فن الإلقاء الشعري أو الإنشاد/ ناجي محمد الامام

الإلقاء (أو الخطابة ) هو فَنُّ إيصال نص مرتجل أو مكتوب إلى جمهور معيَّن ؛و يختلف النص باختلاف الجمهور المخاطَب وذلك ما عبرتْ العربُ عنه بالقول المأثور :” لكل مقام مقال”.
أما إنشاد الشعر فَفَن الفنون الذي فتحت له العرب الأسواق المتخصصة في عرض وتسويق الكلام يتبارى فيها عباقرتها و تخلد به أيامها وخصته بتعبير “الإنشاد” و فرقت بينه وبين “الانشاء” فكأنه يوازيه إن لم يفُقهُ..
وفي العصر الحديث ،على مستوى الغرب، أصبح الإلقاء و منه الإنشاد مجالا واسعا للإبداع و أخذ مكانته المستحقة بين فنون الفرجة و الإدهاش كالمسرح و أحيانا منه.
أما على المستوى العربي فقد اقتصر الأمر على التأثر بما يجري في الثقافة الغربية و لم تتبلور مدارس تُنظّر لهذا الفن الرائع ، و ظل الإنشاد موهبة يتميز بها هذا الشاعر أو ذاك فيقتدي به و يقلده آخرون ، وظهر المنشد غير المنشئ بتأثير انتشار السينما ، كالفنان المصري محمود ياسين مثلا.
أبرز الشعراء العرب المنشدين :

1) لقد تربع على فن الإنشاد العربي بدون منازع الشاعر العراقي العظيم مظفر النواب الذي كان حضور أماسيه النادرة يوازي وقد يتفوق على كثير من حفلات فناني العرب الأُوَّل.
وفضلا عن تاريخه العجائبي كمناضل و معارض يساري شرس صلب تركت قصص هروبه من سجن بغداد ، وحفره نفقا بمئات الأمتار ليتوجه منه إلى منافي العالم ويعيش تحت طائلة عشرات محاولات الاغتيال ،أثرا لا يمحي من ذاكرة أجيال النضال العربي، وقد خلق لنفسه طقوساً و “تجليات” تبدأ ، مثلا ، بتناوله القهوة العربية على المنصة فوق المسرح ولا تنتهي بغناء مواويل و مقام عراقي قبل القصيد و منه وقد يصاحبه عزف منفرد على آلة وترية . وكان يتميز بأناقته المبسطة و تسريحة وَفْرَةِ مؤخرة رأسه وصلعة ناصيته .. و رُبما تقصَّد ترقيص سوالفه فتهتز القاعة تفاعلا مع نصه الذي يتميز دائما بشحنات أحزانه الكربلائية و الفلسطينية المعاصرة ( وقد استفيض في الحديث بحكم صداقتي الشخصية معه)

2) المتفرِّد المرحوم محمد الفيتوري:

أكاد أجزم بأنه يزاحم النواب في روعة الإلقاء و الإنشاد و لكن ميزة ساحر إفريقيا اقتداره على الإمساك بتلابيب مستمعيه و كأنما على رؤوسهم الطير بحيث تكاد تسمع دبيب النمل عندما يلقي درره .
إن قصر قامته و سمرته و حمرة عينيه الواسعتين وفصاحته الأسطورية و تمكنه من اللغة صرفا و نحواً و صيغا و اطلاعه المبهر على الموروث عربيا والمعاصر عالميا، وانتماءه النضالي لأفريقيا و وعيَه المجرَّدَ من العُقَد ، بآلام القارة الضحية و نبوءاته للرجل الأسود ، وإيمانه المطلق بالعروبة الحضارية ، أعطاهُ تفرُّده واقتداره ،الذي لا مثيل له، على استخدام صوته الرخيم /الأجش/ الأرق/الأجهر/ الهامس/ الواعظ/ الرافض/ الصاعق/الهادئ /الرزين/ المُتعالي/ …ليصنع الدهشة و الفرجة و السمو…
(وقد أتوسع في الحديث عنه لمعرفتي و صداقتي الشخصية له رحمه الله رغم فارق العمر)

3) شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري:

سعدتُ بمعرفته و سافرت معه (هل سافرتَ معه !!)
وهو أسطورة من شعره إلى طاقيته الكردية ذات القصة العجيبة و صراعه الدائب طيلة عمره المديد مع مختلف الأحكام التي مرت ببلاده مما جعله يعيش المنافي ويعيش على وقع التهديد بالموت مع كرهه الرُّهابي لها… إلى أن مات.
أما من حيث الخطابة فإنني لا أعتبر إلقاءه متميزا ولكن جاذبية الرجل العظيم جعلت إنشاده يستقطب معجبيه.

بعد هذه الاسماء ذات الحمولة الأسطورية يتعين الإقرار بعدم وجود ما يمكن أن يسمى إلقاء أو إنشادا في بلاد شنقيط الأمس ولا في موريتانيا اليوم ، ذلك أن الإلقاء عمل منبري مديني لا تتوافر متطلباته في المضارب و المخيمات و قُرى عبور القوافل ، ولعل انشغال المتعلمين عندنا بالإنشاء الشعري الإتباعي وتأخر التواصل مع التجديد الأدبي و الفكري مع بقية العالم عربيا كان أو أجنبيا، جعلنا لا نتقن أو لا نهتم أو هُما مَعاً ، بالكتابة النثرية و الخطابة الأدبية والإنشاد الشعري و نكتفي بنظم النص الوافد ،غالبا ،وشرحه تارةً ، و”تطريره” نادراً.

في هذه الدائرة المغلقة التي لا مجال فيها للتواصل مع الإبداع المنبري ، و ما قد ينجم عنه من تداول و انتقاد و محاججة، سادتْ القراءة الفردية والانطباع الشخصي أو/ و الشللي المنكبَ البرزخيَ و غاب عنه التلاقح الإبداعي كما غابت المثاقفة مع الآخر.

و بعدُ…

فإن الخطابة والإنشاد يندغمان في فن منبري نبيل هو الإلقاء الذي هو وسيلة التواصل مع جمهور المتلقين تعبئةً و إبلاغا و إدهاشا و فرجةً .

1/ أدواته:

*** فصاحة اللسان
*** رباطة الجنان
*** امتلاك ناصية اللغة
*** التماهي مع النص بالجوارح و اللسان
*** استبطان النص حتى يكون صوتُ المنشد تمثيلا تلقائيا متقنا للحالة التي يحسها بالإيماء الجسدي الذي يراعي لكل نص شعري حالته.

2/ أمور تجب مُراعاتها:

** من المستحسن عدم إنشاد النص النثري رواية و قصة و قصيدة نثرية .
** مراعاة علامات التنصيص في الشعر الحديث لتقنين حالة النفَس و النبرة لأنها بمثابة إشارات المرور التي تنظم النص.
** من المحبذ مصاحبة المنشد بآلة وترية تُكثف الحالة الشعرية.

(تنبيه :هذه المحاضرة قدمت في دورة الإلقاء الشعري التي نظمها بيت الشعر في نواكشوط )

شارك