جنازة المرشد الإيراني في مرمى النيران الإسرائيلية : مجتبى خامنئي على لائحة الاغتيال، والأمريكان أنقذوا عراقجي وقاليباف بمعجزة/ هاني الكنيسي

استعدادات أمنية ولوجستية غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية لتشييع جثمان المرشد الراحل علي خامنئي على مدار سبعة أيام كاملة (تبدأ السبت)، في رقعة جغرافية تمتد بين مختلف المدن الإيرانية وكبريات المدن العراقية ذات الغالبية الشيعية، بحضور وفود من نحو 30 دولة ومشاركة جماهيرية تُقدر بين 15 و 20 مليونا (تجاوزت الأربعين مليون مشيع في بعض التقديرات البلاغية).
هذه الإجراءات الاستثنائية تبررها مخاوف إيرانية “واقعية” من اختراقات استخباراتية أو هجمات تخريبية قد ينفذها “طرف خفي”، لنسف هيبة الحدث الذي تراهن طهران على تنظيمه بأفضل صورة، ليس فقط كاستعراض قوة أمام العالم (والجيران الإقليميين) المندهش من صمودها أمام القوة العظمى الأمريكية في الحرب والمفاوضات، وإنما أيضاً للتأكيد على مدى تماسك جبهتها الداخلية وتأصيل فكرة “الولاء المذهبي والاستعداد للتضحية بالأرواح” المستندة إلى شعبية نظام الملالي في العقلية الجمعية.
لكن هذه الحشود المليونية من طهران وقم إلى النجف وكربلاء، لا تحجب المفارقة الدرامية المتمثلة في غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي خلف والده القتيل في الضربة الافتتاحية للحرب الأمريكية- الإسرائيلية يوم 28 فبراير المنصرم، والذي أصيب شخصياً في ذلك الهجوم ولم يظهر علناً منذ ذلك الحين -إلا عبر بضع بيانات مكتوبة موجهة للشعب أو في جلسات ثنائية مع كل من الرئيس مسعود بزشكيان وقائد الحرس الثوري (اللذين توليا نقل توصيفها للعامة دون أي تسجيل مصور أو مسموع). بل صدرت أوامر صارمة -وفقاً للمصادر الإعلامية- بمنع المرشد الجديد من حضور مراسم تشييع والده لأسباب “أمنية قصوى”.
هذا “التغييب” القسري جاء بعد أن تأكدت طهران عبر قنوات استخباراتية حليفة أن اسم مجتبى قفز رسمياً إلى صدارة بنك الأهداف الإسرائيلية، مع تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ‘يسرائيل كاتس’ علناً بأن المرشد الإيراني الجديد “موضوع على قائمة الموت” marked for death، وهي الصياغة الحرفية ذاتها التي تسربت من أروقة القرار في تل أبيب قبيل اغتيال والده بأيام قليلة.
وعندما طلبت صحيفة نيويورك تايمز’ من “مسؤول أمني إسرائيلي رفيع” التعليق على ذلك التوجه، كان رده حرفياً: “إذا أرادت إسرائيل القضاء على أي شخص، فإنها تفعل ذلك”.
وكان تعقيب مراسل الصحيفة الأمريكية الذي حاوره كاشفًا، حين قال: “إنها ذات العقلية التي أمرت ونفذت اغتيال شخصيات إيرانية بارزة سياسياً، حتى وإن كانت أدوارها سياسية أو دبلوماسية بحتة، مثل علي لاريجاني وكمال خرازي”، مضيفًا: واضح أن السياسة الإسرائيلية انتقلت بالكامل من مرحلة المواجهة العسكرية التقليدية إلى استراتيجية “الاغتيالات الموجهة” targeted killings الرامية إلى “تفكيك الهرم القيادي الإيراني وإفراغه من مراكز ثقله”.
وإذا كان ذلك التوجه “الدموي” لا يختلف كثيراً عن الاستراتيجية التي اعتمدتها دولة الاحتلال منذ نشأتها، كأداة مركزية في إدارة حروبها المتواصلة (المعلنة والسرية) وتصفية خصومها من شتى البلدان (سياسيين وعسكريين كانوا أم علماء وباحثين واعدين)، فإن اللافت هذه المرة، هو “التزامن” مع تسريبات حساسة نشرتها الصحافة الأمريكية والعبرية مؤخراً عن تدخل أمريكي مباشر -أو “هستيري” حسب تعبير مسؤول في البيت الأبيض- لإحباط مخطط استخباراتي إسرائيلي كاد أن يعصف بمسار المفاوضات المتعثرة مع طهران.
المخطط الذي رصدته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA كان يستهدف اغتيال وزير الخارجية الإيراني ‘عباس عراقجي’ ورئيس البرلمان ‘محمد باقر قاليباف’ أثناء ترؤسهما الوفد الإيراني المفاوض مع وفد نائب الرئيس الأمريكي ‘جي دي فانس’ في سويسرا. وبحسب ما ذكرته صحيفتا ‘نيويورك تايمز’ و ‘واشنطن بوست’ الأمريكيتين (وتناقلته عنها صحف عبرية مثل تايمز أوف إسرائيل’)، نقلاً عن المسؤولين الأمريكيين، فإن واشنطن اعتبرت أن تصفية الوفد التفاوضي في تلك اللحظة لا تعني فقط إنهاء أي فرصة للحل السياسي، بل تعني جر المنطقة فوراً إلى “حرب إقليمية مفتوحة وشاملة تتجاوز حدود السيطرة”. وهو ما دفع الإدارة الأمريكية -وفقا لأولئك المسؤولين- إلى “تجاوز القنوات التقليدية وتمرير تحذير عاجل وساخن جداً إلى طهران عبر وسطاء إقليميين بارزين لإبلاغها بالخطر الوشيك”.
وفي التفاصيل المنشورة، استند التحذير الأمريكي إلى “رصد تحركات ومؤشرات عملياتية نشطة لسلاح الجو الإسرائيلي”، ما دفع طهران إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى واتخاذ إجراءات حمائية غير مألوفة، شملت فرض حراسة عسكرية مشددة وغير مسبوقة على تحركات عراقجي وقاليباف، مع تغيير مسارات الوفد الجوية والبرية بشكل فجائي ومتكرر لتضليل منظومات التتبع والتعقب الأجنبية.
والأنكى أن ذلك التحذير الاستخباراتي من “مخطط قتل إسرائيلي” في سويسرا لم يكن الأول من نوعه، إذ سبقته رواية مشابهة عندما توجه الوفد الإيراني للقاء المسؤولين الأمريكيين في إسلام أباد، وبسبب التحذيرات التي تلقتها طهران في آخر لحظة من عملية إسرائيلية سرية، اتُخذت إجراءات أمنية غير مسبوقة في باكستان، وصفتها بعض التقارير بـ “المستحيلة”، حيث شاركت مقاتلات عسكرية باكستانية في مرافقة وتأمين طائرة الوفد الإيراني في الأجواء لمنع أي استهداف جوي إسرائيلي محتمل!!
كل هذه الوقائع والخلفيات تفسّر أسباب القلق الإيراني وتبرر حجم الاستعدادات غير المسبوقة لتأمين جنازة المرشد الراحل علي خامنئي وغياب نجله (الحاكم الجديد) عن المشهد. وبالتزامن مع إطلاق وزير الخارجية عراقجي تحذيراً شديد اللهجة برد “فوري وقوي” على أي مساس بالسيادة الإيرانية، وتشديد قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي ‘علي عبد اللهي’ على أن “الجيش لن يتسامح مع أي سوء تقدير إسرائيلي أو أمريكي”، بادرت طهران إلى إغلاق المجال الجوي مؤقتاً فوق طهران ومشهد خلال مراسم التأبين، ليبقى “أسبوع التشييع” حافلاً بالدلالات الرمزية والأمنية والسياسية.