رواية الحدقي .. رؤى ذاتية موغلة في السطحية وتبجيل للدوحة/ النانه لبات الرشيد

. طلبت رواية الحدقي إلكترونيا، بعد أن أغرتني نصوص قدمتها، رغم قناعتي بأن جل النصوص الرائجة تكون كذلك نتيجة تفعيل علاقات كتابها و حشدهم أقلام أصدقائهم. كانت رواية الحدقي تقليدا بينا لرواية قواعد العشق الأربعون للروائية التركية أليف شافاك، و كما اعتمدت شافاك العودة إلى ماضي الصوفي جلال الدين الرومي و قصته مع تلميذه شمس الدين التبريزي، و الغوص في معالم الصوفية العتيقة، عبر قصة حب خرافية معقددة نسجت افتراضيا بين كاتب قصة التبريزي و القارئة اليهودية، كذلك و اقتفاء لاثر أليف في العودة و الغوص في الماضي عاد محمد فال ولد الديين لبصرة الزمن العباسي و جاحظها، لاويا عنق الإسقاط معنفه،، و قد تنقل من البصرة إلى الدوحة و من علم الجاحظ و عشقه إلى لغوية القروي و حبه السطحي.

انتظرت كقارئة تنتمي لصحراء الكاتب الشاسعة أن أجد بطلا موريتانيا ينتزع مكانته الثقافية الكبيرة، و يفرض جدارة تميزه في عالم متسارع الوتيرة، تطغى فيه الألوان و الصورة عن عمق الكلمة و دقتها، عالم يرى الموريتاني شخص متشبث بعراقة الثقافة العربية؛ اللغة العربية بشكل أدق، تشبثا متعصبا مبالغ فيه، لا تسمح عجلة مواكبة الأحداث بالركون إليه، بل تدعو-حسب الرواية -إلى الإستغناء عنه.

غير أن القروي في رواية الحدقي كان هشا مستسلما،راضي بغلبة اللهجات و اللحن، و راضي و هذا الأسوأ بنظرة اللاحنين و اللهجيين للموريتاني العائد من شبه الجزيرة العربية بجبة قس بن ساعدة . نقل محمد فال نفسية الموريتاني القبلي، المرهون بعد -رغم علمه و ثقافته – بسجال العشائر، فتجده يقفز مذكرا بعلم أجداده الأقربين مركزا على أن نصف سكان بلده كانوا قطاع طرق، كأن هؤلاء اللصوص ليسوا بأهله أيضا، على الأقل كما يبدو للقراء العرب، ثم بمذمة الصعلكة تلك نجده يقف أمام والد حبيبته و قد رفض تزويجها به، يعيره بأن قومه كانوا كذلك قطاع طرق و بأنه-أي القروي-من أجداد عشر كلهم عالم. كان في الرواية إرغام شديد لفرض رؤى ذاتية موغلة في السطحية، كأن يقارن القروي بين الدوحة و البصرة بسبب أن الأولى تضج بالغرباء العمال من كل أنحاء الأرض، و قد كانت البصرة محج الطلاب و العلماء و التجار و الفرسان ، هي قفزة أخرى من الكاتب المنهك بفعل الصراع الخليجي و المكره على تبجيل الدوحة، حد مقارنتها غير الممكنة بالبصرة العريقة.

كما لم تكن حصة بثقافتها المتواضعة و صفاتها المتناقضة التي اختزلها القروي بتسميته لها مطوعة بريدة، حبيبة في مستوى بطل يقارن بالجاحظ لكأنه وريثه. الرواية سيرة ذاتية لأبي عثمان الجاحظ، و أعترف أنها كانت نقلا جميلا ممتعا لحياة الرجل النابغة، رغم الإختلال الكبير الذي شاب نقل سيرته، هذا الاختلال الذي كان دافعي الأول وراء كتابة نصي النقدي هذا . لم يكن الجاحظ نكرة، و قد عاصر خلفاء من العصر العباسي؛الهادي و هارون الرشيد و الأمين و المأمون و المعتصم و الواثق و المتوكل ..و سيرته محفوظة بمراحله العمرية و تدرجه الفكري و العلمي لارتباط ذلك بالعصر العباسي، عصر الازدهار و التنوير، خاصة في مجال التدوين و الترجمة و سائر العلوم كالفلسفة و الطب و الكيمياء .

و عاصر الجاحظ شعراء كبار مثل بشار بن برد و أبي نواس و البحتري ،،، و عليه فإن تحويل إعادة كتابة سيرته الذاتية بشكل سردي روائي حداثي لا تلغي الالتزام بتاريخه كما هو . أخبر الكاتب بأن الجاحظ كان تلميذ العالم الخليل الفراهيدي، و انه رمق ابنته تماضر نائحة يوم وفاته فشغفته حبا، و حسب الروايات المتواترة فقد توفي الخليل 170 هجرية و هي السنة التي تولى فيها هارون الرشيد الخلافة و ولد فيها ابنه الأمين. و يصف الكاتب كيف أن الجاحظ عاتب نفسه أن أحب تماضر وهي حزينة لفقد والدها و كيف حاول بعد ذلك الحديث إليها في السوق و كيف بعث بأحد الوجهاء يخطبها له و أنها قررت لقاءه كي تقرر هل تتزوجه او غريمه بن مديني. ثم بعد ذلك يصور الكاتب لنا الجاحظ و صديقه النظام و قد دخلا حماما للإستحمام تحضيرا للقاء المرتقب بين الجاحظ و تماضر، و بهذا الجزء من الرواية وقع الكاتب في خطأ جسيم لا يغتفر، فقد نقل حديثا بينهما في الحمام عن فتنة الأمين و المأمون و عن قرب استيلاء الأخير على الخلافة. المعروف كما قلت سابقا أن هارون الرشيد تولى الخلافة السنة التي توفي فيها الخليل بن أحمد الفراهيدي و عشق فيها الجاحظ تماضر، و الكاتب يخبر عن يوم استعداده للقائها و حديثه عن حرب الأخوين؛ الأمين و المأمون ، و المعروف كذلك أن هارون أمضى أكثر من عقدين خليفة و قضى الأمين بالخلافة بعده أربع سنوات ، فهل يعقل أن يظل الجاحظ ربع قرن ما بين رؤيته تماضر أول مرة و خطبتها ؟؟؟؟ كان هذا الخطأ كافيا بالنسبة لي لغض الطرف عن أشياء كثيرة أخلت بالرواية أيما إخلال.. ليس أقلها فداحة النهاية المختارة لسيرة الجاحظ و هو الذي مات هدما من كتبه و لم ينته عجوزا خرفا بين أحضان جارية رومية