أخطبوط الغاز الإسرائيلي في عقر الطاقة المصرية / هاني الكنيسي

مخطط استحواذ شركة ‘ريشيو بتروليوم’ Ratio Petroleum الإسرائيلية على ‘فاروز إنرجي’ Pharos Energy (أي “الفراعنة للطاقة”) البريطانية، لم يتعامل معه الإعلام العبري كصفقة اقتصادية جديدة أو “نقلة” نوعية على رقعة التطبيع الإقليمي فحسب، بل كاختراق استراتيجي لأحد أكثر القطاعات الحيوية حساسية في مصر.
إذ تمتلك ‘فاروز’ امتيازات نفطية وغازية في الفيوم وشمال بني سويف والصحراء الغربية، ومن ثم يرى خبراء أن أي انتقال لاحق للملكية أو التحكم في الأصول قد يفتح أبواب تداعيات سياسية وأمنية تتجاوز بكثير قصة تغيير اسم المالك.
ووفق المنشور في الإعلام الإسرائيلي نقلاً عن وكالة ‘رويترز’، فقد عرضت ‘ريشيو بتروليوم’ شراء شركة الطاقة البريطانية مقابل 124.3 مليون جنيه إسترليني، مع أصول لها في مصر وفيتنام، في وقت تعاني فيه ‘فاروز إنرجي’ ضغوطًا مالية دفعتها إلى بحث التخارج من بعض الأسواق، علماً بأن أصولها في مصر تتركز في “امتيازين رئيسيين” يضمان حقولًا نفطية منتجة.
وبرغم أن الصفقة لا تزال رهينة موافقات تنظيمية ومفاوضات المساهمين، تتأمل تل آبيب أن يؤدي إبرامها -حسب تعليق مسؤول على قناة ‘آي نيوز 24’ العبرية- إلى تعزيز الحضور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمي، خاصة بعد صعود نجم ‘ريشيو بتروليوم’ (وهي شركة متوسطة الحجم، متخصصة في الاستكشاف النفطي) بين شركات الطاقة الإسرائيلية عقب اكتشافات الغاز الأخيرة في شرق المتوسط.
لكن المسألة في القاهرة تتخطى حسابات الاستثمار الأجنبي إلى سؤال يمس سيادتها الاقتصادية، لارتباط قطاع الطاقة بالأمن القومي والقرار السياسي. ولذا تتضاعف مخاوفها من تغلغل النفوذ الإسرائيلي (المباشر أو غير المباشر) المتزايد إلى أصول حيوية قد تتحول لاحقًا إلى ورقة تأثير “أخرى” في أوقات الأزمات السياسية والتوترات الإقليميّة (كما حدث في تقييد صادرات الغاز من حقل ‘ليفياثان’ الإسرائيلي عقب هجمات 7 أكتوبر -بذريعة الظرف القهري- ما تسبب في انقطاع الكهرباء لفترات في مصر وأجبرها على البحث عن مصادر بديلة رغم الاتفاقات الموقعة سابقاً).
*ملحوظة جانبية: كانت مصر تصدر الغاز الطبيعي إلى إسرائيل حتى عام 2012 ثم انعكس المسار التجاري وبدأت تستورد الغاز من إسرائيل بدءاً من عام 2020.
** ملحوظة ثانية: في العام الماضي (2025)، وفي ذروة الأحداث الدرامية بالمنطقة ما بين توحش حرب الإبادة في غزة وتبادل الضربات الإيرانية الإسرائيلية وتصاعد الجدل حول تهجير سكان غزة إلى سيناء، أعلنت شركة ‘نيوميد إنرجي’ NewMed Energy الإسرائيلية (الأضخم حجماً والأوسع نشاطاً) عن صفقة غاز وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ صادرات إسرائيل إلى مصر بقيمة 35 مليار دولار وتمتد حتى عام 2040.
ومع صفقة ‘ريشيو بتروليوم’ -التي ما زالت قيد التفاوض رغم موافقة الشركة البريطانية مبدئيا على البيع- تكتسب المخاوف وزنًا إضافيًا، لأنها تتعلق بالاستحواذ على أصول مصرية في بيئة تسودها أجواء جدل (أو بالأحرى شكوك) حول “حمى الخصخصة” والبيع أو منح امتيازات طويلة الأمد لجهات خليجية، وتداعياتها على المدى الطويل.
ويزداد المشهد تعقيداً نتيجة ارتباط الاستثمارات الإسرائيلية بمشروعات البنية التحتية والطاقة في مصر، وعلى رأسها ترتيبات خط الغاز بين البلدين وما رافقه من إعادة هيكلة لملكية بعض الأذرع التشغيلية. وفي هذا الصدد، يشير تقرير لشبكة CNN أن اتفاق عام 2018 الموقّع بين شركات إسرائيلية وأمريكية وشركة ‘غاز شرق المتوسط’ المصرية للاستحواذ على 39% من الشركة المالكة لخط الأنابيب بين عسقلان والعريش، لا يزال -حتى اليوم- مثار جدل “أمني وسياسي تحت السطح” حول أخطار التشابك بين التجارة والبنية التحتية والملكية في اقتصاد الطاقة المرتبط بمصر.
وبغض النظر عما إذا تمت صفقة الاستحواذ الجديدة أو تعثرت، وما إذا كانت تحمل “أخطاراً” أم تعد “أرباحاً”، تظل الإشكالية الأكبر -من وجهة نظر إعلامية بحتة- هي غياب الشفافية “الرسمية” في توفير المعلومات والتفاصيل، ومن ثم اللجوء إلى مصادر “الطرف الآخر” المشكوك في نزاهتها.