كتاب عرب

يوميات صائم: القرآن والحكمة / محمد رياض العشيري

تدور سورة الإسراء – وهي السورة الخمسون من حيث ترتيب النزول – حول حدث كبير في حياة النبي الكريم سرّى به الله عنه بعدما لاقاه من قومه خلال اثني عشر عاما، وعقب وفاة عمه أبو طالب ووفاة زوجته خديجة مما أثر في نفسه عليه السلام. ويخص الله النبي في بدء السورة بوصف (عبده):

(سبحان الذي أسرى بعبده: ١)
ويتكرر في السورة غير مرة، وربما دون غيرها، التأكيد على بشرية النبي، في مواجهة تحديات المشركين له وطلبهم منه أمورا ليست في طاقته حتى يؤمنوا برسالته، لتعجيزه عليه السلام.
وفي السورة أيضا وصف واف للقرآن الكريم، وأمثلة متعددة للحكمة التي أنزلها الله تعالى في آياته، وينكرها عليه بعض المفسرين الغافلين.
وتبدأ السورة بذكر موسى عليه السلام وتنتهي به. كما ذكرت في وسطها قصة خلق آدم عليه السلام.
وفي السورة كثير من الحكمة، وبعض الخطاب الموجه إلى النبي الكريم في هذا الجزء من السورة ينصرف – من خلاله – إلى بني الإنسان بصفة عامة، وجماعة المؤمنين بصفة خاصة:
(لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا: ٢٢)
(آت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا: ٢٦)
(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا: ٢٩)
(ولا تقفُ ما ليس لك به علم: ٣٦)
(ولا تمشِ في الأرض مرحا، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا: ٣٧)
ولذلك ينتقل الخطاب من صيغة المخاطب المفرد إلى صيغة الجمع في:
(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق: ٣١)
(ولا تقربوا الزنى: ٣٢)
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها: ٣٣)
(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن: ٣٤)
(وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم: ٣٥)
ويختتم هذا القسم من السورة بآية مهمة في بابها يغفلها بعض المفسرين لأنهم يذهبون مذهبا عجبا في تفسير (الحكمة) في القرآن الكريم. وهذه الآية هي:
(ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة: ٣٩)
والآية صريحة جدا في الدلالة على ما في آي القرآن الكريم من حكمة وحِكَم، كما بينت الآيات السابقة. إذ يذهب مفسرون إلى أن كلمة (الحكمة) في آيات من قبيل:
(يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة: آل عمران ١٦٤)
هي (السُنة) النبوية. وهم يفعلون ذلك حتى يثبتوا مرادهم، وهو أن (السنة) و(الأحاديث) وحي من الله تعالى. ويتذرعون في ذلك بأن اللغة العربية لا تسمح بعطف الشيء على نفسه، فيقولون إن تعبير (الكتاب والحكمة) عُطف فيه لفظ (الكتاب) أي القرآن على (الحكمة) أي السنة النبوية.
لكن آية سورة الإسراء تدحض هذا التفسير المتمحل. ثم إن هناك آية أخرى أقوي في دحضه في سورة الأحزاب:
(واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة: ٣٤)
فهل كان النبي الكريم يتلو على زوجاته الأحاديث إلى جانب القرآن الكريم؟
ولا ينتبه أصحاب هذا المنحى في تفسير (الحكمة) أنهم – بغير وعي منهم ولا إدراك – ينتقصون من قدر كتاب الله تعالى، إذ ينزعون منه (الحكمة).
وللحديث بقية
ورمضان كريم
الاثنين ٣ رمضان ١٤٣٨
٢٩ مايو ٢٠١٧
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى