ثقافة وفنموضوعات رئيسية

قول على قول في نص للشيخ بكاي/Dhakou Weinhou (المرتضى ولد محمد أشفاق)


عيونك تفضح سرا
وأسمع منك كلاما أكذب أذني فيه…
وتهرب مني..
سبع عجاف من التيه فيك.. إليك …عنك..
أصمت صمت العواصف..
ألا فاسمعي
أحبك لا تغضبي
لم أستشر في فنائي فيك
ولو كان لي الأمر
ماكنت جرحا يؤرق ليلي
وكنا سكنا عيون السحاب
……
ليلاي أتوب إليك….
…….

..وللعواصف صمتان : صمت تنشيط وتحضير اكتساح وعصف، وهي لحظة الضغط الكبرى حين يهدأ الكون، وتختنق الكائنات بشلل الطبيعة وسكون كل شيء في الوجود، لحظة ترقب تتمدد بحجم المعاناة، ثم فجأة ينهزم الكابوس الجاثم المرعب أمام أول دبيب للحلم في رحم الكون المخيف..تتحرك الأشياء وتبدأ العاصفة البشرى باردة هادئة صامتة وإذا الحلم مطر، وإذا المطر حياة و أحلام أخرى تغسل عن خد الطبيعة أحزان الأزمنة الموحشة…
بدأ النص بالعيون، والعين هي المخبأ الشفاف،هي أكبر فاضح للأسرار لكن لا يفقه لغتها إلا الناطقون بها حين يدركون أن حمولة اللحظ أشد كثافة وفتكا وكشفا من حمولة اللفظ…
الحب حالة جميلة لكن أعذب ما فيها هو ذلك الجبن عن المكاشفة وذلك القلق الذي يجعل المعشوق مقدسا،متعاليا لا تدركه الأحلام وهو يشعل نيرانها ويمرر أنامله الرشيقة على الجراح النائمة فتستيقظ من غفوتها، تجلى ذلك في ثلاث محطات تردد فيها الشاعر بين الاعتراف والهروب وإلصاق التهمة الجميلة بالحبيبة…عيونك تفضح سرا وهنا أتعمد كسر الكاف لأني أبحث عن أنثى ولأن الكسر يذكرني بانكسار طرفها…
في ثلاثة أسطر اجتمعت ثلاث حواس : النظر(العيون) ،السمع(أذني) اللسان(أكذب) ثم حركة (أهرب)..
ذكرت التيه والسبع العجاف، الصحراوي- وهي هنا صفة عامة وليست تضاريس لذلك تنسحب على الجبلي- يتيه في السنوات الشهب هروبا من الجدب، يطارد حلما يتخلق في السماء بين يدي سحاب وقمر،لكن تيه الشاعر كان في ظرف آخر لم يبرحه هو(كاف المخاطبة) فهي المفعول فيه(…من التيه فيك) وهي المفعول إليه(…إليك)، وهي المفعول عنه(عنك)…إنها مصطلحات نحوية جديدة لا شك، أجملها النحاة القدماء في المفعول فيه فقط…
المحطة الثانية استدعاء الشجاعة، واقتلاع الحاجز السميك،ونسف الجدار العازل بين الحبيبين، وإذا الشاعر يخرج المشاعر من قفص الكبت والإخفاء والتردد، ألم أقل لكم إن العبور إلى البلد المقدس صعب؟؟ انظروا إلى التصريح والجرأة : أحبك..! ثم استعطاف وتهدئة : لا تغضبي..!!ثم اعتذار وإزاحة الفعل إلى فاعل آخر وصار هو نائب فاعل، وهل نائب الفاعل إلا مفعول به مرفوع…وقمة الهروب والتواري أن يكون نائب الفاعل ضميرا مستترا(لم أُستشَر في فنائي فيك..)، وآخر الاعتذار التوبة: ليلايَ أتوب إليك، حتى وهو يتوب، والتوبة ابتعاد عن الذنب لكن الشاعر خدعها وخدعنا لأنه بقي لصيقا بها في صيغة الإضافة (ليلايَ)، كأنه يقول لها أنت مني، وكأنه يقول لنا أيها الناس قد خدعتكم أنا وهي كلمة واحدة، سران يكتمنا حيزوم ظلماء…..
مفردات العلو: سكنا عيون السحاب..تقابل بين السكون والهروب، الهروب واقع،كابوس والسكون قناعة، أمل،حلم..
السحاب والسباحة وحدة الانتماء اللفظي(س،ح،ب)، ووحدة العنصر المكون(الماء)…والسين حرف مهموس،وحرف تنفيس لكنه هنا يلعب دور الرقيب في أول الكلمة(س،ح،ب)،إذا انسحبت السين وقعت خلوة الحاء بالباء،يلتحمان ويعطيان(حب)..وإذا بدلت السين موقعها إلى آخر الكلمة انتقلت من دور الرقيب إلى دور المانع:(ح،ب،س)أي حبس،وتعطيل …
في هذه المحطة، محطة التحليق بعيدا عن أبناء التراب، الزمان الشقي،تزدحم الكلمات الدالة على التعالي: سحاب،نطير،نعلو،نطفو..قمم،أفق..
إلخ..هنا تداع وبوح، الحالم الواعي الفاني في عالم صاف الحياة فيه حلم جميل…
بين ليلَى وليلِي نقتطان سفليتان تجران إلى ألم بعد أمل، إلى الانفصال والهروب والدروب السوداء، لكنها لا تقتل الحلم، ولا تعدم الأمل، فالحب باق،والشرود والهروب يؤججان نار التعلق ويقولان للشاعر قدرك أن تظل عاشقا، وأجمل العشق ما ظل حنينا وشوقا وسفرا متواصلا إلى شارد لا يدرك،،أليست الرحلة هي الفعل المستمر؟؟أليس الوصول نقطة نهاية؟؟
سأحدث القمر عن هرولة النهد…عن نزق الساق..ودنيا العيون..
عن صوتك اللزج…
أرق الغزل أصدقه، إذا حاول الشاعر أن يتحدث بلسان غيره يكون كاذبا، إذا ظن أن بعض مفردات القاموس الغزلي نجس ورجس يكون طفلا توجهه تعاليم غبية، سيتألم وسيشعر بأحاسيس تريد حقها في رؤية النور، البوح ليس جريمة، ومحاسن الجسد ليست قذرا يدنس نقاء الفضيلة، هناك دائما أوصياء على أخلاق الناس يترصودن عصابات إجرام يقودها نهد نافر، وطرف كحيل، و بنان مخضب، وصوت رخيم…
شكرا للأديبة النجاح محمد التي يشبه اسمها اسم زميلتي النجاح محمد أستاذة الأدب ،خريجة المدرسة العليا للأساتذة ، شكرا إذن على أخذك إياي في رحلة ممتعة في رحاب نص جميل، فاتن ،مكتنز بعبق التاريخ والجغرافيا والأدب،مكتو بنار الحب،تشاغب فيه شياطين الشعر المتمنعة على التعويذات…

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى