’ Gottlieb (صورته مرفقة بالبوست)، الذي لُقّب داخل وكالة الاستخبارات المركزية CIA بـ”مهندس” مشاريع السيطرة السلوكية. وفي عام 1975 اضطر الرجل للاعتراف أمام “لجنة تشيرش” Church Committee التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، بأن نجاح التجارب كان يعتمد أولًا على “جهل الضحية بما يجري لها”، وأن فقدان الوعي بحقيقة ما يُحقن به الشخص كان -في نظر القائمين على البرنامج- جزءًا لا ينفصل عن عملية السيطرة نفسها.
وتكشف مذكرة مؤرخة في مارس 1954، رُفعت عنها السرية لاحقًا، تفاصيل عملية استجواب لأحد الجواسيس المعتقلين داخل “منزل آمن” تابع للوكالة، حيث أخضع للتنويم المغناطيسي وأُعطي جرعات كبيرة من مواد كيميائية قيل له إنها علاج للإنفلونزا، قبل أن يستمر احتجازه لمدة 12 ساعة، وفق قواعد “مشروع أرتيتشوك (الخرشوف)”.
لكن أخطر ما تكشفه الوثائق من الناحية السياسية، هو تعاون وكالة الاستخبارات الأمريكية -بشكل سري- مع مستشفيات وسجون ومصحات نفسية وأطباء وباحثين جامعيين لإجراء تجارب على أشخاص لم يكونوا يعلمون أصلًا أنهم أصبحوا جزءًا من برنامج استخباراتي. وشملت التجارب سجناء فيدراليين، ومدمنين على المخدرات، ومرضى نفسيين، إضافة إلى موظفين داخل الوكالة نفسها. ومن أشهر القضايا المرتبطة بالبرنامج وفاة عالم الجيش الأمريكي ‘فرانك أولسون’ Frank Olson عام 1953 بعد تعرضه سرًا لجرعة من مادة LSD، وهي القضية التي لا تزال تثير جدلًا واسعًا، بعدما رجحت تحقيقات لاحقة أنه ربما دُفع من نافذة أحد الفنادق، ولم ينتحر كما أعلنت السلطات آنذاك.
وفي عام 1973، أصدر مدير CIA آنذاك ‘ريتشارد هيلمز ‘ Helms أمرًا بإتلاف سبعة صناديق كاملة تضم ملفات برنامج MKUltra، وذلك قبيل بدء سلسلة تحقيقات في الكونغرس حول أنشطة أجهزة الاستخبارات الأمريكية. وقد أدى تدمير تلك الوثائق إلى فجوات ضخمة في السجل التاريخي، تاركًا أسئلة جوهرية عن تفاصيل القصة بلا إجابة حتى اليوم.
وبرغم أن برنامج MKUltra و”مشروع الخرشوف” بقيا طي أعلى درجات السرية في أرشيف السي آي إيه لسنوت، فقد استطاع الباحث الأمريكي ‘جون ماركس’ الحصول عام 1977على مجموعة ضخمة من الوثائق الحساسة المرتبطة بالبرنامجين، بموجب قانون حرية المعلومات (FOIA)، والتي نشرها لاحقًا في كتابه الشهير “البحث عن المرشح المنشوري” The Search for the Manchurian Candidate. وكشفت الوثائق أن الاستخبارات الأمريكية لم تكتف بدراسة العقاقير، بل فتحت عشرات المسارات البحثية للسيطرة على الإرادة البشرية، شملت التنويم المغناطيسي (Hypnosis)، والحرمان من النوم، والعزل الطويل، والصدمات الكهربائية، وعقاقير الهلوسة مثل LSD.
الطريف والغريب أن هذه المعلومات كانت مصدر إلهام لعشرات الأفلام السينمائية والأعمال التلفزيونية والوثائقية، التي استوحت أحداثها من برامج الاستخبارات السرية لغسل الأدمغة والسيطرة على السلوك البشري. ومن أشهرها فيلم The Manchurian Candidate الذي عُرض في نسخته الأولى عام 1962 (أي قبل نشر الكتاب التوثيقي الذي يحمل الاسم نفسه بحوالي 15 عامًا – وهو ما يثير تساؤلات عن مصدر المعلومات!!)، ثم أعيد إنتاج الفيلم عام 2004 بنفس الاسم (بطولة ‘دينزل واشنطن’ و ‘ميريل ستريب’) وحقق إقبالًا جماهيريًا مشهودًا.
وكان أحدث الأفلام المستوحاة من تلك الوثائق باسمMK Ultra الذي عُرض عام 2022، مستخدمًا الاسم الحقيقي للبرنامج الاستخباراتي السري، وليكون أول فيلم روائي يتناول الأحداث بشكل مباشر وصريح (تدور قصته حول طبيب نفسي في ستينيات القرن الماضي يُستدرج للمشاركة في تجارب تمولها السي أي أيه على مادة LSD وأساليب التحكم بالعقل البشري).
وبعيدًا عن خيال أو “تسريبات” أفلام هوليوود ونظريات المؤامرة، فإن جلسة الكونغرس المرتقبة لا تعيد فقط إحياء أكثر برامج السيطرة على العقل Mind Control إثارة للجدل في تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية، بل تعيد أيضاً طرح سؤال لم تُجب عنه واشنطن بصراحة منذ 70 عاماً: كم بقي من أسرار MKUltra وأوراق “الخرشوف” مدفوناً في غياهب الأرشيف، وكم منها ضاع إلى الأبد مع الصناديق التي أحرقها ‘ريتشارد هيلمز’؟ عرض أقل