ڤيروس تجميد اللغة: ”الكِمامة“…/ محمد رياض العشيري

محمد رياض العشيري
مع انتشار ڤيروس كورونا أقبل الناس على استخدام الكِمامة اتقاء لانتقال العدوى أو نقلها. وأخذت المواقع الإخبارية تتداول كلمة (كِمامة) ترجمة للمقابل الإنجليزي (mask).
غير أن بعض مدققي اللغة في غرف الأخبار فتشوا معاجم اللغة ونبشوها بحثا عن الكلمة، وخرجوا علينا بفتوى مفادها أن استعمال (كِمامة) خطأ شائع.
وهذا هو ما أثبته أيضا موقع (التدقيق اللغوي) على صفحته في فيسبوك، كما تبين الصورة التالية.
ولكن لماذا حكم هؤلاء على الكِمامة بأنها خطأ؟
ذريعة هؤلاء المدققين جميعا هي أن الكلمة – كما وجدوها في كثير من المعاجم العربية – لا تستخدم مع الإنسان، لأنها في الأصل كانت تطلق على ما “يُسد به فم البعير والفرس” تجنبا للعض.
“أما ما يستعمل مع الإنسان فهو للمرأة البرقع أو القناع أو النقاب، واللثام أو اللفام للرجل”.
ولكن، ما مدى صحة هذه الفتوى، وصحة هذا الكلام؟
“تكميم الأفواه”
أود أن أشير قبل الإجابة إلى أن حصر هؤلاء لدلالة “كِمامة” على ما يوضع على فم الدابة أو البهيمة، بحسب ما ذكره “لسان العرب”، فيه إغفال لبقية ما أورده ابن منظور صاحب اللسان في تعريف مادة “كمم”.
إذ يقول: “كمَّمَ النخلة: غطاها لتُرطِب … ومنه كممت الشهادة إذا قمعتها وسترتها”. ولم يقل ابن منظور “لثمت الشهادة” أو “لفمت الشهادة” أي سترتها.
ومن هذا الباب أيضا جاء التعبير المجازي المتداول في مجال السياسة وحرية الرأي، وهو “تكميم الأفواه”، الذي يشبه إلى حد كبير “كممت الشهادة”.
ولم نسمع أبدا قائل يقول إن “تكميم الأفواه” خطأ شائع، وإن من الواجب استعمال “تلثيم الأفواه”، أو “تلفيم الأفواه” بدلا منه.
تجاهل طبيعة اللغة وتطور دلالتها
ثم أقول إن من يخطّئ استعمال كلمة كِمامة في بعض المواقع الإخبارية في سياق الحديث عن ڤيروس كورونا، يكشف، في الوقت نفسه، عن تجاهله لمسألتين لغويتين مهمتين دون أن يدرك، حتى وإن استشار معاجم اللغة.
المسألة الأولى: تغير اللغة
في استشارة معاجم اللغة تكمن المسألة اللغوية الأولى، التي لا ينتبه إليها أغلبية مدققي اللغة في الصحف والمواقع الإخبارية.
فلا ضير في اللجوء إلى معاجم اللغة لمعرفة أصول الكلمات، والتغييرات التي طرأت على تلك الأصول خلال العصور، وكيف كان العرب يستعملونها في كلامهم.
وهنا تنتهي مهمة المعجم.
بيد أن الخطأ الذي يرتكبه مدققو اللغة، وربما كثير من الصحفيين، هو أنهم يلجؤون إلى المعاجم بروح التقديس لما بين دفتيها، وليس بعقول واعية متفتحة مدركة لطبيعة اللغة المتغيرة أبدا.
فمعاني الكلمات في اللغات ليست جامدة، بل متغيرة. وهذه هي طبيعة اللغة في جوانبها جميعا.
فأصوات العربية التي ننطقها الآن – مثلا – ليست هي التي كان أهل القرون الأولى يلفظونها. وبعض صيغ الكلمات، أسماء وأفعالا، يلحقها التغير هي الأخرى. وكذلك تراكيب الجمل العربية ليست أنماطها المستخدمة حاليا هي نفسها التي كان العرب في الماضي يتداولونها، بل تغيرت وتحورت.
فإذا قالت المعاجم إن كلمة كِمامة كانت في الأصل تستخدم للدلالة على ما يُسد به أفواه الحيوانات، فإن هذا لا يعني أبدا تخطئة استعمالها مع الإنسان.
وهذه هي المسألة اللغوية الثانية.
المسألة الثانية: تغير دلالات الألفاظ
دلالات الألفاظ، من حيث الاستعمال، تتسع وتضيق، كما ينص على ذلك علماء اللغة قدماء ومحدثين. فاقتصار دلالة الكِمامة في أول عهدها على ما يوضع على فم الحيوان، لحقه في عصرنا توسع دلالي فأصبح يطلق أيضا على ما يوضع على فم الإنسان وأنفه.
ولم تنفرد كلمة كِمامة وحدها بهذا. إذ إن هناك أمثلة كثيرة لكلمات اتسعت دلالاتها عبر العصور. أذكر منها هنا مثلا
  • كلمة “سيارة”، التي كانت تطلق في الماضي على “القافلة” أو “القوم السائرين”، ثم أصبحت تطلق في عصرنا على المركبة التي نستخدمها في الانتقال من مكان إلى آخر.
وكان علماؤنا اللغة الأوائل من العرب أكثر حنكة وحكمة من مدققي اللغة اليوم، حينما أشاروا إلى التغير الدلالي الذي يلحق بالكلمات.
لكن مشكلة مدققي العربية أنهم يكتفون في بحثهم وتنقيبهم عن الكلمات وأصولها بالمعاجم، ولا يتجاوزونها إلى كتب علماء اللغة القدماء، الذين فهموا طبيعة اللغة وأبانوا لنا في مصنفاتهم كيف تغيرت دلالات الألفاظ فيها.
فماذا قال علماء العربية القدماء؟
كتب أحمد بن فارس (المتوفى ٣٩٥ هـ) في كتابه الصاحبي في فقه اللغة بابا سماه “باب الأسباب الإسلامية” فيما بين صفحتي ٧٦ و٨٦ (طبعة عيسى البابي الحلبي).
يقول فيه: “كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم. فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال ونُسخت ديانات، وأُبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت … فكان مما جاء في الإسلام – ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق.
  • العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق. ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافا بها سُمي المؤمن بالإطلاق مؤمنا. …
  • كانت العرب لا تعرف من الكفر إلا الغطاء والستر.
  • أما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع.
  • ولم يعرفوا في الفسق إلا قولهم: “فسقت الرُطبة” إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأن الفسق: الإفحاش في الخروج عن طاعة الله …
  • مما جاء في الشرع – الصلاة، وأصله في لغتهم: الدعاء .. وكذلك الصيام، أصله عندهم الإمساك …وكذلك الحج، لم يكن عندهم فيه غير القصد، وسبر الجراح …. ثم زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره.
  • كذلك الزكاة، لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاده فيها
وعقد السيوطي (جلال الدين المنوفى ٩١١ هـ) في كتابه المزهر في علوم اللغة، في الجزء الأول منه فيما بين صفحتي (٤٢٩-٤٣١) (منشورات المكتبة العصرية)، فصلا تحت عنوان أكثر ارتباطا بما نتكلم عنه هنا، وهو: (الفصل الثالث: فيما وضع في الأصل خاصا ثم استعمل عاما)، نقل في كثير منه عن ابن فارس وكتابه الصاحبي في فقه اللغة.
ويقول: “عقد له ابن فارس في فقه اللغة باب القول في أصول الأسماء، قيس عليها وألحق بها غيرها. ثم قال: كان الأصمعي يقول:
  • أصل “الوِرْدإتيان الماء، ثم صار إتيان كل شيء وردا …
  • يقولون: رفع عقيرته أي صوته، وأصل ذلك أن رجلا عُقرت رجله فرفعها، وصاح، فقيل بعدُ لكل من رفع صوته: رفع عقيرته …
  • الوغى: اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثرت فصارت الحرب وغى…
  • السماء المعروفة، ثم كثر حتى سمي المطر سماء. وتقول العرب: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم: أي مواقع الغيث…
  • يقولون بنى الرجل بامرأته إذ دخل بها، وأصل ذلك أن الرجل كان إذا تزوج يُبنى له ولأهله خباء جديد، فكثر ذلك حتى استعمل في هذا الباب ..
  • الظعينة: أصلها المرأة في الهودج، ثم صار البعير ظعينة، والهودج ظعينة،
  • الركض: الضرب بالرجل، ثم كثر حتى لزم المركوب، وإن لم يحرك الراكب رجله
  • العقيقة: الشعر الذي يخرج على الولد من بطن أمه، ثم صار ما يذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة.
وبالرغم من حسن إدراك ابن فارس والسيوطي، الذي نقل عنه، لطبيعة اللغة، وتوسع دلالات الألفاظ فيها، فإنه يختم الباب بقوله نقلا عن ابن فارس: “وهذا كله توقيف”.
وهذا ما لا أتفق فيه مع ابن فارس، ولا مع السيوطي، الذي نقله، لأنه جانب من طبيعة اللغة حدث في الماضي، ويحدث في الحاضر، وسيحدث في المستقبل. ولا يمكن قصره على التوقيف، كما يقولان.
التغير الدلالي في اللغات الأخرى
وظاهرة تغير اللغة سمة اللغات كافة. ففي الإنجليزية مثلا – كما تقول جين أيتشيسون أستاذة علم اللغة في جامعة أكسفورد في كتابها Language Change: progress or decay – تغيرت دلالة كلمة (pen) دلالتها الأصلية المقترضة من اللغة اللاتينية (penna)، والتي كانت تعني (ريشة)، إلى دلالة أوسع تشمل أدوات الكتابة.
كما ضاق معنى كلمة (hack)، التي كانت تشير دلالتها الأصلية إلى (القطع، أو القص، أو الفرم)، ليدل على (خرق) أنظمة الكمپيوتر. (انظر كتابها: التغير اللغوي: تقدم أو تآكل، صفحة ١٢٣)
ومن بين ما تشير إليه جين أيتشيسون من أنواع التغير الدلالي، التي ذكرت أنا منها آنفا توسيع نطاق الدلالة، أو تضييقه، تحسين أو تجميل الدلالة. وتذكر لذلك كلمة (boy)، التي كان يعني أصلها الأول (الشخص المكبل بالأغلال)، ثم تغيرت الدلالة إلى (الصبي الخادم)، ثم تغيرت لتصبح (الطفل (الذكر)). وتضرب لتدني المعنى كلمة (Knave)، التي كان أصلها يعني (الطفل)، ثم تغير إلى (الخادم)، ثم تدنى أكثر فأصبح يدل على (السافل، الخسيس، الحقير). (انظر صفحة ١٢٢).
في (mask) مذاق عربي
وحتى كلمة (mask) التي هاج أناس بشأن مقابلها العربي لها حكاية طريفة، ومذاق عربي. فعندما بحثت عن أصول الكلمة وجدت أن قاموس أكسفورد الكبير يقول إن عمر الكلمة طويل. فهي ترجع إلى القرن منتصف السادس عشر الميلادي. لكن أصلها مأخوذ من الكلمة الفرنسية (masque)، التي اقترضتها من الإيطالية (maschera).
ويقول محررو القاموس إن الأصل قد يعود إلى اللاتينية (masca) التي كانت تستعمل في العصور الوسطى بمعنى (ساحر/ة) وإن هذا الأصل تأثر بالكلمة العربية (مسخرة)، التي ربما كانت يستعمل وقتها بمعنى (مهرج، أو بهلوان).
ومن هنا استقت الإيطالية كلمة (maschera)، وهي في الإنجليزية (mascara)، وهي أداة تستخدمها المرأة في تلوين الرموش، وهذا جزء من صورة البهلوان والمهرج حينما يخرج على جمهوره وقد ازدان وجهه بالألوان.
إعلانات