كتاب عرب

يوميات صائم: قلوب مغلقة وآذان صم/ محمد رياض العشيري

لا تقتصر الحكمة في القرآن المجيد على سورة الإسراء التي لما نزل في صحبتها في هذه اليومية، بل تتعداها إلى كثير من سوره الأخرى.
وإلى جانب الحكم التي استعرضنا جزءا منها، تصور آيات السورة – رسما بالأحرف – شعور مشركي مكة عندما كانوا يسمعون القرآن من النبي عليه السلام، وحماية الله تعالى له من إرادتهم الأذى به:
(وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا: ٤٥)
فيحُول الله بينك وبينهم فلا يرونك. فكأنهم يسمعون أصوات التلاوة، ولكنهم لا يرون من يتلو. وقد تكون حيلولة الله بينك وبينهم حيلولة إدراك، فلا يفهمون ما تقرأ، وفي هذا أيضا ستر بينك وبينهم.
ولكن كيف يستقبلون ما يسمعون؟ هل يصغون إليه؟ وهل يفهمونه؟ مع ما في قلوبهم من بغضاء وحقد وضغينة على النبي الكريم، الذي زعزع برسالته سلطانهم وسطوتهم؟
(وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا: ٤٦)
وهنا نجد أن وسيلتي السمع والإدراك، الأذن والعقل – الذي عبر عنه القرآن هنا بلفظ القلب لارتباط الإدراك بالعاطفة عند السماع – لدى مشركي مكة منغلقتان: فكأن على قلوبهم أغطية، وفي آذانهم صمم.
(وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده، ولوا على أدبارهم نفورا: ٤٦)
وما أجمل هذا التصوير الراسم لسرعة فرارهم وجريهم عند سماع ذكر الله تعالى – الذي زلزل عقائدهم الهشة، وحطم أصنامهم الصماء البكماء التي لا تبين – وقلوبهم مفعمة بالنفور.
ويعلم الله بسرائر هؤلاء عندما يستمعون إلى القرآن مستهزئين ساخرين، ويعلم أيضا بما يدبرون لمحمد في خلواتهم وما يتهمونه به من مرض عقلي بسبب السحر، بحسب ما يتصورون:
(نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا: ٤٧)
ولقد حاول مشركو مكة إبعاد محمد عما يوحَى إليه وإغراءه بكل وسيلة. لكن الله تعالى ثبت قدمه. فهو بشر قد يخضع للإغراء، وفي الآيات أيضا شيء من التحذير للنبي الكريم. وهذه هي القصة كما ترسمها آيات سورة الإسراء:
(وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك، لتفتري علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا: ٧٣)
(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا: ٧٤)
(إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا: ٧٥)
(وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا: ٧٦)
ومع هذه الفتنة التي يفتعلها مشركو مكة، تكون الصلاة وتكون تلاوة القرآن الكريم ليلا، والاستعاذة بالله تعالى بالدعاء خير ملتجأ:
(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا: ٧٨)
(ومن الليل فتهجد به: ٧٩)
(وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا: ٨٠)
ومن بين أساليب فتنة النبي التي كان يتبعها أهل مكة من المشركين ومن بعض أهل الكتاب، محاولة إحراجه بطرح أسئلة عويصة عليه:
(ويسألونك عن الروح. قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا: ٨٥)
وتعقب هذه الآية آية أخرى تهدف إلى تثبيت قلب النبي، الذي قد لا يدرك أن في هذا القرآن الذي يوحى به إليه رحمة له وفضلا من الله. إذ إن الله قادر على محو القرآن من صدره ولن يستطيع أي أحد إرجاعه:
(ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا: ٨٦)
(إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا: ٨٧)
ثم تواصل الآيات رسم صور التحدي الأخرى التي واجهها النبي الكريم من قومه، وكيف ألهمه الله الرد عليها. ولذلك حديث آخر إن شاء الله تعالى.
ورمضان كريم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى