ثقافة وفن

“بعد ستين عاماً” لتنيسون: شرخ عميق بين يقين الشباب وتردّد الشيوخ

من المعروف بين قراء الشعر الرومانسي الإنكليزي ومحبيه أن الكاتب والشاعر ألفريد تنيسون، وخصوصاً في قصيدته الطويلة «اينوك آردن» التي تعتبر عادة من عيون القصائد التي كتبت باللغة الإنكليزية وتعتبر أشهرها بالتالي، وأكثرها شعبية، عرف كيف يجعل من هذه القصيدة علامة أساسية في الشعر المكتوب بلغة شكسبير لا يمكن لأحد ضليع بهذه اللغة أن يمر عليها مرور الكرام. غير أن هناك مع ذلك، قصيدة أخرى لتنيسون نفسه لا تقل عن «اينوك آردن» شهرة، حتى وإن كانت تقل عنها جمالاً في رأي عدد كبير من النقاد والدارسين. وهذه الأخيرة ربما تنبع شهرتها من خصوصية اكتنفتها وميّزتها عن بقية القصائد الإنكليزية التي تنتمي الى الحقبة نفسها، أي الى القرن التاسع عشر، العصر الذي اشتهر على أية حال بكونه عصر النهضة الكبرى للشعر الرومانسي الإنكليزي. والقصيدة التي نتناولها هنا هي «لكسلي هلّ» التي تكمن خصوصيتها في أن الشاعر جعل لها تتمة كتبها بعد ظهورها منشورة للمرة الأولى، بستين عاماً تقريباً. ولقد حملت التتمة بالتحديد عنواناً هو «لكسلي هلّ بعد ستين عاماً».

طبعاً لا يمكن اعتبار القصيدة الثانية تتمة للأولى، ولا نقضاً لها ولا أي شيء من هذا. كل ما في الأمر أن الشاب الذي كتب القصيدة الأولى حزيناً متحسراً خائب المسعى، سيعود الى التحدث عن المكان ذاته وعن الحنين ذاته، لكن هذه المرة بحكمة شيخ يعيش أيامه الأخيرة ويراجع مواقفه من الكون والسماء والحياة والموت، وهي مراجعة تكاد في بعض فقراتها تنسف النظرة الأولى الشبابية بل تبدو أكثر منها شباباً واحتفالاً بفرح الحياة وزهوها. والحال أن ما بين القصيدتين هو بالتحديد، ذلك الفارق بين يقين الشباب، ولو سلبياً، وتردد الشيوخ. بين ثورة الشباب ودعة الشيوخ. ولكأن القصيدة الأولى كتبها شاب موجهاً إياها الى الشيخ الذي سيكونه بعد ستين عاماً، والرسالة الثانية كتبها شيخ موجهاً إياها الى الشاب الحانق المتمرد الحزين الذي كانه هو نفسه قبل كل تلك السنوات.

> ومن المؤكد على أي حال، أن الشاعر تنيسون كتب كل واحدة من القصيدتين انطلاقاً من المزاج الإبداعي نفسه، انطلاقاً من تجربته الشخصية الشعورية على الأقل إن لم يكن الحياتية، إذ إن ليس في سيرة الشاعر، المعروفة على الأقلّ، ما يدل على أنه مرّ حقاً بتجرية الحب التي يصفها بكل تفاصيلها المفترضة في السطور الرائعة التي تتألف منها قصيدته الأولى، ثم تستعاد في شكل من الأشكال في «القصيدة الثانية» – وإن على سبيل الذكرى البعيدة هذه المرة بعدما كانت «حدثاً» معاصراً في المرة الأولى – لكي تكون الجذر الذي بنى عليه القصيدة وأحاسيس صاحبها الحالكة تجاه العالم. ذلك أن في مشاعر الشاب، ثم الشيخ – في القصيدة الثانية – من الصدق والعمق ما يشي بالارتباط الحتمي بين الشاعر وموضوعه. وهذا الارتباط هو الذي يجعل لهذه القصيدة – وثانيتها «المتمّمة» – جزءاً أساسياً من قيمتها. بل إن فيهما ما أضفى على تنيسون نفسه جزءاً كبيراً من قيمته كشاعر، خصوصاً أن كثراً من النقاد والمؤرخين قالوا دائماً إن موضوع قصيدته الكبرى «اينوك آردن» كان ينفع موضوع رواية أو مسرحية أكثر منه موضوعاً لقصيدة وجدانية.

  «لكسلي هلّ» هي في المقابل، عمل وجداني تماماً، بل إنها أشبه بمناجاة طويلة متعددة المقطع، وإن كانت كلها تسير على وزن وإيقاع محددين. أما بطل القصيدة – وصاحب المونولوغ بالتالي – فهو شاب يحدث له ذات يوم أن يعود الى منطقة «لكسلي هلّ» حيث كان أمضى الجزء الأساس من صباه وشبابه، وها هو الآن إذ وجد نفسه في المكان يتذكر ما كان من أمر حياته وغرامه هناك، خلال تلك السنوات التي يحق له – كما تبيّن لنا القصيدة – أن يعتبرها أجمل سنوات كينونته، حتى وإن كان يخبرنا أنه كان يعيش في ذلك المكان حيث ترعرع تحت عهدة عم له لم يكن لطيفاً معه إطلاقاً. ومع هذا، في ذلك البيت وحتى وسط المناخ الكئيب الذي أوجده العم، أغرم الفتى بابنة عمه المدعوة آمي. وكان من الطبيعي لآمي هذه أن تبادله حباً بحب، فقامت حكاية غرام بينهما كان يمكن أن تنتهي باجتماعهما الى الأبد، لكن أهل الفتاة لم يكتفوا بممانعة حبها، بل إنهم زوجوها من شخص لا تحبه لمجرد أن يخلصوها من ذلك الغرام. ومع ذلك الزواج، بارح الشاب الدار ليعيش حياته، أما الآن فإنه إذ عاد الى زيارة المكان، ها هي كل ذكريات الماضي تلح عليه وتعود الى خياله فتولد لديه شعوراً بالقهر والحرمان سرعان ما ينعكس حقداً على الظلم، ومن ثم ثورة على العالم كله بحداثته وقسوته وضروب التقدم العلمي والأخلاقي والسياسي، التي يعيش. فالحال أن فتانا، إزاء خيبة حبه، لا يجد أمامه إلا الزمن يحمله المسؤولية، هو الذي لفرط خيبته وحزنه بات يعتبر العالم كله قاسياً في حقه. وهكذا في مقاطع عدة من القصيدة، يروح صاحبنا مندداً بكل شيء وصولاً الى القطار البخاري والسفن البخارية، ما يدخلنا مباشرة في ربقة الرومانسية التي لا تجد في الحياة الحديثة باكتشافاتها واختراعاتها سوى عقبة في وجه إنسانية الإنسان، بينما تجد في العودة الى الطبيعة والى العواطف البدائية خلاصاً ما بعده من خلاص، ما جعل العديد من هيبيي النصف الثاني من القرن العشرين يحتفلون بالقصيدة كأنها لسان حالهم!

للوهـــلة الأولـــى، قد يبـــدو هذا كله غير ذي علاقة بحكاية غرام فتانا وخيبته في غرامه، لكن تنيسون عرف كيف يجعل من أبيات القصيدة تبريراً لموقف الفتى وتوقه الى التوحد بالطبيعة الأم وبالــــقــيـم الـقــديـمـــة، لأنهـــا «وحـــدهــا تقينا وتحمينا من شر أخلاقيات أو ذهنيات لم تعد تؤمن بالحب، بل بالمادة»، وتعتبر كل ارتبــاط عاطفي بريء وخالص بين كائنين انتقاصاً من مسار التقدم.

هذا الموضوع نفسه وبقسط من الغضب أقل، يعود إليه ألفريد تنيسون في القصيدة التالية «لكسلي هلّ بعد ستين عاماً»، حيث يقدم لنا الشخص نفسه، وقد أضحى اليوم عجوزاً يزور ذات المكان. وها هو هنا مرة أخرى، يعود ليتذكر حكاية صباه وحكاية غرامه بحبيبته آمي من جديد. ومن الواضح أن الغرام لا يزال موجوداً وثابتاً، وصحيح أيضاً أن حزن الرجل الذي أضحى شيخاً، لا يزال كبيراً ما يجعله يبدو كأنه أنفق حياته كلها مقيماً على ذلك الحب لا يعترف له ببديل. لقد طاف الرجل في البلدان وعرف مغامرات عدة، وربما يكون عاش حكايات غرام كثيرة، لكن دأبه مع لكسلي هلّ ومع فاتنته آمي دأب شاعرنا العربي الذي قال يوماً: «متع فؤادك حيث شئت من الهوى/ ما الحب إلا للحبيب الأول. كم منزل في الأرض يعشقه الفتى/ وحنينه أبدا لأول منزل». غير أن الفارق الأساس يكمن هنا في أن الشيخ العاشق المتذكر، صار أكثر هدوءاً، وحل لديه إيمان عميق بالله وبالدين محل تجديفه القديم، وصار أقل ميلاً الى لوم الأقدار والحداثة على ما حل به. والبشر بالنسبة إليه، حتى ولو كانوا محدثين وظالمين، ليسوا أشراراً كما كان يخيّل إليه في السابق. إنهم في قرارة أنفسهم طيبون. كل ما في الأمر أنهم يخطئون ويعجزون عن الوصول الى التصرف الصحيح. وهكذا يُلحقون الضرر بالآخرين، لكن من دون أن يقصدوا ذلك.

> وفي هذا السياق بالتحديد تبدو القصيدة الثانية، قصيدة حكمة في مقابل تمرّدية القصيدة الأولى. والحال، أن الفارق بين الاثنتين هو نفسه الفارق بين ما كانه تنيسون هو نفسه في شبابه، وبين ما صاره لاحقاً في شيخوخته، تشهد على هذا أعمال كثيرة له، يمكن لمن يرصدها أن يرصد تطوره الفكري والوجداني. ذلك أن تنيسون، بعد كل شيء، كان من شعراء الذات الذين أنفقوا عمرهم وجهودهم يعبرون عن نفسهم وعن نظرتهم الى الكون. وُلد تنيسون لأسرة بارونات ثرية في عام 1809، وتوفي في عام 1892. درس على أبيه ثم في كامبردج (كلية ترينيتي). وهو منذ بداياته، انخرط في العديد من الجمعيات الأدبية، كما قام بالكثير من الرحلات. وواصل الكتابة طوال حياته بحيث أنتج أعداداً كبيرة من المجموعات الشعرية والدراسات النقدية. وقد أثّر تنيسون في أجيال بأسرها من الشعراء والنقاد الإنكليز.

 ابراهيم العريس  والمقال للحياة
الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.