أفراح الإسرائيليين بفوز الأرجنتين .. والشماتة في أعداء السامية / هاني الكنيسي

بعيدًا عن مشاعر الإحباط والغضب التي انتابتني -مثل جميع المصريين ومعظم العرب وبعض العجم- بعد انتهاء مباراة الأمس بفوز الأرجنتين على مصر، والتي كادت أن تتحوّل إلى عرس رياضي وشعبي للاحتفال بنصر مستحق على بطل العالم وعلى أسطورته ميسي، لولا الكثير من الظلم التحكيمي البيّن والقليل من الأخطاء التكتيكية وعدم التوفيق لبعض اللاعبين، فقد آثرت أن أتابع المشهد في عيون الإعلام العبري الذي تجاوز احتفاؤه بنتيجة المباراة حدود الملاعب الرياضية إلى تصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية.
قبل المباراة ببضع ساعات، انتشرت على حسابات العديد من المؤثرين والناشطين الإسرائيليين عبر منصات التواصل الاجتماعي دعوات صريحة لتشجيع الأرجنتين “ردًا على رفع علم فلسطين”، وتكررت عبارة “كل من لا يقف مع الأرجنتين هو كاره لإسرائيل وكاره لكرة القدم”.
وفور انتهاء المباراة، تواترت التعليقات الإسرائيلية على ‘إكس’ احتفالا بفوز الأرجنتين الذي وصفه أحدها في تغريدة عنوانها “هزيمة مستحقة لمنتخب يخلط الرياضة بالسياسة”، بينما كتب أحد المعلقين في صحيفة ‘معاريف’ حرفيًا أن “الأرجنتين فعلت ما يجب فعله أمام منتخب يرفع علمًا لا علاقة له بالبطولة”.
كان التركيز واضحًا في معظم التغطية على الربط بين “هزيمة المصريين” (هكذا جاء الوصف في أكثر من موقع إخباري عبري) ولقطة رفع العلم الفلسطيني بعد مباراة أستراليا (أي العقاب الإلهي). وفي المقابل، لم تعلّق أي من المصادر الإسرائيلية على الفيديو المتداول للجمهور الأرجنتيني الذي كان يحمل أعلام نجمة داوود (صورة من الفيديو مرفقة بالبوست أدناه).
القناة 12 الإسرائيلية ذكّرت مشاهديها بأن “حسام حسن استغل المنصة الرياضية لرفع علم فلسطين وإهداء الفوز لسكان غزة”، واصفةً ما فعله المدرب المصري بأنه “تحدٍ علني وتسييس للملاعب”. وكذلك انتقدت ‘يديعوت أحرونوت’ في سياق احتفالها بفوز المنتخب الأرجنتيني سلوك المنتخب المصري الذي “استثمر مناسبة رياضية عالمية من أجل التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين”. بينما صبّ موقع ‘واللا’ (الاستخباراتي) العبري، جام غضبه على عبارة نسبها لحسام حسن في المؤتمر الصحفي (عقب مباراة أستراليا) بقوله “رحم الله شهداءهم”، معتبرًا أنها “مخالفة صريحة لقوانين الفيفا”، وواصفًا المشهد كله بأنه “أبلغ تعبير علني عن معاداة السامية”!!
أما أكثر ما طغى على العديد من حسابات الناشطين الإسرائيليين وبعض المواقع الصحفية العبرية فكان أشبه بحملة شرسة على صانع محتوى ومعلق مصري اسمه محمد نور، يدير قناة لها شعبية على ‘يوتيوب’ باسم “الوعي نور”. المدعو نور بثّ مقطع فيديو عبر قناته بعنوان: “مصر تخسر أمام الصهيونية، والحكم، والفيفا والأرجنتين: فضيحة مونديالية كاملة”. وربط نتيجة المباراة بنظرية “مؤامرة سياسية” شارك فيها الاتحاد الدولي لكرة القدم، والنتنياهو، والرئيس الأرجنتيني ‘خافيير ميلي’، زاعمًا أن مصر كان يجب أن تفوز 3-0، أن الحكام (حكم الميدان والـVAR) تجاهلوا ركلة جزاء لمحمد صلاح.
وكان لافتًا، اندفاع ‘يديعوت أحرونوت’ في تفنيد مزاعم نور عن المؤامرة من جهة وتأكيدها من جهة أخرى على أن “الادعاء بأن الأرجنتين فريق إسرائيلي بامتياز يستند إلى حقائق واقعية تم تحريفها”، مشيرةً إلى أن ‘خافيير ميلي’ بات أحد “أقرب حلفاء إسرائيل” منذ توليه منصبه عام 2023 -مستشهدةً بقراره نقل سفارة الأرجنتين إلى القدس، ودعم الحرب على إيران، وتوقيعه “اتفاقيات إسحاق” التطبيعية مع إسرائيل- ومنوهةً بعش الإسرائيليين لنجم الأرجنتين ‘ليو ميسي’ الذي زار إسرائيل أكثر من مرة، أشهرها في عام 2013 عندما كان لاعباً في برشلونة، وتجوّل في القدس مع النتنياهو، قبل أن تدمع عيناه أمام حائط المبكى وهو يرتدي القلنسوة اليهودية.
واللافت أيضا، أن الجدل حول الظلم التحكيمي الذي اشتعلت به منصات السوشيال ميديا العالمية والمواقع الصحفية الغربية قبل المصرية والعربية، والذي تصدّرته تعليقات بعض نجوم كرة القدم الأوروبيين وكبار الرياضيين عن انحياز الحكم الفرنسي ضد المنتخب المصري – وعلى رأسهم، النجم الفرنسي ‘تيري هنري’ الذي قال في تحليله على شبكة CBS Sports “هناك لحظات لم أفهم فيها ما الذي رآه الحكم”، والإنجليزي ‘آلان شيرر’ الذي كتب على موقع BBC Sport “قرارات عجيبة لا يمكن تجاهل أثرها على سير المباراة.. إما أن اللعبتين (أي هدف زيكو الملغي وهدف الأرجنتين الثالث الذي احتُسب رغم عرقلة صلاح) ‘فاولان’ Fouls وبالتالي يُلغى الهدفان أو أنهما صحيحان وبذلك يكون لمصر هدف ملغي”، وحتى بطل العالم السابق في الشطرنج الروسي ‘غاري كاسباروف’ استفزه انحياز التحكيم فغرّد عبر حسابه في إكس “التحكيم كان كارثيًا… لا تحتاج أن تكون خبيرًا لتدرك ذلك”. ناهيك عن تعليقات مشابهة من حكّام دوليين سابقين وخبراء تحكيم في صحف أوروبية بحجم الغارديان والديلي ميل.
كل ذلك الجدل لم يُعرْه الإعلام العبري أدنى اهتمام في تغطية المباراة. معظم الصور كانت للنجم المدلل ‘ميسي’ بدموع الفرح، والعناوين تراوحت بين احتفال صريح بفوز الأرجنتين “كنتيجة طبيعية وعادلة”، وشماتة “مبطنة” في هزيمة المنتخب المصري “المناصر للفلسطينيين والمعادي للسامية الصهيونية”.

زر الذهاب إلى الأعلى