“الموت لأميركا” .. في رسالة أمريكي من قلب طهران / هاني الكنيسي

ظهور المعلق السياسي الأمريكي والناشط على السوشيال ميديا ‘جاكسون هينكل’ Jackson Hinkle فوق إحدى منصات تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في قلب طهران، وسط حشود جماهير غاضبة تردد هتافات “الموت لأميركا”، بدا كمشهد سريالي من صنع مزيّفات الذكاء الاصطناعي بقدر ما أثار
موجة غضب واستنكار في الإعلام الأمريكي والعبري على حد سواء.
لقطات الفيديو المتداولة بشراهة في المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، أظهرت حشدًا كبيرًا تحت الأضواء يلوّح بالأعلام الإيرانية، خلال تجمع ليلي لمشيّعي المرشد في ساحة الثورة بالعاصمة، بينما يقف ‘هينكل’ على المنصة بجوار متحدثين آخرين أمام لافتات تحمل كتابات فارسية/عربية ورموزًا وطنية، في صورة بدت متجاوزةً لحدود التعاطف السياسي إلى موقع المشاركة العلنية في خطاب عدائي موجّه ضد بلاده.
وبرغم تشكيك البعض في البداية في صحة الفيديو، إلا أن منشورات ‘هينكل’ (27 عامًا من العمر) الذي كتب من طهران، يوم 4 يوليو، أن “من واجب كل وطني أمريكي تكريم خامنئي”، فضلًا عن تقارير إعلامية مستقلة أكدت وجوده فعلًا في إيران منذ أيام، دحضت تلك الشكوك.
ردود الفعل في الولايات المتحدة كانت فورية، فوصفه العديد من المعلّقين بالخائن، وتواترت دعوات اعتقاله عند عودته، بل وذهبت بعض التعليقات إلى المطالبة بسحب جواز سفره، في دلالة على أن المشهد لم يُقرأ كجموح ناشط شاب أو مجرد استفزاز سياسي، بل إساءة للهوية الوطنية الأمريكية. وفي إسرائيل، تراوحت معظم التعليقات بين السخرية الشخصية والتشكيك في قواه العقلية والتهكم من “الانقياد الأعمى لطقوس الحرس الثوري التعبوية”، فيما اتهمه أحد الصحافيين (في موقع JFeed العبري) صراحةً بالخيانة والعِمالة مطالبًا بوضعه على القائمة السوداء (أي أعداء الصهيونية).
وبعيدًا عن دوافع ‘هينكل’ للمشاركة في مثل ذلك المشهد المثير (وهو الخبير في التعامل مع السوشيال ميديا، وأكثر من يستطيع التكهن بنتائج تلك الخطوة إعلاميًا)، فالحقيقة أن ابن كاليفورنيا يُعد من الشخصيات المثيرة للجدل في الأوساط الأمريكية والغربية، خاصةً وأن شهرته العالمية وتخطي عدد متابعيه حاجز الثلاثة ملايين على منصة ‘إكس’ وحدها، ارتبطت بمواقفه الجريئة إزاء جرائم الإبادة الإسرائيلية في حرب غزة ومنشوراته الداعمة للقضية الفلسطينية. وكان إعلانه صراحة عن دعمه لمحور المقاومة (حماس، وحزب الله، وإيران، والحوثيين في اليمن)، سببًا في حظر حساباته على عدة منصات أمريكية مثل ‘يوتيوب’ و’تويتش’.
لكن التشكيك في وطنيته أو في سلامة قواه العقلية، مردود عليه بمجرد الاطلاع على خلفيته الفكرية وشعاراته السياسية التي لا تختلف كثيرًا عن طيف واسع من الشباب الأمريكي ، يتحوّل تدريجيًا إلى تيار مؤثر -مجتمعيا وإعلاميا- خصوصا على مستوى أبناء وبنات “الجيل زد”. إذ بدأ ‘هينكل’ في سن المراهقة كناشط بيئي يساري (أسس جمعية بيئية لتنظيف الشواطئ)، من مؤيدي السيناتور اليساري اليهودي ‘بيرني ساندرز’. ثم تجوّل إلى تبني أفكار “توفيقية” تدمج بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، واصفًا نفسه بأنه “ماركسي لينيني أمريكي محافظ”. وأصبح أحد أبرز المنظرين لمفهوم “شيوعية ماغا” MAGA Communism الذي يقوم على دمج الفكر الماركسي التقليدي المدافع عن الطبقة العاملة مع القيم الثقافية والاجتماعية المحافظة في المجتمع الأمريكي. بل وشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الأمريكي (ACP) عام 2024، متبنيًا موقفاً شرساً في معارضة “العولمة والهيمنة الأمريكية أحادية القطب” على حد تعبيره.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة واقعة ظهور ‘جاكسون هينكل’ بين إيرانيين يهتفون “الموت لأميركا” في سياق رمزي أوسع أقرب إلى لقطة تختصر حجم الاستقطاب الذي يعيشه العالم اليوم بين سرديات متصارعة؛ لا يكتفي فيها البعض بحمل لواء المعارضة داخل بلاده، بل يذهب إلى مناصرة الخصم من داخل معسكره، تعبيرًا عن المدى الذي قد يبلغه تمرد الجيل الجديد في الغرب على رياء حكوماته.