ثقافة وفنموضوعات رئيسية

التأويل خارج المنطوقات: استنطاق لغة المظاهر والظواهر/ أدي ولد آدب

التأويلُ طريقةٌ في مُقارَبَةِ المَعْنى الخَفِيِّ، بحْثا عن دلالتِه “الأولى” العميقةِ، التي “يَؤولُ” إليْها؛ فدَلالتُه المِحْوَرَيِّةِ- حسَبَ “المُعْجَم الاشتقاقي”-هي “حقيقةُ الشيء المُتَحَصّلةُ منْه، أيْ صُلْبُ مَادَّتِه التي تخْلصُ بعْدَ تنْحِيةِ ما يَشُوبُها أو يُغَطِّيها”،”ولَعلَّه – كما تقول موْسوعةُ ويكبيديا- لا تُوجَدُ كلِمَة في العرَبيةِ أثارتْ جَدَلًا بيْن الباحثِينَ مثْل كلِمَة “تأويل”. فهي الكلِمَة التي امْتازتْ بفتْحِ الأفُقِ واكْتِشافِ المُثير والجديد، كما أنَّها هي نفْسُها التي أظْهرتْ الطوائفَ الإسْلاميةَ باخْتِلافِها المَوْضُوعِي وغيْر المَوْضُوعِي، الذي وصَلَ حَدَّ الاقْتِتال، كمَا هِي بذاتِها التي أخْرَجتِ المَدارِسَ النقْديةَ والفِكْريةَ والفنِّيةَ المُتَمَيِّزةَ، ودارتْ حوْلَها أفكارُها ومَفاهيمُها، وهي (هي) التي تثيرُ جَدَلا واسعا الآنَ بيْنَ مُفَكِّرِي العصْر الحَديث، وهي (هي) التي عن طريِقها يبْلُغُ الأديبُ والفقيهُ ذرْوَةَ غاياتِه.”
وقد أردْتُ اليوْمُ أَنْ أُلْمِحَ إلى أنَّ العَرَبَ -منْذ الجاهلية الأولى- تجاوزُوا بلاغَةَ اللغة المَنْطوقة، التي عُرِفُوا بها، إلى بَلاغةِ الظواهِر والمَظاهِر، استنطاقًا لدَلالاتِ لُغَتِها الكوْنِية، غيْر مُسْتَعِينِينَ بوَسائطِ الجِنِّ، “تَوَابَعَ وزَوَابِعَ”، تَكَهُّنًا بالغيْب المجْهول، واستلْهامًا للإبداع فوْق المَعْقول، حيث أرى أنَّ التأويلَ هو الناظِمُ لمَهَارَاتِ قرَاءاتِ العرَبِ الأمِّيِّينَ للغَةِ المُحيطِ الطبيعي، غيْر المَنْطوقةِ.
فالعِرَافَة: ليستْ كهَانَةً يُسْتَعَانُ فيها بالجِنِّ، بقدْر ما هي تأويلٌ لمُؤَشِّرَاتٍ، حيث يزعُمُ صاحبُها “أنَّه يعرفُ الأمورَ بمُقدِّماتِ أسْبابٍ يُسْتَدَلُّ بها على مَواقِعِها”
والعِيَافَة: هي زجْرُ الطيْر، والتفاؤلُ بأسْمَائِها، وأصْوَاتِهَا، ومَمَرِّها، تَيَمُّنًا أوْ تَشاؤُمَا، حيث يَقُومُ “العائِفُ” بتأويلِ وضْعِياتِ طيَرَانِها، واتِّجاهاتِها كـ “السَّانِحِ والبَارِح”:
زعَمَ البوارحُ أنَّ رِحْلَتَنا غدًا
وبذاكَ تنْعابُ الغُرَابِ الأسْوَدِ
ومنْها اشْتَقتْ الطّيرَةُ التي هي “التشاؤمُ بمَرْأى أوْ مَسْمُوع.” ، وقد تنطلقُ أيْضًا من إيحاءاتِ أسْمَاِء المَرْئِياتِ، حيث يقوم الشاعرُ بتأويل مَشْهَدِ حمامتيْن تُغنِّيان:
تَجاوَبَتا بصوْتٍ أعْجَمِيٍّ
على غُصْنَيْنِ منْ غَرْبٍ وبَانِ
فكانَ البَانُ أنْ بَانَتْ سُلَيْمَى
وفِي الغَرْب اغْتِرَابٌ غيْر دَانِ
وقد اخْتَصَّتْ بعْضُ قبائلِ العَرَبِ ببعْضِ هذه المَهَارَاتِ؛ فـ “بَنُو أسَدٍ يُذْكَرُون بالعِيافَة، قِيلَ: إنَّ قوْمًا من الجِنِّ تذاكرُوا عِيافتَهم، فأتوْهم، فقالوا: ضلَّتْ لنا ناقةٌ فلوْ أرْسَلْتُمْ معَنَا من يَعيفُ! فأرْسَلوا غُلَيِّمًا معهم، فاسْتَرْدَفَه أحدُهم، ثم ساروا؛ فلقيتْهم عُقابٌ كاسرةً إحْدى جناحيْها، فاقشعرَّ الغلامُ وبكى؛ فقالوا: ما لكَ؟ فقال: كسَرَتْ جَناحًا، ورفَعتْ جناحًا، وحلفت بالله صراحًا، ما أنت بإنْسيٍّ، ولا تبْغِي لقاحًا”، وعلى ضوْء هذا كانُوا يقولونَ:” فلانُ لَهَبِيُّ العِيافَةِ، مَدْلِجِيُّ القِيافَة.
والقِيافة، هي في أصْلِها مأخُوذة من “القَفْوِ”، وهو تتبُّعُ الأثَر، وإصابة الفرَاسَةِ في معْرفةِ الآثار، فوْق الأرْض، والتَّعَرُّفُ على نسَبِ الموْلود بالنظَرِ إلى أعضائه وأعضاء والدِه، إضافة للقرَابَاتِ النسَبِيَّة الأخْرى، وقِراءَة مَلامِحِ التشابُهاتِ بيْن أطرافها.
أمَّا “التَّطْريقُ”، فهو من التكهُّنُ والتَّخْمين، وأصْلُهُ مَن الطَّرْق، وهو: ضَرْبُ الحَصَى بَعْضه على بعْضٍ، ورسْم الخُطوط على الرَّمْل، تأويلا لوَضْعِياتِ ذلك الحَصى، وتلْك الخُطوط. قال لبيد:
لعَمْرُكَ ما تَدْري الطّوارِقُ بالحصى
ولا زاجراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صانعُ
وكذلك التنْجيم: ما هو إلا تأويلٌ لأشْكالِ تَوَزُّعَاتِ النُّجوم في صفْحة السماء، فهو “عِلْمٌ يُعْرفُ به الاسْتِدْلالُ بالتَّشَكُّلاتِ الفَلَكِيَّةِ على الحَوادِث الأرْضِية”.
وهل “تعْبيرُ الرُّؤْيَا” – هو الآخرُ- إلا تَأوِيلا لتَخاريفِ الأحْلامِ، ومُحَاوَلَةِ إعادةِ أضْغَاثِها، إلى بِنَاءٍ لُغَوِيٍّ، لَه مَنْطِقُ دَلَالِي، عُبُورًا بها من حَيزِ الهُرَاءِ، إلى ضِفَّةِ المَعْنَى؟

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى